الغاء اختبارات الشهادة السودانية (2)

د. أحمد جمعة صديق
جامعة الزعيم الأزهري – جامعة الخرطوم

الاختبار مجرد حصة اضافية

في نهاية كل عام؛ يبدأ حصاد النشاط الطلابي في التعليم العام، حيث يقف هؤلاء الطلاب وأولياء الأمور وهيئة التدريس استعداداً لاختبارات النهائية للشهادة السودانية. الاختبار – حيث يُكرم المرء أو يُهان – وهو مفهوم سائد وخاطئ لهذه العملية التربوية- في الذهنية السودانية، حيث يكون الاختبار موسم توتر شديد يمر به الممتحنون وعائلاتهم، ومنهم من يحول هذه المناسبة إلى فترة حداد يصيب الجميع، القريب والبعيد، وتهتز فيه العلاقات بين الأسر، ويُصرف الكثير من الجهد البشري والمال والدموع والأعصاب – لمجرد أن أحد أفراد الأسرة سيخوض اختبارات الشهادة والتــي كانــت يومــا ً أكثــر إشراقا ً وبهاء ً في عصورهــا القديمة.

يسود هذا المفهوم السالب الخاص بالاختبارات منذ أمد بعيد، إذ كانت الاختبارات حقيقة وسيلة للقهر والتمييز والاستبعاد منذ كلية غردون، في حين أن مجمل الأمر لا يستحق كل هذا العناء، إذا أدرك الآباء والمسؤولون عن التعليم أن الاختبار بمعناه الحديث ليس أكثر من (حصة إضافية) من دروس الطالب تساعده في فهم المنهج وهضم المعلومات والمفاهيم والقيم المستهدفة في هذه المرحلة أو تلك.

الاختبار بهذا المفهوم هو وسيلة علاج لسد الثغرات المعرفية التي فاتت الطالب أثناء التدريس. تتضمن هذه المعرفة معلومات أو قيماً أو مفاهيم أو مهارات. الاختبارات وسيلة للقياس ومراقبة الجودة للعملية التعليمية برمتها. لذلك يمكن للوزير أو مدير التعليم الحصول بسهولة على الحقيقة كاملة من خلال نظرة سريعة على أي اختبار يتم على بعد آلاف الأميال من مكاتبهم.

إذ يمكن لورقة الاختبار أن تخبرنا عن كل شيء تقريباً عن أداء الطلاب في طويشة أو دنقلا ، وكذلك (ستفضح) الاختبارات ممارسات المعلمين في الفصل الدراسي، وتأثير الإدارة المدرسية، بالإضافة إلى أثر زيارة المشرف التربوي لإجراء المتابعة. ويمكن لورقة الاختبار الجيد أن تخبرنا بكل شيء عن :نجاح أو فشل البرنامج أو المقرر الدراسي، أداء المدرسي، أداء المديرين مما ينعكس على صحة البيئة المدرسية، وكذلك ستنبئنا الاختبارات بالحقيقة الكاملة حول تحقيق أهدافنا التربوية والثقافية والاجتماعية على الصعيد الشخصي والقومي.

  1. الاختبار الجيد:

يشمل الاختبار الجيد العناصر الآتية وهي:

· الثبات والاتساق (Reliability)

· الصدق (Validity)

· الموضوعية (Objectivity)

· الشمول (Comprehensiveness)

· الوضوح (Clarity)

· المردود (Washback)

وهي مفاهيم أساسية يمكن التوسع في معرفة مضامينها في المراجع المذكورة في نهاية هذا البحث.

2.0 بماذا يخبرنا الاختبار الجيد؟

يمكن للاختبار الجيد أن يخبرنا بأشياء كثيرة.

2.1. أداء الطالب:

عندما ينهي الطلاب دورة تدريبية أو مقرراً خاصاً بهم، سيتعين عليهم الجلوس لاختبار لقياس مقدار ما تعلموه واستوعبوه. وفي هذا الصدد، يعد الاختبار مجرد أداة لإخبارنا عن درجة الإنجاز (التحصيل) الذي حققه الطلاب ومقدار ما تعلموه. لذا فإن النتائج ليست سوى مرايا تعكس تحصيل الطلاب للدرس كلياً أو جزئياً. سنكون سعداء بالطبع إذا حقق جميع المختبرين نجاحاً كبيراً في اختباراتهم، وبنفس القدر سنشعر بالأسف إذا كانت النتائج غير مرضية وكانت الفجوة كبيرة في تعلم الطلاب. ففي هذه الحالة سنحاول معرفة الأسباب الكامنة وراء هذا الفشل أو التدني في الدرجات، وسنحاول سد الثغرات لمساعدة هؤلاء الدارسين للحاق بزملائهم الذين حققوا إنجازات (تحصيلا) عالياً.

.2.2 مرآة لأداء المدرسين ((Teaching Force : في فهم المنهج والحرص على الأهداف واختيار طرق التدريس المناسبة

يعكس الاختبار الجيد مقدار الجهود التي يبذلها المعلمون في تعليم الدارسين، إذ يحرص المعلمون المتمرسون على هضم المواد التي يقومون بتدريسها واختيار الأساليب المناسبة لتدريس هذه المواد. فالتدريس فن يعرفه الماهرون منهم، للقيام بذلك بفعالية، وبأقل جهد ووقت ومال ممكن. ويمكن للاختبار الجيد أن يبين مقدار الجهود التي يبذلها المعلمون في الفصول الدراسية، والنتائج التي يحققها الدارسون هي دليل جيد على العمل الذي قامت به هيئة التدريس.

.2.3 فعالية المناهج الدراسية:

يهتم المنهج بالمعنى الواسع بالفلسفة التربوية للبلد المعني، وهو مجموعة من الأهداف تُضمَّن في المقرر بصورة مباشرة أو غير مباشرة. والكتاب المدرسي يُصمم ليخدم المناهج ويحقق الأهداف التعليمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للأمة والدولة. والمنهج بهذا الفهم عبارة عن جرعة تعليمية مصممة خصيصاً لخدمة أهداف محددة، في وقت محدد، لأشخاص محددين، في عمر معين. فإذا كانت الجرعة كبيرة فستؤدي حتماً إلى تأثير سلبي، وإذا كانت صغيرة جداً فإنها ستؤذي الدارسين وتعيق تعليمهم. والهدف النهائي للتعليم – أي تعليم – هو تأهيل الدارسين لحل مشاكلهم الشخصية والمجتمعية. ولتحقيق هذه الأهداف، نحتاج إلى تعليم الطلاب هذه المفاهيم واختبار مقدار ما تعلموه لتحقيق هذه الأهداف فقط، وليس لتقدير درجة التميز كما هو الحال الآن.

ويمكن للاختبار الجيد أن يخبرنا بالعديد من الأشياء حول المنهج الذي من المفترض أن يتعلمه الطلاب. يمكننا الحكم من نتائج الاختبار على مقدار المعارف والمهارات التي اكتسبها أطفالنا، وإلى مقدار ما يحتاجونه من تعليم إضافي لسد ثغرات المعرفة أو المهارات التي فاتتهم لسبب أو لآخر. ونتائج الاختبار، إذا قُرئت بصورة صحيحة، تنبئنا بنوع السلوك الذي سيقوم به أبناؤنا كنتيجة طبيعية متوقعة من تعليمهم وتعلمهم.

2.4. فاعلية الإدارة المدرسية:

يساعد الاختبار الجيد إدارة المدرسة في معرفة مدى التقدم الذي يحرزه المعلمون والطلاب لاستيعاب المنهج الدراسي وإنهاء الدورة التدريبية المحددة وتحقيق أهداف المنهج. ويمكن لمدير المدرسة الحريص أن يستنتج من متابعة نتائج الاختبار الجهود التي يبذلها المعلمون في الفصول الدراسية، إذ ينبغي أن تنعكس هذه الجهود بوضوح في أداء الطلاب وممارساتهم.

لذا فإن نتائج الاختبار هي دليل جيد للمدير على أن المعلم قد أدى دوره على أكمل وجه، حيث غطى المنهج بأكمله وصمم اختبارات شاملة ذات محتوى عالٍ من الصدق. وبصفته مديراً لمؤسسته التعليمية، يمكن للمدير وبكل سهولة الحكم على أداء كل طاقم التدريس والطلاب من خلال ورقة الاختبار فقط.

2.5. فعالية مشرفي التربية والتعليم في متابعة نشاط المعلم:

تنعكس المتابعة التي يقوم بها المشرف التربوي للمعلمين على الاختبارات أيضاً، إذ يمكن للمشرف أن يتتبع بسهولة أداء عضو هيئة التدريس من خلال دفتر التحضير للدروس اليومية وسجلات الدروس، إذ يساعد هذا في معرفة مقدار المنهج الذي تم غطاه المعلمون، ومن خلال الاختبار يمكنه الحكم على التقدم الذي تم إحرازه. ويقوم المشرفون التربويون أثناء زياراتهم الروتينية إلى المدرسة بالتعرف على كيفية قيام المعلمين بمهامهم من تحضير للدروس وتدريس فعلي داخل الفصل وتغطية المنهج الدراسي ووضع وتصحيح اختبارات سليمة، ويمكنهم بهذا تفسير أداء الطلاب في اختباراتهم. فالاختبار الجيد هو أحد طرق المشرفين للتأكد من أن المعلمين ومديري المدارس والطلاب قد حافظوا على أجندتهم التعليمية، وبهذا يكون الاختبار منتجاً نهائياً (للعمل الجماعي) الذي ساهم فيه الطلاب والمعلمون والمشرفون التربويون، وكلهم تحت الإدارة الرشيدة لمدير المؤسسة أو المنظمة التربوية. وأيضاً يساهم في هذا العمل التربوي الجماعي بصورة غير مباشرة: خفير المدرسة، ومديرة البوفيه، والصول (وهو قائم مقام النظام)، وآخرون.

.2.6 تأمين الأجندة التعليمية الوطنية للأمة:
يحرص الآباء على معرفة تقدم ونمو أطفالهم بصورة إيجابية، وكيف سيكون هؤلاء الأبناء على استعداد لاستخدام تلك المعارف والمهارات التي اكتسبوها من المدرسة لحل مشاكلهم ومساعدة الآخرين في نفس الوقت. سيسعد الآباء – لا شك – برؤية التغير الإيجابي في مواقف وسلوك أبنائهم نتيجة للتعليم الجيد الذي حصلوا عليه في المدرسة. والتنفيذ السليم لأهداف المناهج التربوية وتحقيق هدف التدريس واختبار هذه الأهداف؛ سيكون كله تعبيراً عن تحقيق جميع طموحات أصحاب المصلحة من الآباء والمعلمين والتربويين وصانعي القرار. يتبع>>>

aahmedgumaa@yahoo.com

عن د. أحمد جمعة صديق

شاهد أيضاً

هل اختبارات التوفل والآيلتس معايير صحيحة وموثوقة للحكم على الكفاءة اللغوية والقبول الجامعي؟

اعدادد. أحمد جمعة صديقجامعة الزعيم الأزهري الحلقة (38) في النظام التعليمي العالمي الحديث، أصبحت اختبارات …