يقول ديتريش بونهوفر: «الغباء عدوٌّ للخير أكثر خطورة من الخبث.»
هذه العبارة تبدو اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالشر يمكن أن نراه ونكشفه ونقاومه، أما الغباء السياسي فيستطيع أن يجعل الإنسان يدافع عن الشيء الذي يضرّه، بل ويعتبر الدفاع عنه نوعاً من الوطنية أو الولاء.
في الولايات المتحدة، أدت الحرب مع إيران إلى ارتفاع أسعار الطاقة، بينما ساهمت الرسوم الجمركية في زيادة تكاليف كثير من السلع. ومع استمرار التضخم، رفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة في سبتمبر 2026 إلى نطاق 3.75–4.00%، في محاولة لكبح التضخم الذي أصبح أكثر اتساعاً من مجرد ارتفاع أسعار الطاقة.
وهنا يبرز سؤال سياسي مهم: لماذا يستمر جزء من الناخبين ، وهم يشكلون حوالى ثلث الناخبين فى أمريكا ، في تأييد سياسات يرون آثارها الاقتصادية على حياتهم اليومية؟
والسؤال نفسه يمكن طرحه في السودان، ولكن بصورة أكثر مأساوية.
فبعد عقود من حكم الحركة الإسلامية، وما ارتبط بذلك من اتهامات موثقة بالفساد والقمع وانتهاكات حقوق الإنسان، وما أعقب الحرب من قتل ودمار وانهيار اقتصادي، ما زال جزء من الخطاب السياسي يصر على استمرار الحرب تحت شعار «بل بس»، وكأن استمرار الحرب أصبح غاية في ذاته.
هنا نستعيد بونهوفر.
كان بونهوفر قساً ألمانياً شارك في مقاومة النازية، واعتُقل ثم أُعدم في معسكر فلوسنبورغ في 9 أبريل 1945، قبل تحرير المعسكر بنحو أسبوعين. وكان في التاسعة والثلاثين من عمره. وقد ترك وراءه كتابات أصبحت من أهم النصوص التي تناقش علاقة الإنسان بالسلطة والجماعة والضمير.
في نصه «بعد عشر سنوات»، الذي كتبه في نهاية عام 1942، طرح بونهوفر أفكاراً مهمة عن الغباء. وهو لا يقصد بالغباء نقص الذكاء أو التعليم، بل يرى أنه يمكن أن يصيب الإنسان الذكي والمتعلم عندما يفقد استقلاله الداخلي وقدرته على التفكير النقدي.
فالغباء، في هذا المعنى، ظاهرة اجتماعية وسياسية.
عندما يسلّم الإنسان عقله لجماعة أو حزب أو زعيم، يصبح مستعداً لقبول روايته والدفاع عنها، حتى عندما تتناقض مع الوقائع. ولهذا فإن تقديم الحقائق وحده قد لا يكون كافياً؛ لأن المشكلة لم تعد نقصاً في المعلومات، وإنما فقداناً للاستقلال في الحكم.
وهنا تظهر مشكلة جديدة لم تكن موجودة في زمن بونهوفر بهذا الشكل: وسائل الإعلام والخوارزميات الرقمية.
فالخوارزمية لا تكذب بالضرورة، لكنها قد تساعد على انتشار الكذب عندما تكتشف أن المحتوى المثير والغاضب والمضلل يجذب انتباه الناس أكثر من المحتوى الهادئ القائم على الأدلة. وبذلك يمكن أن يتحول الكذب إلى رواية متكررة، ثم إلى «حقيقة» داخل جماعة مغلقة.
وهكذا لا يعود الإنسان يتلقى المعلومات فقط؛ بل تبدأ الخوارزميات في اختيار ما يراه، وتكرار ما يوافق قناعاته، وإبعاد ما يناقضها.
وتزداد المشكلة عندما تتحول وسائل الإعلام والمنصات الرقمية إلى أدوات لتبرير السلطة أو الحرب أو الفساد. فبدلاً من أن يكون الإعلام وسيلة لاختبار الحقيقة، يصبح وسيلة لإنتاج الرواية التي يحتاجها الجمهور أو التنظيم أو السلطة.
وهنا تكمن خطورة الغباء السياسي:
ليس في أن الإنسان لا يعرف الحقيقة، وإنما في أن يفقد الرغبة في البحث عنها.
وقد يكون أخطر ما في الأمر أن الإنسان لا يشعر بأنه فقد استقلاله؛ بل يعتقد أنه أصبح أكثر وعياً، بينما هو في الحقيقة يكرر ما تنتجه الجماعة أو الإعلام أو الخوارزمية.
لذلك فإن مواجهة الغباء ليست مجرد نشر مزيد من المعلومات، وإنما استعادة الاستقلال العقلي، والقدرة على الشك، والاستعداد لسماع الرأي المخالف، والتمييز بين الحقيقة والتبرير، وبين الولاء للجماعة والولاء للمجتمع.
فالبلدان لا تدمرها الأخطاء وحدها، ولا الفاسدون وحدهم؛ فقد يستطيع مجتمع كامل أن يتحمل أخطاء حكامه ويصححها.
لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الخطأ إلى عقيدة، والكذب إلى رواية، والتبرير إلى فضيلة، ويصبح الدفاع عن الجماعة أهم من الدفاع عن الحقيقة.
عندها يصبح الغباء بالفعل عدواً للشعوب.
ولعل هذا أحد الأسباب المهمة التي تدعونا، في السودان، إلى مقاومة فكر الإخوان المسلمين والسعي إلى إنهاء نموذج الحكم الذي أسسوه منذ انقلاب عام 1989م. فالمشكلة، في تقديري، لا تتعلق فقط بتغيير الأشخاص أو إسقاط سلطة سياسية، وإنما بتحرير المجال العام من منظومة فكرية وتنظيمية تجعل الولاء للجماعة مقدماً على استقلال الفرد، وتضع الطاعة التنظيمية فوق التفكير النقدي.
والدرس الأهم الذي يمكن أن نستخلصه من بونهوفر هو أن مواجهة الغباء لا تكون بمجرد نشر المزيد من المعلومات، وإنما باستعادة الاستقلال العقلي، والقدرة على الشك، والاستعداد لسماع الرأي المخالف.
وهذه القيم تحتاج إلى مجتمع مفتوح، وإعلام حر، ومجال عام يسمح بالاختلاف والحوار والمراجعة. ومن هنا فإن مقاومة الاستبداد وهزيمة حكم الاخوان المسلمين ليست فقط معركة على السلطة، وإنما هي أيضاً معركة من أجل استعادة الإنسان لحقه في أن يفكر بنفسه.
طلعت محمد الطيب
