دكتور الوليد آدم مادبو
«الموسيقى هي اللغة التي يعجز العقل عن ترجمتها.»
— آرثر شوبنهاور
ليست من قبيل المصادفة أن تختزن الذاكرة العربية مقولة مثل «من غنّى جنّ». فالأمثال الشعبية لا تُولد من فراغ، ولا تُصاغ لتكون أحكامًا علمية أو فقهية، وإنما تتكون عبر تراكم طويل من الخبرة الاجتماعية، فتغدو مرآةً تعكس رؤية المجتمع للإنسان وللعالم. ولذلك فإن هذه العبارة، على قصرها، تكشف عن تاريخ من الالتباس في فهم الفن، أكثر مما تكشف عن حقيقة الغناء نفسه.
فالإنسان لم يغنِّ يومًا لأنه فقد عقله، بل لأنه أراد أن يمنح صوته ما تعجز اللغة العادية عن حمله. وقبل أن يعرف الكتابة، عرف الإيقاع، وقبل أن يدون الشعر، عرف اللحن. ولعل الموسيقى كانت أول لغة اكتشف بها الإنسان أن في داخله عالماً لا تستطيع الكلمات وحدها أن تصفه. ولهذا لم يكن غريبًا أن ترى الحضارات القديمة في الإبداع حالة استثنائية تتجاوز المألوف؛ فتحدث أفلاطون عن «الجنون الإلهي» الذي يعتري الشاعر، ونسب العرب الشعر إلى وادي عبقر، حيث تقيم الجن في مخيلتهم، وكأنهم كانوا يبحثون عن تفسير لما عجزت معارف عصرهم عن تفسيره.
غير أن هذه الفكرة تحولت، مع مرور الزمن، من محاولة لفهم الإبداع إلى وسيلة للحكم عليه. فلم يعد «الجنون» وصفًا لحالة الإلهام، بل صار تهمةً تُلصق بالفنان، وأصبح المجتمع ينظر إلى الغناء أحيانًا بعين الريبة، لا لأنه فهمه، بل لأنه لم يفهمه.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الموروث الثقافي والاجتهاد الفقهي. فالأمثال الشعبية ليست نصوصًا دينية، وإنما هي خلاصة لخبرة اجتماعية، تصيب وتخطئ، وتعكس تحيزات المجتمع بقدر ما تعكس حكمته. ولذلك فإن مقولة «من غنّى جنّ» تبدو أقرب إلى حكم ثقافي منها إلى حكم شرعي، وهي تكشف عن نظرة اجتماعية إلى الفنان أكثر مما تكشف عن موقف الدين من الفن.
ولعل هذا يفسر لماذا ارتبط الغناء، في أزمنة طويلة، بالفئات التي كانت تعيش على هامش المجتمع؛ من القيان، والموالي، والزنج، والمغنين الجوالين. ولم يكن المجتمع ينظر إلى هؤلاء من خلال فنهم، بل من خلال موقعهم الاجتماعي. وهكذا انتقلت النظرة إلى صاحب الفن لتصبح نظرة إلى الفن نفسه، حتى غدا الغناء، في المخيال الشعبي، مرتبطًا باللهو والخفة والخروج عن الوقار، لا لأن الموسيقى تقتضي ذلك، بل لأن من حملها لم يكن من أصحاب السلطة أو المكانة.
ولم يكن ذلك مجرد مصادفة تاريخية، بل يكاد يكون نمطًا يتكرر في حضارات مختلفة، حتى يغدو سؤالًا يستحق التأمل: لماذا كثيرًا ما يولد الغناء من الهامش الاجتماعي؟
وليس معنى ذلك أن الفقر يمنح أصحابه موهبة لا يملكها سواهم، أو أن المعاناة شرط للإبداع؛ فالموهبة الإنسانية لا تعرف طبقةً ولا عِرقًا. غير أن التهميش يمنح الفن وظيفة اجتماعية ووجودية تتجاوز الترفيه والجمال. فمن لا يملك صحيفةً، أو منبرًا، أو سلطةً على تدوين تاريخه، لا يبقى له، في كثير من الأحيان، سوى صوته وجسده وذاكرته. ومن هنا يصبح الغناء أكثر من تسلية؛ يصبح وسيلة لتنظيم العمل، وتخفيف الألم، وتثبيت الهوية، وتمرير الاحتجاج، وإعادة بناء الجماعة في وجه عالم يسعى إلى تفكيكها.
لقد كان الصوت أرخص أدوات التعبير وأكثرها استعصاءً على المصادرة. يستطيع الإنسان أن يُحرم من الأرض والكتاب، لكن يصعب أن يُنتزع منه الإيقاع الذي يحمله في جسده، أو اللحن الذي يحفظه في ذاكرته. ولعل هذه الحقيقة تفسر لماذا ظل الغناء، في كثير من الحضارات، لغة الذين لم يملكوا سوى أصواتهم.
auwaab@gmail.com
