نزار عثمان السمندل
تصل الدولة، أحيانا، إلى لحظة يصبح فيها السوق أكثر صدقاً من كل البيانات الرسمية.
يغلق التاجر دكانه، تتوقف حركة البيع والشراء، تختفي السيولة من الأيدي، يقف المواطن أمام سلعة يتغير سعرها قبل أن يستطيع دفع ثمنها، ويهبط الجنيه في ساعات قليلة بما يكفي لابتلاع ما تبقى من قدرة الناس على الاحتمال.
عند تلك اللحظة لا يعود الاقتصاد مجرد أرقام في النشرات، وإنما يتحول إلى حياة يومية تضيق على أصحابها يوماً بعد آخر.
تلك هي الصورة التي يذهب إليها السودان الآن. إضراب مفتوح وإغلاق للأسواق بدأ في عطبرة وشندي وامتد إلى أسواق أخرى، بينما أغلقت معظم المحال التجارية في الخرطوم أبوابها، وتوقف تجار عن البيع بالجملة بسبب عدم استقرار الأسعار وتزايد الرسوم والجبايات والضرائب.
الدولار في السوق الموازية تجاوز 9 آلاف جنيه (حتى كتابة هذا المقال)، بعد أن كان في حدود 7199 جنيهاً. هذا لا يصف سوق العملات وحده، وإنما يكشف المسافة التي اتسعت بين دخل المواطن وبين حياته.
وسط هذا الانهيار نستذكر العبارة التي قالها وزير المالية جبريل إبراهيم في لقاء متلفز، باعتبارها تلخيصاً بالغ الدقة لطريقة نظر هؤلاء إلى الاقتصاد. تحدث الوزير عن غياب الصادرات في ظل الحرب، وعن اعتماد الحكومة على الضرائب التي تأخذها من المواطنين لتسيير دولاب الدولة، ثم تعيدها إليهم في صورة خدمات، ومنها رواتب المعلمين والأطباء.
العبارة تكشف جوهر المأزق أكثر مما تقدم تفسيراً له. من أين يأتي المواطن بالمال الذي ستأخذه منه الدولة، بينما المواطن نفسه يعيش الحرب، وانقطاع الخدمات، وتوقف المصارف والتطبيقات، وارتفاع الوقود، وانهيار العملة، وارتفاع أسعار السلع، وتراجع النشاط التجاري؟
حين يصبح المواطن هو الخزان الذي تموّل منه الدولة نفسها، تتحول الضريبة من أداة مالية إلى اقتطاع من جسد يتآكل ويموت ببطء.
الدولة في الأصل، وفي الظروف العادية، تحتاج إلى اقتصاد منتج كي تموّل مؤسساتها، بينما السودان يفتقر، منذ عقود، البيئة التي تسمح له بالإنتاج والتجارة والاستثمار والحركة.
كل ما يحدث يسير في الاتجاه المعاكس. رسوم محلية واتحادية متراكمة، تقديرات ضريبية يشكو التجار من عدم واقعيتها، إيجارات مرتفعة، وقود يثقل كلفة النقل، ومصارف تعاني اضطراباً في الخدمات والسيولة، وحرب تقطع طرق التجارة وتضرب سلاسل الإمداد. يصبح التاجر محاصراً من كل الجهات، ويصبح المواطن هو الحلقة الأخيرة التي تصل إليها كل هذه الفواتير.
السياسة الاقتصادية في عهد البرهان وجبريل إبراهيم تتحرك داخل هذه المعادلة الثقيلة. الحرب عطلت قطاعات الإنتاج والتجارة والنقل، والعملة فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها، والخدمات المصرفية تعرضت لاضطرابات متكررة، بينما ظلت الدولة تبحث عن مواردها داخل اقتصاد منهك.
ومع كل ضغط مالي جديد تأتي زيادة في الرسوم أو الضرائب أو تكلفة الوقود أو الأعباء المحلية، فتنتقل كلفة العجز من خزينة الدولة إلى التاجر، ومن التاجر إلى المستهلك، ومن المستهلك إلى بيت لم يعد دخله قادراً على اللحاق بالأسعار.
النتيجة الاقتصادية لهذا المسار يمكن رؤيتها في السوق نفسه. التاجر الذي لا يستطيع معرفة تكلفة بضاعته غداً يتوقف عن البيع، والمستورد الذي لا يعرف سعر العملة يتردد في الاستيراد، والمصنع الذي يدفع كلفة إنتاج مرتفعة يخفض نشاطه أو يغلق، وسائق النقل يرفع كلفة الترحيل مع ارتفاع الوقود، ثم تصل السلعة إلى المواطن بسعر يحمل كل هذه الأعباء المتراكمة. كل حلقة تدفع الحلقة التي تليها نحو مزيد من الانكماش.
في ولاية نهر النيل يتحدث التجار عن تقديرات محلية تصل إلى أكثر من 90 مليون جنيه في بعض الحالات، بينما يقول تجار في الخرطوم إنهم يواجهون ضرائب ورسوم خدمات وعوائد متعددة، وإن بعضهم اضطر إلى الإغلاق بسبب تداخل المطالبات وارتفاع الكلفة. الغرفة التجارية ترى أن الحركة التجارية لم تستعد قدرتها على النهوض، والحرب والقرارات التي عطلت حركة التجارة في ولايات عدة عمّقت الركود، وطالبت الغرفة بمراجعة السياسات الضريبية والرسوم وتحديد الإيجارات والتقديرات وفق النشاط وتفعيل الفوترة.
المشكلة أن حكومة الأمر الواقع تتعامل مع اقتصاد الحرب كما لو أن المجتمع يستطيع أن يظل ممولاً دائماً للحرب والدولة والسوق في الوقت نفسه.
المواطن يدفع، والتاجر يدفع، والمنتج يدفع، والمستهلك يدفع، بينما تتراجع القدرة الإنتاجية التي يفترض أن تعيد إنتاج المال نفسه. يصبح الاقتصاد في هذه الحالة شبيهاً بآلة تعمل على حرق وقودها الداخلي. كلما احتاجت الدولة إلى المزيد أخذت من قطاع تجاري أضعف، وكلما ضعف القطاع التجاري تقلصت موارده، فعادت الحاجة إلى جباية أكبر.
لهذا يبدو الإضراب أكبر من خلاف بين التجار والضرائب. السوق حين يغلق أبوابه يقول إن القدرة على الاحتمال وصلت إلى حدها. وحين يتوقف التاجر عن البيع لأنه لا يعرف كم سيكلفه استبدال بضاعته في اليوم التالي، يصبح السعر نفسه مجهولاً.
وحين تختفي السيولة ويتعطل التطبيق المصرفي ويصعد الدولار آلاف الجنيهات في ساعات، يصبح الاقتصاد كله واقفاً على أرض هشّة تتحرك تحته.
المسألة تبدأ بإضراب مطلبي، لكنها تحمل داخلها غضباً معيشياً يتراكم تحت سطح الحرب. الدولة التي تبحث عن المال من جيوب مواطنيها وهي تعرف أن الإنتاج مختنق، تستهلك ما تبقى من الاقتصاد بدلاً من أن تفتح له طريقاً للخروج.
وكلما اتسعت الجباية انكمشت السوق، وكلما انكمشت السوق تراجع الإنتاج، وكلما تراجع الإنتاج احتاجت الدولة إلى جباية أكبر.
تلك دائرة مغلقة، والسوق السوداني بدأ يعلن كلفة هذه الدائرة بطريقته الخاصة، أبواب مغلقة، بضائع لا تُباع، عملة تنهار، ومواطن لم يعد يملك رفاهية انتظار تفسير جديد للأزمة.
النهاية لا تأتي دفعة واحدة. تبدأ من دكان يغلق، ومن تاجر يرفض البيع، ومن مواطن يعجز عن شراء احتياجاته، ثم تتسع المسافة بين الدولة والناس حتى يصبح الشارع نفسه هو دفتر الحساب.
