الفصل السابع وملف السودان.. هل تنطبق شروطها على الحرب في السودان؟

عبدالغني بريش فيوف
“نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب”
ديباجة ميثاق الأمم المتحدة…
يشهد السودان منذ منتصف أبريل من العام 2023، صراعا مسلحا عنيفا، أدى إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العصر الحديث، متمثلة في موجات نزوح ولجوء غير مسبوقة، وتدمير هائل للبنية التحتية، وانهيار شبه تام لمؤسسات الدولة.
وفي ظل هذه المأساة المركبة، تصاعدت أصوات داخلية تطالب بتدخل المجتمع الدولي وتفعيل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لوقف نزيف الدم وإعادة بناء وتأسيس الدولة، لكن يطرح هذا المطلب، تساؤلا جوهريا يجمع بين تعقيدات القانون الدولي وتشابكات السياسة الدولية، ويتمحور حول مدى انطباق الحالة السودانية الراهنة على محددات الفصل السابع، وكيفية التنفيذ العملي لهذا التدخل في حال إقراره.
التأصيل القانوني لآليات تفعيل الفصل السابع!!
يُعد الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بمثابة العصا الغليظة للمنظمة الدولية، فهو الإطار القانوني الوحيد الذي يمنح مجلس الأمن الدولي سلطة اتخاذ قرارات مُلزمة لجميع الدول الأعضاء، وقد تتضمن هذه القرارات استخدام القوة المسلحة للتدخل في شؤون دولة ما دون الحاجة إلى موافقة حكومتها، وهو ما يمثل استثناءا صريحا وقويا لمبدأ السيادة الوطنية المتعارف عليه في العلاقات الدولية.
تبدأ آلية التفعيل قانونيا من المادة التاسعة والثلاثين، وهي بوابة العبور الإلزامية للفصل السابع، حيث تمنح هذه المادة مجلس الأمن سلطة حصرية لتقييم الموقف وتقرير ما إذا كان هناك تهديد للسلم، أو إخلال به، أو عمل من أعمال العدوان، وبمجرد إقرار المجلس بوجود إحدى هذه الحالات، ينتقل لتطبيق تدابير متدرجة للتعامل مع الأزمة.
يبدأ هذا التدرج عادة بتفعيل المادة الحادية والأربعين، التي تتيح لمجلس الأمن فرض عقوبات وتدابير قسرية لا تتطلب استخدام القوة المسلحة، بهدف الضغط الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي على الأطراف المتصارعة، وتشمل هذه التدابير وقف الصلات الاقتصادية وقطع خطوط المواصلات والاتصالات، فضلا عن فرض حظر شامل أو جزئي لتوريد الأسلحة، وتجميد الأصول المالية، وفرض حظر سفر على القيادات التي تعرقل مساعي السلام.
في حال قرر مجلس الأمن أن التدابير غير العسكرية الواردة في المادة الحادية والأربعين لا تكفي، أو ثبت بالتجربة العملية أنها لم تحقق الهدف المرجو منها، يمنحه الميثاق حق الانتقال إلى المادة الثانية والأربعين، وتتيح هذه المادة اتخاذ ما يلزم من الأعمال العسكرية لحفظ السلم والأمن الدوليين أو إعادتهما إلى نصابهما، وتتنوع هذه الأعمال العسكرية لتشمل المظاهرات العسكرية لغرض استعراض القوة والردع، أو فرض حصار عسكري بحري أو جوي، وصولا إلى شن عمليات عسكرية مباشرة وواسعة النطاق بواسطة القوات التابعة للدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
المعضلة السياسية وتوازنات القوى داخل مجلس الأمن!!
من الناحية القانونية والنظرية البحتة، تبدو نصوص الميثاق واضحة ومتدرجة، لكن التطبيق الفعلي على أرض الواقع يخضع بالكامل للإرادة السياسية للدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، والتي تمتلك حق النقض أو ما يُعرف بالفيتو.
إن تفعيل الفصل السابع، ليس عملية قانونية تتم بشكل آلي أو أوتوماتيكي بمجرد اندلاع صراع دموي، بل هو قرار سياسي معقد يخضع لحسابات دقيقة تتداخل فيها المصالح الجيوسياسية للدول الكبرى، فالدول تتدخل عادة بناءا على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة المشتعلة، وتتجنب التورط عندما تكون المخاطر أعلى من المكاسب.
إلى جانب المصالح، تبرز معضلة الخوف من الانزلاق في الصراعات الممتدة، حيث تتجنب القوى العظمى التدخل العسكري المباشر في مناطق شاسعة ومعقدة ديموغرافيا وجغرافيا خوفا من التورط في مستنقع يستنزف مواردها العسكرية والمالية لسنوات طويلة دون أفق واضح للحل.
يضاف إلى ذلك الصراع الفكري والسياسي الدائم بين مبدأ السيادة الوطنية ومبدأ مسؤولية الحماية، ففي حين تتبنى دول مثل الصين وروسيا تفسيرا صارما ومحافظاً لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتستخدم الفيتو غالباً لمنع أي قرارات تحت الفصل السابع لا تحظى بموافقة الحكومة المعنية، تميل الدول الغربية في بعض الأحيان إلى استخدام مبدأ “مسؤولية الحماية” لتبرير التدخل الإنساني القسري، مما يجعل أي قرار دولي رهينة لهذا التجاذب القطبي.
الإسقاط الموضوعي والعملي للفصل السابع على الحالة السودانية!!
بالعودة إلى السؤال المحوري حول مدى انطباق الفصل السابع على الحالة في السودان، يجب تفكيك الإجابة إلى شقين متوازيين، الشق القانوني الموضوعي، والشق السياسي العملي.
من المنظور القانوني الموضوعي، والمستند إلى مبادئ القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، تمتلك الحالة السودانية الحالية كافة المقومات التي تبرر تفعيل الفصل السابع بموجب المادة التاسعة والثلاثين، فالصراع الدائر في السودان تخطى كونه شأنا داخليا بحتا، وبات يحمل تداعيات إقليمية خطيرة.
إن التدفق الهائل لملايين اللاجئين إلى دول الجوار مثل تشاد ومصر وجنوب السودان وإثيوبيا، يشكل ضغطا اقتصاديا وأمنيا يهدد استقرار هذه الدول الهشة أصلا، علاوة على ذلك، فإن الموقع الجيواستراتيجي للسودان على ساحل البحر الأحمر يجعله لاعبا حاسما في أمن الملاحة الدولية، وأي فوضى شاملة أو انهيار للدولة فيه يفتح الباب واسعاً أمام تنامي أنشطة القرصنة أو التدخلات الإقليمية التي تهدد التجارة العالمية، ويترافق ذلك مع المأساة الإنسانية المروعة، وإنذارات المجاعة الوشيكة، والتقارير الأممية الموثقة حول عمليات التطهير العرقي والانتهاكات الجسيمة، خاصة في إقليم دارفور.
كل هذه العوامل تندرج بوضوح تحت مفهوم الجرائم ضد الإنسانية، مما يجعل الحالة في السودان تهديدا صريحاً للسلم والأمن الدوليين، ويمنح تدخل مجلس الأمن مشروعية قانونية لا غبار عليها.
أما على الصعيد السياسي والعملي، فإن مساعي تفعيل الفصل السابع، تصطدم بجدار صلب من التعقيدات السياسية واللوجستية الجبارة، ففي أروقة مجلس الأمن، يعيق الانقسام الدولي أي تحرك حاسم، حيث تنظر روسيا والصين إلى الصراع السوداني عبر عدسة السيادة الوطنية والحكومة المعترف بها، ومن المرجح جداً أن تستخدما حق النقض ضد أي قرار يهدف للتدخل العسكري المباشر لتجنب خلق سابقة دولية يمكن استخدامها ضدهما لاحقاً.
في المقابل، ورغم الإدانات الغربية المتكررة للانتهاكات، تفتقر الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى الإرادة السياسية الحقيقية للتورط في عملية عسكرية جديدة ومكلفة في القارة الإفريقية، سيما في ظل انشغالها العميق بحربي أوكرانيا وغزة، وتصاعد التوترات الاستراتيجية في منطقة المحيط الهادئ.
تتضاعف هذه التعقيدات السياسية بالنظر إلى التباين الواضح في مواقف المنظمات الإقليمية ودول الجوار، فميثاق الأمم المتحدة يربط عضويا بين الفصل السابع والفصل الثامن الذي ينظم دور الوكالات والتنظيمات الإقليمية في حفظ السلم، وعادة ما تتجنب الأمم المتحدة التدخل القسري ما لم يكن هناك توافق إقليمي مساند.
وفي الحالة السودانية، يشهد الموقف الإقليمي انقساما واختلافا في الرؤى بين الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيقاد والدول العربية والمجاورة، مما يضعف فرصة تقديم توصية موحدة أو غطاء إقليمي لأي قرار دولي حاسم.
يُضاف إلى كل ما سبق، التعقيدات المرتبطة بالجغرافيا والديموغرافيا السودانية، فالسودان دولة شاسعة المساحة تفوق مساحتها العديد من الدول الأوروبية مجتمعة.
إن أي تفكير في إرسال قوات دولية للفصل بين المتحاربين سيتطلب مئات الآلاف من الجنود وتكلفة مالية باهظة ترفض الدول المانحة تحملها، كما أن الانتشار الكثيف للسلاح وتعدد الحركات المسلحة الموازية يجعل من أي قوة دولية على الأرض هدفا محتملا، مما ينذر بتحولها من قوة لحفظ السلام إلى طرف منخرط في النزاع الدموي.
السيناريوهات المحتملة للتعاطي الدولي مع الأزمة السودانية!!
في ضوء هذا التباين بين المشروعية القانونية للتدخل واستحالة تحقيقه سياسيا وعسكريا، تبرز عدة سيناريوهات لشكل التفعيل المحتمل للفصل السابع إذا ما قرر المجتمع الدولي الاستجابة للضغوط الإنسانية:

يتمثل السيناريو الأول، وهو الأكثر واقعية وقابلية للتحقق، في الاكتفاء بتفعيل المادة الحادية والأربعين لفرض عقوبات شاملة وذكية، بدلا من إرسال قوات عسكرية، قد يلجأ مجلس الأمن إلى استخدام الفصل السابع لفرض خنق سياسي واقتصادي حاد على الأطراف المتحاربة لإجبارها على وقف إطلاق النار والجلوس إلى طاولة المفاوضات.
يمكن أن يشمل ذلك، توسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض حاليا على إقليم دارفور ليشمل كافة الأراضي السودانية، إلى جانب فرض عقوبات مالية قاسية وتجميد أصول القادة العسكريين والشركات المرتبطة بتمويل المجهود الحربي في الخارج، مع توجيه تحذيرات وعقوبات ثانوية للدول والجهات الإقليمية التي يثبت تورطها في إمداد الأطراف بالسلاح والمرتزقة.
أما السيناريو الثاني، والذي يمثل احتمالا متوسطاً، فيتعلق بتفعيل الفصل السابع بشكل محدود جدا وموجه خصيصا لحماية الممرات الإنسانية، في حال تفاقمت أزمة المجاعة ووصلت إلى مستويات كارثية لا يمكن تغافلها، وتصاعدت ضغوط الرأي العام العالمي، قد يصدر قرار دولي يهدف إلى إرسال قوات أممية أو إقليمية بمهام مقيدة وصارمة، لن تكون مهمة هذه القوات، محاربة الأطراف المتصارعة أو فرض الاستقرار بالقوة، بل ستقتصر على تأمين المطارات والموانئ والطرق الحيوية لضمان وصول قوافل الإغاثة إلى المدنيين المحاصرين، ومع ذلك، يظل هذا السيناريو محفوفا بالمخاطر، إذ يتطلب إما موافقة ضمنية من الأطراف المتحاربة، أو الاستعداد لخوض اشتباكات متفرقة لحماية قوافل الإغاثة.
ويأتي السيناريو الثالث، وهو الأضعف والأقل احتمالا على الإطلاق، متمثلا في تفعيل المادة الثانية والأربعين للتدخل العسكري الشامل.
هذا السيناريو، هو ما يطالب به بعض الداعين لإزاحة الأطراف المتقاتلة بالقوة العسكرية تمهيدا لتأسيس سلطة مدنية جديدة، حيث يتطلب هذا الخيار تشكيل تحالف عسكري دولي ضخم لضرب القدرات العسكرية للطرفين وفرض السلام بقوة السلاح، وهو أمر تبدو فرصه شبه معدومة في ظل غياب أي دولة كبرى مستعدة لخوض حرب بالوكالة في بيئة حضرية معقدة كالسودان، فضلا عن الرفض الروسي والصيني القاطع لتمرير قرار من هذا النوع.
التدخل الدولي ودروس التاريخ.. هل هو الحل لبناء السودان؟
من الأهمية بمكان في هذا السياق تفنيد الفكرة القائلة بأن تفعيل الفصل السابع يمثل حلا سحريا لإنهاء الحروب وإعادة بناء الدول، فالتاريخ القريب يقدم دروسا قاسية حول مآلات التدخلات الدولية القسرية.
ففي الصومال مطلع التسعينيات، أدى التدخل الدولي تحت الفصل السابع لحماية عمليات الإغاثة إلى صدام دموي مع الفصائل المحلية، انتهى بانسحاب القوات الأمريكية والأممية، تاركا البلاد تغرق في مستنقع من الفوضى الشاملة استمر لعقود.
وفي ليبيا عام 2011، صدر قرار أممي تحت الفصل السابع لحماية المدنيين، ورغم نجاحه في تحقيق هدفه العسكري المباشر بإسقاط النظام الحاكم آنذاك، إلا أنه خلف وراءه فراغا أمنيا مرعبا وانقساما مؤسسيا وحربا أهلية مستمرة تتنازع فيها الميليشيات المسلحة والقوى الإقليمية.
ولا تبتعد تجربة مالي ودول الساحل الإفريقي عن هذا المسار، حيث انتهت التدخلات العسكرية الدولية والإقليمية التي جاءت تحت لافتة مكافحة الإرهاب وحفظ السلام، بانسحاب القوات الفرنسية والبعثات الأممية بعد تصاعد المشاعر الشعبية المعادية للتدخل الأجنبي وتوتر العلاقات مع الحكومات الوطنية الانتقالية.
تثبت هذه التجارب أن التدخل الدولي، حتى وإن جاء مدفوعا بنوايا إنسانية صادقة أو مبررات قانونية صلبة، غالبا ما يصطدم بعقبة الشرعية الوطنية ورفض المجتمعات المحلية للاستقطاب الخارجي.
إن أي قوة أجنبية تدخل الأراضي السودانية دون تفويض وطني عريض وتوافق داخلي شامل، سيتم تأطيرها سياسيا وشعبيا كقوة احتلال أو غزو أجنبي، وهذا التصنيف سيمنح الأطراف المتحاربة الحالية، فضلا عن الجماعات المتطرفة المحتملة، ذريعة مثالية لتوحيد صفوفها أو توجيه بنادقها ضد ما سيُطلق عليه العدو الخارجي، وهو ما يهدد بتحويل السودان إلى ساحة استقطاب دولي واسعة تستقطب المقاتلين والمرتزقة من كل حدب وصوب، مما يعقد الأزمة بدلا من حلها.

تأسيسا على كل ما سبق من تحليل موضوعي، يمكن القول بثقة إن مطالبات بعض السودانيين بتفعيل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لوقف الحرب الدائرة، هي مطالبات مبررة بعض الشيء من الناحية القانونية، ومفهومة بعمق من الناحية الإنسانية والأخلاقية، فالدمار الهائل، والعجز التام للأطراف الداخلية عن حسم الصراع أو الجلوس الجاد للتفاوض، والمأساة المروعة التي يدفع ثمنها المدنيون العزل، تجعل من الحالة السودانية بامتياز تهديدا خطيرا ومباشرا للسلم والأمن الدوليين والإقليميين.
إلا أن الواقعية السياسية الجافة، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن المجتمع الدولي في بنيته الحالية غير مستعد، وغير قادر هيكليا وتنظيميا، على تنفيذ تدخل عسكري مباشر وواسع النطاق بهدف إعادة بناء السودان من نقطة الصفر.
إن الخيارات المتاحة والعملية تحت مظلة الفصل السابع، تنحصر بشكل شبه كلي في تعظيم سلاح العقوبات الاقتصادية، وفرض حظر السلاح الشامل، وتكثيف العزلة الدبلوماسية، واستخدام لغة التهديد الجاد للضغط على الرعاة الإقليميين الذين يغذون آلة الحرب.
في الختام.. لا يمكن لأي آلية دولية مهما بلغت قوتها أو قسوتها أن تكون بديلا عن الإرادة الوطنية الخالصة.
إن عملية وقف الحرب وإعادة بناء وتأسيس السودان الجديد لا يمكن أن تأتي معلبة أو مستوردة عبر قرارات تُصاغ في أروقة مجلس الأمن بنيويورك، بل تتطلب بالضرورة حوارا سودانيا سودانيا شاملا وصادقا، وإرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة بقاء الدولة وحياة المواطن فوق طموحات السيطرة العسكرية وتصفية الحسابات.
يمتلك المجتمع الدولي أدوات ضغط هائلة يمكنه استخدامها لتهيئة المناخ وإجبار الأطراف على التراجع، لكن هندسة السلام المستدام وبناء مؤسسات الدولة ستظل دائما وأبدا مهمة حصرية تقع على عاتق أبناء السودان وحدهم.

bresh2@msn.com

عن عبدالغني بريش فيوف

شاهد أيضاً

منطق الجنجويد وحلفاءهم البائسين.. الدعم السريع غير مسؤولة_ لأنها من صُنع الكيزان!

عبدالغني بريش فيوف في أزمنة الحروب لا تنتشر البنادق وحدها، بل تنتشر معها أيضا أنواع …