الفكر السياسى الناصري: مراجعات تجديدية تأصيلية

د. صبري محمد خليل/
أستاذ فلسفة القيم الإسلامية – جامعة الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com

تمهيد: تهدف هذه الدراسة إلى بيان ضرورة الإنتقال بالفكر السياسي الناصري – بإعتباره أحد تيارات الفكر السياسي العربي المعاصر – من مواقف الجمود “القبول المطلق”، أو الإلغاء “الرفض المطلق”- بإعتبار أن هذه المواقف تعبر عن نمط التفكير الأسطوري، وتتناقض مع الموقف الإسلامي الصحيح من التجارب الإنسانية- إلى موقف التجديد والتأصيل “الموقف التقويمي”، من خلال مراجعات تجديدية تأصيلية- وذلك بإعتبار أن هذا الموقف يعبر عن التفكير العقلاني، كما يتسق مع الموقف الإسلامي الصحيح من التجارب الإنسانية’

مفهوم المراجعات وتطبيقاته في التجربة الناصرية والفكر السياسي الناصري:

المراجعة لغة: الرد مرة أخرى إلى الأصل.

أما اصطلاحًا فهي عملية تقويم” نقد” ذاتي، يقوم بها فرد أو جماعة، لمفاهيمه “النظرية” ومواقفه “العملية”.فمضمونها – منهجيًا – تجاوز موقفي الرفض أو القبول المطلقين إلى موقف تقويمي قائم على بيان الإيجابيات والسلبيات، بهدف قبول الأولى ورفض الثانية.

النقد الذاتى عند عبد الناصر: وقد قام الزعيم جمال عبد الناصر بمراجعات للفكر السياسي الناصري، على المستويين النظري والعملي، من خلال تقديمه نقدًا ذاتيًا للتجربة الناصرية والفكر السياسي المستقرأ منها.فعلى سبيل المثال- لا الحصر – يقر في خطاب له بتاريخ 3 ديسمبر 1961 بأنه لم يتم تحقيق العدالة الاجتماعية، والقضاء على الظلم الاجتماعي والاستغلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي بصورة تامة.

تناقض القراءة العلمانية للتجربة الناصرية معها:
تعددت قراءات التجربة الناصرية، نتيجة لأسباب متعددة، ولكن يجب تقرير تناقض القراءة العلمانية معها؛ لأنها تناقضت – على المستويين النظري والتطبيقي – مع العلمانية كحل قدمته أوروبا الليبرالية، ضمن ظروف تاريخية خاصة، لمشكلة العلاقة بين الدين والدولة، يقوم على الفصل بينهما. لأن موقفها من الدين سلبى- وعلى اقل تقدير محايد- بينما موقف التجربة الناصرية من الدين ايجابى.

المستوى النظرى : فعلى المستوى النظري، نجد – من الناحية الاصطلاحية – أن عبد الناصر لم يستخدم مصطلح “العلمانية” في أي من خطاباته الشفهية أو وثائقه المكتوبة.
أما من ناحية المضمون، فقد رفض مضمون العلمانية في بعض الخطابات والوثائق، حيث يقول سنة 1963:“الإسلام دين التطور والحياة، والإسلام يمثل الدين ويمثل الدنيا، لا يمثل الدين فقط”.

المستوى العملى : هذا فضلًا عن أن التجربة الناصرية اتخذت موقفًا إيجابيًا من الدين، على التطبيقى، وليس أقله تقرير دساتير الدولة في عهد عبد الناصر أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة.

الصراع مع الجناح القطبي التكفيري لجماعة الإخوان المسلمين” صراع سياسي وليس ديني”:
صراع سياسى: يجب تقرير أن الصراع بين الدولة في عهد عبد الناصر والجناح القطبي التكفيري لجماعة الإخوان المسلمين – والذي يتناقض حتى مع التصورات الأساسية للإمام المؤسس حسن البنا – وليس مع الجماعة ككل كان صراعًا سياسيًا لا دينيًا، فقد اختار هذا الجناح الاصطدام مع الدولة في وقت كانت فيه تخوض معارك ضد الاستعمار بأشكاله المختلفة في أنحاء الوطن العربي!
الإقرار: وقد أقر بذلك لاحقًا عدد من الكتاب المنتمين إلى الجماعة أو المؤيدين لها، منهم حسن دوح، والدكتور ناجح إبراهيم، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح.

رفض لمذهب سياسى وليس رفض للدين : فهذا الصراع لا يعبر عن رفض للدين الإسلامي، وإنما عن رفض لمذهب التفسير السياسي للدين، الذي يختزل الدين في بعده السياسي، ويجعل السلطة هي الأصل “الهدف”، والدين هو الفرع “الوسيلة”، وهو مذهب بدعي، وما يلزم عنه من مفاهيم كالاتجار بالدين، والتفرق “الشيع بالمصطلح القرآنى”، والتكفير “المعلن أو المضمر”.
كما أنه رفض لمذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المعصومة، ذي الجذور الخارجية، والمفارق للمذهب السني، والذي شكل الأساس الفكري للجناح القطبي التكفيري.

تضليل إعلامى : وقد ظلت آلة التضليل الإعلامي لأنصار هذه المذاهب البدعية ، التى لا تعبر عن جوهر الاسلام ، ولا المذهب السنى السائد فى الامة، تروج لهذا التصور الخاطئ لتحقيق أهدافها.

نماذج للمراجعات التجديدية التأصيلية:

أولًا: الأهداف:
إذا كان الفكر السياسي الناصري قد أشار إلى ثلاثة أهداف أساسية، وهي:

اولا : الحرية والتحرر الوطني والقومي: كحل لمشكلة الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي.

ثانيا : العدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة: كحل لمشكلة التخلف الاقتصادي والتبعية.

ثالثا : الوحدة: كحل لمشكلة التجزئة والتفتيت.

الهدف الرابع : فإنه يجب التأكيد على هدف رابع يحدد ولا يلغي هذه الأهداف، وهو:الأصالة والمعاصرة، من خلال الالتزام بمفهوم التجديد” وفق ضوابطه الدينية والقيمية، كحل لمشكلة الهوية الحضارية للأمة. وبذلك تتحول إلى أبعاد متعددة لإستخلاف الامة ” إستخلاف سياسى ، استخلاف اقتصادى ، استخلاف اجتماعى…”

ثانيًا: الوسائل:
الالتزام بموقف تقويمي من وسائل الفكر السياسي الناصري، يقوم على:
اولا : التمييز بين الثوابت والمتغيرات.
ثانيا : الإقرار بالإيجابيات والسلبيات. وقبول الأولى ورفض الثانية.

تصحيح الفهم الخاطئ لموقف عبد الناصر من الديمقراطية:

أ/ التمييز بين الزعيم والدكتاتور: إن مواقف عبد الناصر القومية والوطنية، وما نالته من تأييد شعبي واسع، فضلًا عن استمرار مكانته الوجدانية، تثبت أنه زعيم قومي عبّر عن الإرادة الشعبية، وليس دكتاتورًا.

ب/ رفض الصيغة الليبرالية ليس رفضًا للديمقراطية: رفض عبد الناصر للصيغة الليبرالية – لارتباطها بالرأسمالية – لا يعني رفضه للديمقراطية، بل تبنّى صيغة أخرى هي “الديمقراطية الشعبية ذات المضمون الاجتماعي”.ويمكن تحقيق هذا الموقف فى واقعنا المعاصر عبر تحرير الديمقراطية من صيغتها الليبرالية، بالاحتكام إلى الإرادة الشعبية، من خلال أساليب التغيير السلمي الديمقراطي. والمزاوجه بين صيغ اخرى لها كالديمقراطية: الشعبية، المباشرة، التوافقية…

ج/ التمييز بين المضمون والشكل:بعض مواقف عبد الناصر – كرفض التعددية الحزبية – تتعلق بشكل الديمقراطية لا مضمونها، وهي مرتبطة بظروف تاريخية معينة، ويمكن تجاوزها في واقعنا المعاصر.

مفاهيم وقضايا سياسية:

قوى الشعب العاملة: تقسيم مهني يركز على القطاعات الأساسية، دون إلغاء باقي الفئات.

تحالف قوى الشعب: يعبر عن ضرورة التقاء القوى لتحقيق أهداف الأمة، دون افتراض وحدة الإرادة.

تذويب الفروق الطبقية: وسيلة لتقليل الفوارق، وليس غاية في ذاتها.

قضية التعدد الحزبي:عدم منع الشعب من التعبير عن إرادته – بما في ذلك تشكيل الأحزاب – مبدأ ديمقراطي، يتسق مع مبدأ “الحرية كل الحرية للشعب”.

تنظيم الجماهيروالديمقراطية المباشرة:
الإقرار بالديمقراطية المباشرة لا يمنع من تعدد صيغها، مما يستدعي تطوير صيغ جديدة تتناسب مع العصر.

نظام الحكم:الأخذ بالنظام الرئاسي في عهد عبد الناصر كان مرتبطًا بظروف مرحلية، ولا يعني وجوب الالتزام به دائمًا، خاصة مع تعدد صيغ الأنظمة الديمقراطية

أساليب التغيير:كانت ثورة يوليو نتاج ظروف تاريخية خاصة، لذا يجب فى واقعنا المعاصر اعتماد أساليب التغيير السلمي الجماهيري بآلياته المختلفة.

الموقف من ظاهرة التعذيب:التقييم الموضوعي يقتضي الالتزام بالمعايير التالية:

  • الإقرار بالإيجابيات والسلبيات معًا.
  • يجب إدانة التعذيب كظاهرة غير إنسانية مرفوضة أخلاقيًا وقانونيًا ودينيًا.
  • الظاهرة ليست مقصورة على نظام معين، بل مرتبطة ببنية العالم الثالث، فقد وجدت قبل عهد عبد الناصر وبعده. ويتغاضى عنها الغرب الراسمالى الإستعمارى عندما تكون الأنظمه تابعة له.ويضخهما عندما تكون الانظمه رافضه للخضوع له له. ..
  • ثبت أن عبد الناصر قدم بعض المسؤولين عن التعذيب للمحاكمة “مثل شمس بدران” وسجنهم، الى أن قام سلفه بإخراجهم من السجن ، بغرض التوظيف السياسى.
  • تم تضخيم الظاهرة سياسيًا من قبل خصومه.
  • تفسير الظاهرة لا يعني تبريرها.

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

تفعيل العقل العربي- الإسلامي” من العقل التكراري الى العقل التجديدي”

د. صبري محمد خليل/أستاذ فلسفة القيم الإسلامية فى جامعة الخرطوم Sabri.m.khalil@gmail.com أولاً: ملخص الدراسة:تبدأ الدراسة …