القانون الدولي الإنساني بين التقديس والتدنيس

كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
مع تزايد تراجيديا الحروب، لا يملك المرء إلا أن ينزع إلى السؤال المدخلي الآتي: هل آن الأوان لإعادة النظر في آليات تنفيذ القانون الدولي الإنساني، قبل أن يتحول إلى مجرد حبر على ورق يُقدَّس في المؤتمرات الدولية ويُدَنَّس في ساحات المعارك؟
لقد أصبح الدوس على القانون الدولي الإنساني واقعاً مريراً في الحروب التي اندلعت فقط في بحر الأعوام الخمسة الماضية… حرب أوكرانيا في فبراير 2022م ، حرب السودان التي اندلعت في 15 أبريل 2023، ثم حرب غزة في أعقاب السابع من أكتوبر من العام نفسه، فالعدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران في 2026، والعدوان الإيراني على دول الخليج العربي وصولاً إلى الضربات الإسرائيلية الوحشية على لبنان، وخاصة المجزرة في قلب بيروت يوم 8 أبريل 2026 التي أودت بحياة أكثر من 200 شخص حسب التقارير الأولية، عدا المفقودين تحت الأنقاض. في كل هذه الساحات، فقد صار القانون الدولي الإنساني أول الضحايا… يُقدَّس في المؤتمرات الدولية والبيانات الرسمية، ثم يُداس بلا رحمة في الميدان، حيث يُقتل المدنيون بدم بارد. وتُدمَّر المدن تحت ذرائع “الإخلاء” أو “الأخطاء التقنية” أو “الضرورات العسكرية”. وتُقصف البنى التحتية المدنية بدعاوى الرد بالمثل.
فبحكم اهتمامي الشخصي وانتمائي لمنظومة الاتحاد الدولي لجمعيات الهلال والصليب الأحمر، رأيت القانون الدولي الإنساني يُذرى به يومياً على الأرض. فقد انتهك في بيوتات الخرطوم وعمائرها.. ودارفور وسوحها الآمنة.. وحتى معسكرات نازحيها التي لم تبل من هول الصدمات الماضية… و كثير من مدن السودان، ثم رأيته يُكرر نفسه بنفس الطريقة، وأحياناً بنسخة أكثر وحشية، في غزة وفي ميناب إيران.. كما رأيته يُنتهك في شوارع بيروت. هذا التكرار، فيما يبدو، يكشف عن مشكلة حقيقية هي غياب آلية ماضية لإلزام منتهكيه.
اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها صُمِّمت منذ القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين لعصر الحروب التقليدية، حيث جبهات واضحة وجنود يرتدون زياً ومعسكرات يمكن تمييزها.
أما الحروب الراهنة فلا يكاد يستوعبها ذلك المنطق القانوني العتيق. فالحد الفاصل بين Jus ad Bellum — متى يحق شن الحرب أصلاً — وJus in Bello — كيف تُشن الحرب وبأي قواعد — لم يعد واضحاً في ميادين تختلط فيها الطائرة المسيّرة بالخوارزمية، والإنذار المسبق بالقصف الممنهج. من يُطلق الحرب لا يسأل عن Jus ad Bellum، ومن يخوضها لا يلتزم بـ Jus in Bello. و عندم يغيب الاثنان معاً، لا يبقى للمدني من يحميه.
وتتجلى عمق تراجيديا ذبح القانون الدولي الإنساني في حادثة طالبات مدرسة “شجرة طيبة” الابتدائية في ميناب إيران، اللائي كن يجلسن في فصولهن عندما اخترق صاروخ توماهوك سقف مدرستهن. فقتل على الفور 165 شخصاً، معظمهم فتيات بين السابعة والثانية عشرة من أعمارهن. ثم جاءت ضربة ثانية — ما يُعرف بـ”الضربة المزدوجة” — استهدفت غرفة الصلاة التي لجأ إليها الناجيات. حيث لم تنجُ كثيرات. خلصت التحقيقات لاحقاً إلى أن المنصة الاستخباراتية الأمريكية استهدفت المدرسة بناءً على بيانات تعود لما قبل عشر سنوات، عندما كان الموقع جزءاً من قاعدة عسكرية. لم يتحقق أحد. لم يُحدِّث أحد البيانات. والسؤال الذي لم يُجَب عنه حتى اليوم.. من المسؤول؟ الآلة الصماء الموصوفة بالذكاء، أم الجيش الذي اعتمد عليها دون رقابة بشرية كافية؟
وفي لبنان، أصبح إطلاق تحذير “الإخلاء المسبق” ذريعة جديدة لجريمة قديمة. فقد استُهدفت الأحياء السكنية المكتظة. يوم 8 أبريل 2026، نفّذ الجيش الإسرائيلي موجة قصف على قلب بيروت فقتل مئات المدنيين في مناطق تجارية وسكنية. في انتهاك صريح لمبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين الذي يقوم عليه مبدأ Jus in Bello في جوهره. القانون الدولي الإنساني صريح الإنذار المسبق لا يُبيح استهداف المناطق المدنية أصلاً.
والمفارقة المؤلمة أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجهة الأم المنوط بها صون القانون الدولي الإنساني وتطبيقه، باتت هي الأخرى هامشية في هذه الصراعات. أقصى ما أسهمت به في حرب غزة كان تيسير تبادل الأسرى والجثث، أما في السودان ولبنان وإيران فلم يكن لها دور يُذكر في مواجهة الانتهاكات الصارخة لحقوق المدنيين، في اللحظات التي كان المرء يتوقع منها موقفاً أكثر حزماً ورفضاً.
مهماةيكن من أمر هنالك موقف أنكى وهو أن المحكمة الجنائية الدولية — الجهة الوحيدة التي كان يُفترض أن تكون “أسنان” هذا القانون — تعرضت لأبشع اعتداء على استقلالية القضاء الدولي في تاريخه الحديث. فبموجب المرسوم التنفيذي رقم 14203 الصادر في فبراير 2025، فرض الرئيس ترمب عقوبات على قضاة المحكمة ومدعيها العام، وجمّد أصولهم وجرّدهم من حساباتهم المصرفية وحق السفر، عقاباً لهم على “جرأتهم” في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب وعلى راسهم مجرم الحرب نتنياهو. والمفارقة الصارخة أن الرجل الذي يُشلّ يد العدالة الدولية هو نفسه الذي يطالب بصلف بنيل جائزة نوبل للسلام، ويرى أنه يستحقها لأنه “أنهى سبع حروب” — في حين أن بعض تلك الحروب لم تتوقف، وفي حين أن مدارس البنات تُقصف في ميناب إيران وأحياء بيروت تحترق إما بقراره المباشر أو بصمته المطبق.
النتيجة المرة.. المدنيون في السودان وغزة وميناب – إيران وبيروت أصبحوا بلا حماية حقيقية. القانون الوحيد الذي كان يحميهم تحوّل إلى أداة للتقديس اللفظي والتدنيس الفعلي. والأطفال الذين يجلسون في فصولهم في ميناب إيران أو الخرطوم أو غزة لا يعلمون أن القانون الذي كُتب لحمايتهم قد دنس تحت وطأة البوت وشريحة المسيرة وخوارزمية الصاروخ.
لقد حان الأوان لإعادة النظر الجدي في آليات تنفيذ القانون الدولي الإنساني، بما يشمل تحديثه ليوافق الحروب التي تُشن بالذكاء الاصطناعي، وبناء آليات إلزام حقيقية لا تتوقف عند إرادة الأقوياء. فربما كان هذا القانون آخر قلاع الإنسانية عندما تنفلت مكنونات الشر في سلوكيات البشر.
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

صفوت الجيلي.. ومحنة المعنى في غياب الكيان المدني

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدعندما تمتد سنوات أسر الفنان صفوت الجيلي في قبضة …