محمد صالح عبدالله يس (4-10)
لم تكن حياة الكمندان مدني مهدي سبيل في الشرطة مجرد سنواتٍ بين المكاتب والمواقع ولا رتبة تتدرج في سلم الخدمة بل كانت حياة رجل وجد نفسه مرارا في قلب أحداث عاصفة يبحث عن حقيقتها في زمن كانت فيه الحقيقة كثيرا ما تصطدم بجدار السلطة والمصالح.
وقد قادته مهنته في الشرطة الى ثلاث محطات بالغة الحساسية في تاريخ السودان في منطقة الجزيرة وفي توريت بجنوب السودان ثم في حادثة الطيارين الخمسة الذين لقوا حتفهم في حادث طائرة أثناء المناورات العسكرية في جنوب السودان ايضا وفي كل واحدة من هذه المحطات كان مدني يدخل إليها محققا ويخرج منها حاملا أوراقا ونتائج وتحريات لكن ما كتب في تلك الأوراق لم يكن دائماً يجد طريقه إلى العلن
في عام 1955 وقبيل استقلال السودان بأشهر قليلة اندلعت أحداث التمرد في توريت فشكل الرئيس إسماعيل الأزهري لجنة للتحقيق برئاسة القاضي توفيق قطران وعضوية محمد بك التجاني وحسين شرفي وخليفة محجوب والسلطان لوليك لادو وأسند إلى مدني سبيل مهمة مقرر اللجنة وبعد تحريات وتحقيقات استمر ستة اشهر رفعت اللجنة محضر تحرياتها والتي خلصت فيها ان ماحدث بتوريت لم يكن وليد لحظة بل نتيجة تراكمات سياسية وإدارية أبرزها خيبة الآمال من سياسة السودنة فقد كان نصيب الجنوب ستة وظائف فقط ومحاكمة النائب إيليا كوزي بالسجن عشرين عاماً بعد احتجاجه على تهميش دوره النيابي، إلى جانب فصل نحو 300 عامل من مشروع الزاندي واستبدالهم بعمال من شمال السودان.
ورفعت اللجنة تقريرها إلى الحكومة، غير أن الأزهري أبقاه حبيس ادراجه حتى سقطت حكومته وعندما تولت حكومة عبدالله خليل السلطة أفرج وزير الداخلية علي عبدالرحمن عن التقرير ونشره في خطوة حملت في ظاهرها كشف الحقيقة وفي باطنها كيدا لحكومة الازهري
لكن التحقيق مهما بلغت دقته لم يكن قادرا وحده على إطفاء نار كانت قد بدأت تتسع في جسد البلاد بل ازداد وتيرتها صراع طويل بين شمال السودان وجنوبه وتحول تقرير اللجنة الي مادة للمزايدة والمناورة بين القوي السياسية السودانية كما ذكر الدكتور سليمان محمد احمد في احدي كتاباته وما بدأ كتمرد وأحداث دامية سرعان ما أصبح حربا امتدت لعقود حتى انتهى الأمر بالسودان إلى فقدان وحدته وانقسامه إلى دولتين وخسر وحدته في صفقة داوية في 2011 وهكذا وجد مدني نفسه دون أن يختار ذلك، شاهدا ومحققا في واحدة من البدايات المبكرة لذلك الجرح الذي ظل ينزف في جسد الوطن أكثر من نصف قرن من الزمان
اما احداث عنبر جودة في مدينة كوستي والتي تعتبر من أكثر الاحداث المأساوية المحزنة في تاريخ السودان والتي تعود اسباب حدوثها الي خروج عدد من المزارعين احتجاجا على تاخر مستحقاتهم فتطورت الأحداث إلى مواجهات سقط فيها قتلى من المزارعين والشرطة ثم حشر عدد كبير من المزارعين داخل غرفة محكمة كانت مخصصة كمخزن للسلاح فماتوا اختناقا فقد ظل الضحايا يتوسلون للجناة ان يتركو الهواء يدخل اليهم ولم يسمع احدا صراخهم وفي صباح اليوم التالي بلغ عدد الضحايا 194 قتيلا بينما نجا 93 شخصاً، ودفن القتلى في مقبرة جماعية في مشهد ظل جرحا غائرا في الذاكرة السودانية
وقد خلد الشاعر صلاح أحمد إبراهيم المأساة في قصيدته الشهيرة (عشرون دستة) حول فيها أرقام الموتى إلى صرخة شعرية في وجه القسوة والنسيان وكان معظم الضحايا من أبناء دارفور قال فيها
عشرون دستة
لو أنّهم حزمةُ جرجير يُعدُّ كيْ يُباعْ
لخدم الإفرنج في المدينة الكبيرة
ما سلختْ بشرتهم أشعةُ الظَّهيرة
وبان فيها الاصفرارُ والذبول
بل وُضعِوا بحذرٍ في الظلِّ في حصيرة
وبلَّلتْ شفاههُمْ رشَّاشَةُ صغيرة
وقبّلتْ خدودهم رُطوبةُ الإنْداءْ
والبهجةُ النَّضيرة
لو أنَّهُم فراخ
تصنع من اوراكها الحساء
لنُزلاء ((الفندق الكبير))
لوُضعوا في قفص لا يمنعُ الهواء
وقُدم الحب لهم والماء
لو أنهم ما تركوا ظماء
وكما ذكرت كان معظم الضحايا من اهل دارفور ولست ادري لماذا اختارت قيادة الشرطة الضابط مدني لقيادة فريق التحقيق هل كان ذلك مصادفة لست أدري ام كان اختيار إدارة الشرطة له للتحقيق في الحادث محض صدفة أم أن وراء الاختيار حسابات لم تكشف يومها فالضحايا جميعهم من دارفور وهو أيضا ابن تلك الأرض مما يجعل مهمته أكثر حساسية ويترك في النفس سؤالا مشروعا عن سر هذا الاختيار ؟ فسافر الي هناك ولم ينظر إلى الحادث باعتبارها واقعة تنتهي بانتهاء يومها بل فتح التحقيق وتتبع خيوطها المتشابكة حتى كشفت التحريات بحسب ما خلص إليه التحقيق عن صلات بين بعض أصحاب المشاريع وبعض أفراد الشرطة المشاركين في الأحداث كما برزت أسماء لمسؤولين كبار قيل إنهم تدخلوا لتعطيل إجراءات التقاضي ثم اختفى ملف التحقيق وبقيت الحقيقة معلقة بين ما كشفته الأوراق وما لم تسمح الظروف بأن يبلغ نهايته وهكذا ظلت أحداث عنبر جودة واحدة من تلك الصفحات السوداء التي لم يغلقها الزمن وظل مدني مهدي سبيل في تلك الواقعة شاهدا ومحققا على مأساة أكبر من أن تطوى في ملف او تدون جريمة ضد مجهول وقد وقع هذا الحادث الماساوي قبيل تستقر افراح الاستقلال في الافئدة وتتغلغل في النفوي ولم يمضِ على رفع رايته سوى ثلاثة أسابيع حتى تحولت أهازيج الاحتفال إلى هتافات غاضبة قادتها النقابات العمالية واتحاد المحامين واجتاحت معظم المدن السودانية مطالبة باستقالة الرئيس اسماعيل الأزهري لكنه تمسك بموقفه ورفض الاستقالة وكل مافعله هو ارسالة لوزير الصحة الدكتور امين السيد ومعه مدير عام الشرطة امين احمد حسين للوقوف على حقيقة ما يجري في لحظة بدت فيها الدولة الوليدة كأنها تختبر للمرة الأولى قدرتها على ادارة الازمات واحتواء غضب الشارع السوداني لقد دار في خلدي سؤال هام لماذا دائما يتم اختيار مدني سبيل من بين ضباط البوليس للقيام بمهمة التحيق ولكني اخيرا وجدت الاجابة وهي ان مدني كان مجيدا للغة الانجليزية كتابة ولغة وهذا ما جعله مثار اعجاب مرؤسية واختياره للمهام الصعبة
اقبل ان اواصل في بقية الحلقات اريد ان انوه ان اعتذر إليكم صادق الاعتذار عن الخطأ الذي وقعت فيه حين رتبت أسماء الخريجين اجتهادا مني دون أن تكون لدي معلومة مؤكدة عن ترتيبهم وأتحمل وحدي مسؤولية هذا الخطأ ولا ذنب للاخ انور مدني فيها فقد نقل الي ما يعرفه ولم يرتب الأسماء ولإن كان ما كتبته قد سبب حرجا لذوي المذكورين في الترتيب فحقهم علي وأرجو أن تقبلوا اعتذاري فالخطأ خطئي ومقامكم عندي أكبر من أن يشوبه اجتهاد من عندي فانا اكتب عن احداث مر عليها اكثر من ثمانون عاما الا قليلا
