الكتابة في زمن الحرب: عن أزمة الاخلاق

الكتابة في زمن الحرب: عن أزمة الاخلاق
osmanyousif1@icloud.com
الكتابة في زمن الحرب: الحروب وازمة الاخلاق: السودان نومزجاً
قراءة اخلاقية في جذور الصراع وانعكاساته الانسانية :

ليست الحروب مجرّد صدامات عسكرية أو نزاعات على السلطة والموارد، بل هي في جوهرها تعبير عن أزمة أخلاقية عميقة تصيب المجتمعات عندما تفقد بوصلتها القيمية. فحين تنهار الأخلاق، يصبح العنف أداة مشروعة، ويغدو الإنسان وسيلة لا غاية، ويُختزل الوطن في ساحة صراع بلا معنى. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة ما جرى ويجري في السودان بوصفه نتيجة مباشرة لاختلال أخلاقي طويل الأمد، سبق الرصاصة وتجاوزها أثرًا.

الأخلاق، في أبسط تعريفاتها، هي الإطار الذي يحدد ما ينبغي أن يكون عليه السلوك الإنساني داخل المجتمع. وهي ليست ترفًا فكريًا ولا خطابًا وعظيًا، بل شرطًا أساسيًا لبقاء الجماعات البشرية متماسكة. لذلك لم تكن الأخلاق يومًا شأنًا فرديًا خالصًا، بل قضية عامة تتصل بالعدل، والسلطة، والعلاقات بين الناس، وحدود استخدام القوة.

في المرجعية الدينية، تُفهم الأخلاق بانها منظومة قيم إلهية تهدف إلى حفظ كرامة الإنسان وتنظيم علاقته بالآخرين. فالعدل، والصدق، والإحسان، وتحريم الظلم وسفك الدماء، ليست مجرد أوامر تعبدية، بل قواعد تأسيسية لبناء مجتمع يمنع تغوّل القوة ويكبح نزعات التوحش. وحين تُفرغ هذه القيم من مضمونها، أو تُستدعى انتقائيًا لتبرير العنف، يتحول الدين نفسه من قوة أخلاقية ضابطة إلى أداة صراع.

أما الفلسفة، فقد تناولت الأخلاق من زاوية عقلية نقدية، ساعية للإجابة عن سؤال جوهري: لماذا يجب أن نكون أخلاقيين؟ رأى سقراط أن الفضيلة معرفة، وأن الشر نتيجة للجهل، ما يعني أن الانحراف الأخلاقي ليس قدرًا محتومًا، بل خللًا في الوعي. وذهب أفلاطون إلى أن العدالة لا تقوم إلا إذا انسجمت فضائل الفرد مع نظام المجتمع، معتبرًا أن فساد الدولة يبدأ من فساد النفوس.

أما أرسطو، فقد قدّم تصورًا أكثر واقعية حين ربط الأخلاق بالاعتدال، ورأى أن الفضيلة هي القدرة على تحقيق التوازن بين الإفراط والتفريط، سواء في الشجاعة أو الغضب أو الطموح. في المقابل، جاء إيمانويل كانط ليؤسس للأخلاق على مبدأ الواجب العقلي، معتبرًا أن الفعل الأخلاقي هو ما يُؤدى احترامًا لقانون عام يمكن تعميمه على الجميع، لا بدافع المنفعة أو الخوف. ورغم اختلاف هذه الرؤى، فإنها تلتقي عند حقيقة واحدة: لا مجتمع بلا أخلاق، ولا سياسة مستقرة بلا مرجعية قيمية.

اننا اذا انتقلنا إلى الحالة السودانية، فسوف يتضح لنا أن الحروب المتعاقبة لم تكن نتاج سبب واحد، بل حصيلة تراكمات طويلة من الاختلالات السياسية والأخلاقية. فقد نشأ الصراع في بيئة اتسمت بضعف العدالة، وتهميش الأطراف، وغياب مشروع وطني جامع يعترف بالتنوع بوصفه مصدر ثراء لا تهديدًا.

يُعد التهميش السياسي والاقتصادي أحد الجذور العميقة للنزاعات، حيث عاشت مناطق واسعة خارج دائرة التنمية والتمثيل الحقيقي، ما ولّد شعورًا بالظلم التاريخي. هذا الظلم، حين لا يُعالج أخلاقيًا عبر الاعتراف والإنصاف، يتحول إلى وقود دائم للصراع.

كما لعب سوء إدارة التنوع العرقي والديني دورًا خطيرًا، إذ استُخدم الاختلاف كأداة تعبئة وتحريض بدل أن يكون أساسًا للتعايش. وفي غياب خطاب أخلاقي جامع، تحولت الهويات الفرعية إلى جبهات صراع، لا جسور تواصل.

إلى جانب ذلك، ساهمت التدخلات الخارجية في تعقيد المشهد، حيث تداخلت المصالح الإقليمية والدولية مع الصراعات الداخلية، مما أطال أمد الحروب وعمّق كلفتها الإنسانية. كما كان للصراع على الموارد – من أرض ومياه وثروات طبيعية – أثر مباشر في تأجيج النزاعات، خاصة في ظل غياب إدارة عادلة وشفافة لهذه الموارد.

غالبًا ما تُقاس الحروب بخسائرها المادية: المباني المدمّرة، والاقتصاد المنهار، والبنية التحتية المنهكة. ولا شك أن السودان دفع ثمنًا باهظًا في هذا الجانب، حيث تراجعت الزراعة، وانكمشت التجارة، وتآكلت مقدرات الدولة.

غير أن الخسارة الأعمق كانت إنسانية وأخلاقية. فالحرب خلّفت صدمات نفسية جماعية، وانتشارًا للخوف وعدم الأمان، خاصة بين الأطفال والنساء. ومع الوقت، تتآكل الثقة بين الأفراد والجماعات، ويصبح العنف سلوكًا مألوفًا لا استثناءً.

أما التفكك الاجتماعي، فهو النتيجة الأخطر على المدى البعيد. إذ تضعف الروابط، وتتآكل قيم التضامن، ويصير الانتماء القبلي أو الجهوي بديلاً عن الانتماء الوطني. وفي هذه البيئة، يصبح بناء السلام مهمة شاقة، لأن السلام ليس اتفاقًا سياسيًا فحسب، بل إعادة ترميم للضمير الجمعي.

إن مأساة السودان تكشف بوضوح أن غياب الأخلاق من المجال العام لا يؤدي فقط إلى فساد السياسة، بل إلى تدمير الإنسان نفسه. فحين تُفصل القوة عن القيم، يتحول الصراع إلى غاية، ويُمحى الحد الفاصل بين الحق والباطل.

ولا يمكن الحديث عن سلام حقيقي ومخرج امن من هذه الدوامة دون استعادة قيم الأخلاق بوصفها مرجعية حاكمة للسلوك السياسي والاجتماعي. فالأخلاق ليست شعارًا يُرفع بعد انتهاء الحرب، بل شرطًا يمنع اندلاعها أصلًا. ومن دون هذا الوعي، ستظل الحروب تتكرر، حتى لو تغيّرت الوجوه والشعار..

عثمان يوسف خليل

عن عثمان يوسف خليل

عثمان يوسف خليل

شاهد أيضاً

رفيقتي سبب الوجع

osmanyousif1@icloud.comواصل الحكاية من فصلين وأغرب رواية، هى رحلتي من كارديف للندن وبالعكس دحينتعالو عازمكم نكد، …