الكليبتوقراطية وأنموذجها الإنقاذي .. بقلم: د. النور حمد
لا تترد كلمة “الكليبتوقراطية” في الفضاء المعرفي العام، إلا نادرا. فوجودها غالبًا ما ينحصر في الأوساط الأكاديمية، أو في مجال الصحافة المتخصصة، التي تتناول شؤون السياسة والاقتصاد. وكلمة، “كليبتوقراطية”، شأنها شأن كثير من كلمات اللغات الأوروبية، تعود إلى أصلٍ إغريقي، قديم، وتعني السرقة المرتبطة بالوجود في السلطة. تُعرِّف العلوم السياسية، المعاصرة، الحكومة الكليبتوقراطية، بأنها تلك التي يستغل فيها الممسكون بالسلطة، الموارد القومية عن طريق السرقة. ويقول جوشوا شاراب، وكريستيان هارم، في ورقتهما العلمية المعنونة، “الفساد المؤسسي والدولة الكليبتوقراطية”، إن أنماط الفساد مدغمةٌ أصلاً، في طبيعة الهياكل السياسية. ولذلك، فإن الفساد فعلٌ ممنهجٌ ومُخططٌ له، وليس ممارسةً لا مركزيًةً عارضًةً، تحدث بالصدفة. ففي أي وضع اقتصادي تعوزه القوانين وحقوق الملكية، يمكن أن تنشأ الدولة الكليبتوقراطية، كتراتبية مفترسة، تنطلق من حالةٍ يمكن أن نسميها فوضى صرفة. فالحاكم الديكتاتور، غالبًا ما ينحو بهدف تقليل احتمال حدوث انقلاب قصرٍ يقوض حكمه، إلى خلق نظامٍ من الرعاية لترسيخ الولاء، يجري فيه استخدام بنيةٍ بيروقراطيةٍ فاسدة. وتعتمد أنماط الفساد، التي تتسم بطبيعة تنافسية بين الفاسدين، بوجود فوضى مسيطرة، أو ديكتاتوريين ضعيفين. أما الدكتاتوريون الأقوياء فإنهم غالبًا ما يطبقون نظامًا للفساد يتسم بالاحتكار. وتواجه جهود القطاع العام للقيام بالإصلاح، مقاومةً، شرسةً، في سائر الأقطار التي يوجد بها هذا النوع من الأنظمة.
تشكلت كليبتوقراطية حكم الانقاذ الحالي على مراحل. فقد كانت فكرة التمكين، التي رسمها الشيخ حسن الترابي، منذ بداية العشرية الأولى للإنقاذ، (1989-1999)، هي ضربة البداية، في هذا المسار الزلق. وما كان، أصلاً، لتلك الفكرة المنطلقة من نزعةٍ ديكتاتوريةٍ مفرطةٍ، إلا أن تسوق الدولة لتصبح دولةً كليبتوقراطيةً، مكتملة الأركان. فالتمكين كان، منذ البداية، تحويلاً لما هو مملوك للشعب، على الشيوع، أو ما يفترض أن يكون كذلك، ليصبح مملوكًا لفئةٍ صغيرةٍ، اختطفت الدولة. ولا نتهم الدكتور الترابي بأنه نوى أصلاً تحويل أموال الدولة لصالح جماعته، لكي يحققوا ثراءً شخصيًا، ولا شيء غير ذلك. فهو، فيما أحسب، كان يريد لجماعته أن تقوى اقتصاديًا، فيقود ذلك إلى ترسيخ السلطة في أيديهم، ليستخدموها في خدمة الصالح العام، وفق ما كان يرى. غير أن الأمور لم تسر في الوجهة التي تصورها، وقد أقر هو بذلك لقناة الجزيرة. لم تسر الأمور كما أراد الترابي، لأن الفكرة، أصلاً، كانت خاطئةً، وحالمةً، ومراوغةً، وإن حفها حسن النية. فقوانين أي دولة محروسة بالقوانين، لا تسمح، بحكم بنيتها، بمثل هذا النوع من الاحتكار الذي يأتي من انحصار السلطة والثورة في يدٍ واحدةٍ، في ظلِّ نظامٍ شمولي. ولذلك، من أجل أن يتحقق، للترابي وجماعته، “التمكين”، كما خططوا له، كان لابد من التغاضي عن قوانين الخدمة المدنية القائمة، إما بتجاوزها أو بتبديلها لتخدم الغرض الجديد. وكان لابد من تدجين القضاء وكل المنظومة العدلية، واستتباعها. كان لابد من تذويب حكم القانون، ومنع الاعتراض على الاجراءات الحكومية، باستخدام إرهاب الدولة، وتشديد القبضة الأمنية، وتكميم أفواه الصحفيين، وذر الرماد في عيون العامة بالخطاب الوطني والديني، الملتهب.
لا توجد تعليقات
