د. الرشيد خليفة
لكل ثورة خصوماً من أهلها
جرت عادة الروايات الوطنية أن تحكي الثورة المهدية كما تُحكى قصص الأعراس، ففيها زغرودة سقوط الخرطوم في يناير 1885، وفيها جموع الأنصار تكبّر في شيكان وأبي طليح، ثم تطوي ما بعد ذلك طيّاً سريعاً، كأنّ العرس انتهى قبل أن يبدأ الزواج. والحق أنّ المهدية لم تكن إجماعاً سودانياً، بل، كانت مشروعاً انقسم حوله السودانيون انقساماً عميقاً، فمنهم من آمن بالدعوة وكفر بالدولة، ومنهم من كفر بالاثنتين معاً، ومنهم من لم يشغله الإيمان ولا الكفر، لكنه رأى أبقاره تُساق إلى بيت المال في أم درمان، فقال ما يقوله صاحب البقر في كل زمان ومكان.
وقد خصّص المؤرخ محمد إبراهيم أبو سليم، شيخ محقّقي وثائق المهدية ومدير دار الوثائق القومية، آخر كتبه لهذا الموضوع بعينه، تحت عنوان «الخصومة في مهدية السودان»، وهو كتاب في تاريخ فكرة المهدية إسلامياً وسودانياً، أشرف أحد أبنائه على نشره بعد وفاته سنة 2004 [1]. وفي العنوان وحده درس منهجي، فالخصومة ليست خيانة بالضرورة، والخصم ليس عميلاً بالضرورة، وإنما هو سوداني آخر رأى في الأمر رأياً آخر، ثم دفع في الغالب ثمن رأيه من دمه أو ماله أو غربته.
ويسعى هذا المقال إلى رسم خريطة لتلك الخصومة، فيفرّق أولاً بين من عارض الفكرة ومن عارض الدولة، ثم يصنّف معارضي الدولة بحسب دوافعهم، ثم يعرض الأقلام السودانية التي عارضت قديماً وحديثاً، ثم المجاهرين بالمعارضة من الزعماء والوجهاء والأفراد، ثم ضحايا الحروب الداخلية والخارجية، وينتهي إلى حصاد المعارضة على كل فريق، وحصاد محاربتها على الدولة نفسها، مع نقاط لا يحسن أن تسقط من الحساب.
القسمة الأولى، خصوم الفكرة وخصوم الدولة
لا بد قبل كل شيء من التفريق بين معارضتين يخلط بينهما كثير من الناس. الأولى معارضة الدعوة والفكرة، وأصحابها أنكروا أن يكون محمد أحمد بن عبد الله هو المهدي المنتظر أصلاً، فكانت خصومتهم في العقيدة قبل السياسة، وكان سؤالهم «هل هو المهدي؟». والثانية معارضة الدولة، وأصحابها لم يشغلهم ذلك السؤال بقدر ما شغلهم سؤال آخر أكثر إلحاحاً، هو «ماذا تريد منا الدولة؟»، فرفضوا الهجرة إلى أم درمان، وأبوا الانخراط في جيوشها، وتمرّدوا على الزكاة والعشور المنتزعة، أو دافعوا عن زعامة قبلية أو مُلك موروث.
وكثيرون جمعوا بين المعارضتين، وكثيرون انتقلوا من الإيمان بالدعوة إلى معارضة الدولة، وهنا تكمن المفارقة الكبرى في تاريخ المهدية، أنّ أشدّ خصوم دولة الخليفة عبد الله التعايشي كانوا في أحيان كثيرة من أوائل أنصار المهدي، حتى ليصحّ القول إنّ الدولة لم تُهزم أمام خصوم الدعوة، وإنما أمام أنصارها السابقين.
الفريق الأول، الذين أنكروا الدعوة
العلماء الرسميون. وقف في مقدمة المنكرين علماء الحكومة التركية في الخرطوم ومن سار في ركبهم، وكانت حجتهم فقهية في ظاهرها، فالمهدي في التراث الإسلامي يخرج بعلامات معلومة تتصل بنسبه ومكانه وزمانه، ولم يرَ هؤلاء العلماء تلك العلامات في شيخ من جزيرة لبب حفظ القرآن وتصوّف في الطريقة السمانية. وكان من أبرزهم في كردفان أحمد الأزهري ابن الشيخ إسماعيل الولي، وهو من بيت علم وطريقة في الأبيض، فكتب في الرد على دعوى المهدي، ثم خرج مع قوة حكومية فقُتل سنة 1882 [2]. وقد درس عبد الله علي إبراهيم هذه المناظرة دراسة رائدة في كتابه «الصراع بين المهدي والعلماء» الصادر في الخرطوم سنة 1968 [3]، وسيأتي أنّ المؤلف انحاز فيها إلى حجة المهدي لا إلى حجة خصومه.
الطرق الصوفية المنافسة. كانت الطريقة الختمية أوسع الطرق انتشاراً في الشمال والشرق، ولآل الميرغني مكانة لا تسمح لصاحبها بأن يذوب في دعوة شيخ آخر، فانحاز الميرغنية إلى الحكومة، ودافع أتباعهم عن كسلا حتى سقوطها في يد الأنصار سنة 1885، ثم آثر كبراؤهم المنفى في مصر [4]. وكان أغرب الخصوم وأشدّهم إيلاماً للمهدي شيخه في الطريقة السمانية محمد شريف نور الدائم، الذي اختلف مع تلميذه قبل إعلان الدعوة بسنوات فطرده من الطريقة، فلما أعلن التلميذ مهديته لم يقبل الشيخ أن يصير مريداً لمريده [2]. وهنا تتجلى سخرية التاريخ، فالرجل الذي علّم المهدي آداب السلوك الصوفي كان أول من رفض أن يسلك خلفه.
الوجهاء المرتبطون بالحكم القائم. لم يكن إنكار الدعوة عند بعض الجماعات دينياً خالصاً، بل، كان مصلحة تتدثّر بالفقه. فالشايقية الذين خدموا الحكومة التركية فرساناً وجباة منذ عشرينيات القرن التاسع عشر رأوا في المهدية نهاية امتيازهم، فقاتل كثير منهم في صفوف حامية الخرطوم مع غردون، وكذلك فعل العبابدة حراس طرق الصحراء الشرقية [5].
أهل الأديان الأخرى. لم يكن الأقباط والمسيحيون الشوام والأوروبيون وقلة من اليهود في الخرطوم والأبيض معارضين بالمعنى السياسي، لكنهم كانوا بحكم أديانهم خارج الدعوة، فلما سقطت المدن أُكرهوا على الإسلام، وعُرفوا في أم درمان باسم «المسالمة»، وعاش أكثرهم مسلمين في الظاهر ومسيحيين في البيوت [6]. وكان القسيس النمساوي يوسف أُروالدر نفسه ممن أظهروا الإسلام في الأسر حتى تمكّن من الفرار سنة 1891، فخرج يكتب عن المهدية كتاباً صار من أشهر مصادر خصومها [7]. وحذا حذوه نمساوي آخر هو الضابط الشهير سلاطين باشا.
الفريق الثاني، الذين أبوا الدولة
هؤلاء هم الكتلة الأكبر، ومعظمهم قبل الدعوة أو سكت عنها، ثم اصطدم بالدولة حين صارت دولة. ولم تكن الدولة المهدية في عهد الخليفة عبد الله دولة ضرائب عادية، بل، دولة تعبئة دائمة تقوم على ثلاثة أعمدة، الهجرة إلى العاصمة أم درمان، والانخراط في الجيش، وتحصيل الزكاة والعشور والغنائم إلى بيت المال [2]. فمن رفض العمود الأول عُدّ متخلفاً عن الهجرة، ومن رفض الثاني عُدّ قاعداً عن الجهاد، ومن رفض الثالث عُدّ مانعاً للزكاة، والأوصاف الثلاثة في فقه الدولة يومئذ تكفي لاستباحة الدم والمال. وهكذا صار الفلاح الذي يريد أن يحصد زرعه في موسمه مشروع «مرتدّ» دون أن يغيّر حرفاً من عقيدته.
أسباب الخصومة، تصنيف معارضي الدولة بحسب دوافعهم
إذا جمعنا معارضي الدولة على اختلاف ألوانهم أمكن تصنيفهم بحسب دوافعهم في ثماني فئات، مع التنبيه إلى أنّ الجماعة الواحدة قد تجمع أكثر من دافع، وهناك دوافع مشتركة وأنّ التصنيف أداة للفهم لا قفص للحقيقة.
أولاً، الدفاع عن الزعامة القبلية. هؤلاء زعماء قبائل كبيرة كانت لها سيادة على أرضها وطرق تجارتها قبل المهدية، فلما طلب منهم الخليفة البيعة والهجرة رأوا فيهما نزعاً للسيادة لا مجرد طاعة. ومنهم الكبابيش أصحاب طريق القوافل إلى مصر، والشكرية سادة البطانة، والرزيقات في جنوب دارفور [4].
ثانياً، الدفاع عن المُلك الموروث. وهؤلاء أصحاب ممالك وسلطنات لها تاريخ أطول من المهدية بقرون، فلم يكن عندهم معنى لأن يصير السلطان عاملاً عند أمير. ومنهم بقايا بيت سلاطين الفور حول جبل مرة، ورِث الشلك على النيل الأبيض، وزعامات محلية في جبال النوبة [2].
ثالثاً، المهدوية المضادة. وهي أطرف الفئات، إذ لم يرفض أصحابها فكرة المهدية، بل، نازعوا الخليفة شرعيته باسمها. وأشهرهم أبو جميزة الذي ظهر في غرب دارفور سنة 1888 مدّعياً أنه خليفة عثمان، أي صاحب كرسي الخلافة الثالث الذي تركه المهدي شاغراً، على أمل ان يشغله محمد المهدي السنوسي، فاجتمع حوله الفور والمساليت وغيرهم في حركة شعبية واسعة [2]. فكانت تلك ثورة على الخليفة بلغة الخليفة نفسه، كمن يحتج على ناظر المدرسة بلائحة المدرسة.
رابعاً، الدفاع عن الأرض والمعاش. وهؤلاء لم تكن لهم زعامة كبرى يدافعون عنها، وإنما كانت لهم أبقار وإبل وزروع رأوها تُساق إلى بيت المال، أو تُترك بلا راعٍ حين يُهجَّر الرجال. ومنهم الهبانية، رعاة الأبقار في جنوب دارفور، الذين طوردوا لرفضهم الهجرة إلى أم درمان، والبطاحين في البطانة الذين خرجوا على الدولة في مجاعة 1889 [8]. والهبانية من البقارة، وهم أبناء عمومة للتعايشة، قبيلة الخليفة عبد الله نفسه، فلم تشفع لهم القربى حين رفضوا التهجير، وهو دليل على أنّ الدولة كانت تحاسب الناس على الطاعة لا على النسب، وأنّ ابن العم الذي يأبى الهجرة لا يختلف في دفاترها عن الغريب الذي يأباها.
خامساً، رفض التجنيد والحروب البعيدة. كان الرجل في السودان يقاتل دفاعاً عن داره ودابته، فلما صار يُطلب لغزو مصر في الشمال أو الحبشة في الشرق انقطعت الصلة بين البندقية والدار، ففرّ كثيرون من جيوش الأمراء، وتهرّب آخرون من الاستنفار، على المبدأ الساخر “كيف يكونون عدواً لي ولا يعرفوني ولا اعرفهم”، وكان الجوع في معسكرات الزحف بدون مؤن كافية أقنع للناس بالفرار من كل خطبة [9].
سادساً، الخصومة داخل البيت المهدي. وهي معارضة الأشراف، أهل المهدي وأقاربه من «أولاد البحر»، الذين رأوا أنّ الأمر انتقل بعد وفاة المهدي في يونيو 1885 إلى «أولاد الغرب» من التعايشة والبقارة، فالتفّوا حول الخليفة محمد شريف حامد ابن عم المهدي لزم، وتمرّدوا في أم درمان في نوفمبر 1891 [2].
سابعاً، الولاء للحكم التركي السابق أو التحالف مع الغازي البريطاني اللاحق. وهؤلاء رأوا أنّ مصلحتهم مع الحكومة التركية ثم مع الإنجليز، كالشايقية والعبابدة، وفريق من الكبابيش بعد مقتل زعيمهم، ثم الجعليين بعد كارثة المتمة سنة 1897 [10].
ثامناً، المعارضة الصامتة. وهي معارضة من لم يرفع سيفاً ولا قلماً، لكنه فرّ إلى مصر أو إلى الحجاز، أو تخفّى في البادية، أو أظهر الطاعة وأبطن الكره. وهذه أوسع الفئات وأصعبها توثيقاً، لأنّ الصامت لا يترك وثيقة، وإنما يترك فراغاً في دفاتر بيت المال.
الأقلام المعارضة، من الأزهري إلى أبي سليم
إذا بحثنا عن كتّاب سودانيين عارضوا المهدية في زمانها وجدنا الحصيلة قليلة لسبب بسيط، هو أنّ من عارض بقلمه في أم درمان لم يكن ليبقى له قلم، ولا يد تمسك القلم. ولذلك جاءت أكثر كتابات المعارضة المعاصرة للحدث من خارج السودان، أو بعد سقوط الدولة، أو بأقلام الأسرى الأوروبيين الذين كتبوا تحت إشراف المخابرات المصرية، كرودولف سلاطين وجوزيف أُروالدر [11].
في الزمن القديم. يأتي في المقدمة أحمد الأزهري الذي ردّ على المهدي ردّاً فقهياً ودفع حياته ثمناً لموقفه، ومعه علماء الخرطوم الذين أفتوا ببطلان الدعوة بطلب من الحكومة، وهي فتاوى ردّ عليها المهدي في رسائله ردوداً مطوّلة [3]. ثم يأتي يوسف ميخائيل، القبطي السوداني الذي عمل كاتباً في دواوين الترك ثم في بيت مال المهدية ثم في الحكم الثنائي، وترك مذكرات كتبها في عهد الإنجليز بتشجيع من أحد إدارييهم، فجاءت شهادة شاهد من داخل الديوان، ناقدة للدولة في كثير من مواضعها، لكنها أبعد عن روح الدعاية الحربية التي طبعت كتابات الأسرى الأوروبيين [12]. ثم بابكر بدري، الذي كان أنصارياً مؤمناً قاتل في جيش عبد الرحمن النجومي، وأُسر بعد توشكي، ثم صار رائد تعليم البنات في السودان، فكتب مذكراته بعين من رأى المهدية من الداخل، فلم يمدحها مدح الأنصار ولم يذمّها ذمّ الأسرى، وإنما روى ما رأى من بطولة وجوع وظلم [9].
في الزمن الحديث. هنا ينبغي التمييز بين المعارض والناقد والمؤرخ. فمحمد إبراهيم أبو سليم لم يكن معارضاً للمهدية، بل، كان أكبر من حفظ وثائقها وحقّقها، لكنه في كتابه الأخير عرض حجج الخصوم بإنصاف، ووقف بين الطرفين موقف المؤرخ لا الداعية [1]. وعبد الله علي إبراهيم درس الصراع بين المهدي والعلماء، فانتهى إلى عكس ما قد يتوقعه القارئ، إذ رأى في المهدي صاحب حجة ثورية، ورأى في العلماء الرسميين فقهاء سلطة، وصرّح بأنه كتب كتابه في سياق صراع الستينيات مع القوى المحافظة [3]. أما عصمت حسن زلفو فقد كتب عن كرري من وجهة النظر السودانية، فأنصف المقاتلين في يوم المعركة، ولم يُخفِ ما جرّته سياسات الدولة من انفضاض الناس عنها قبل ذلك اليوم وفشل استراتيجية الخليفة العسكرية [10].
وبين هؤلاء جميعاً تيار واسع من الكتابة الصحفية والشعبية، ينطلق في الغالب من ذاكرة الجماعات التي اكتوت بالدولة، كذاكرة الجعليين عن المتمة، وذاكرة الشكرية عن آل أبي سن، وذاكرة الكبابيش عن صالح فضل الله، وهي كتابة تحمل حرارة الجرح أكثر مما تحمل برودة الوثيقة، فتصلح شاهداً على الذاكرة أكثر مما تصلح شاهداً على الحدث.
والملاحظة اللافتة أنّ الكتابة السودانية الحديثة تكاد تفرّق دائماً بين المهدي والخليفة، فتصالح الأول بوصفه محرّراً، وتحاكم الثاني بوصفه حاكماً، وكأنّ السودانيين اتفقوا ضمناً على قسمة مريحة، الثورة للمهدي، والدولة وأوزارها للخليفة. وهي قسمة مريحة حقاً، لكنها ليست دقيقة تماماً، فبعض أسس الدولة، كالتهجير وإلغاء الطرق الصوفية والمذاهب الفقهية وإحراق كتبها، وُضعت في عهد المهدي نفسه [2].
المجاهرون، زعماء ووجهاء وأفراد قالوا «لا»
صالح فضل الله، شيخ الكبابيش. كانت الكبابيش أكبر اتحاد قبلي لرعاة الإبل في شمال كردفان، واقتصادها قائم على تجارة القوافل مع مصر، فكانت المهدية بالنسبة إليها قطعاً لشريان الحياة. وقد أعدم المهدي اثنين من أبناء فضل الله في الأبيض، ثم أكمل الخليفة الحساب، فقُتل صالح سنة 1887، وتبعثرت إبل الكبابيش بين الغنيمة والهلاك [4]. ثم ظهر الناظر المعروف علي التوم، من بيت المشيخة نفسه، فقاد بقايا القبيلة، وصار في عهد الإنجليز من أكبر زعماء كردفان [5].
عوض الكريم باشا أبو سن، ناظر الشكرية. ورث زعامة البطانة عن أبيه أحمد بك أبو سن، وكانت الحكومة التركية قد رفعته إلى رتبة الباشوية، فلما استُدعي إلى أم درمان ولم يقبل أن تذوب زعامته في الدولة سُجن، ومات في سجنه سنة 1886 [8]. ومن غرائب التاريخ أنّ اللقب الذي منحه «المستعمر» للرجل دخل معه سجن «المحرِّر»، وبقي ملتصقاً باسمه إلى يوم وفاته.
مادبو علي، ناظر الرزيقات. كان من أوائل من أشعلوا نار المهدية في دارفور، فلما استقرت الدولة نازع أمراءها الزعامة، فطورد وقُبض عليه وقُتل سنة 1887، وأُرسل رأسه إلى أم درمان [8]. ومع ذلك بقيت الرزيقات على ولائها للدولة حتى النهاية، وهو دليل على أنّ الخصومة كانت مع الزعيم لا مع القبيلة، أو قل إنّ الدولة كانت تعرف كيف تفصل الرأس عن الجسد، حرفياً ومجازاً.
السلطان يوسف إبراهيم، وريث سلطنة الفور. حاول إحياء سلطنة أجداده في دارفور، ورفض أن يكون عاملاً لأم درمان، فحاربته جيوش الخليفة حتى قُتل في يناير 1888، وسقطت معه آخر محاولة فورية لاسترداد الملك في عهد المهدية [2].
أبو جميزة، صاحب المهدوية المضادة. ظهر في غرب دارفور، وجمع حوله الفور والمساليت وغيرهم ممن ضاقوا بالتهجير والضرائب، وكاد يستولي على الفاشر، لكنه مات بالجدري قبل المعركة الحاسمة، فهُزم أتباعه أمام الفاشر في فبراير 1889 [2]. وهكذا كان الجدري في تلك المعركة أوفى جنود الخليفة، وأقلّهم كلفة على بيت المال.
رِث الشلك. كان ملك الشلك على النيل الأبيض صاحب سلطة مقدسة عند قومه، فلما طولب بالعشور في سنوات المجاعة رفض، فسُيّر إليه الأمير الزاكي طمل فقضى عليه، ونصّبت الدولة رِثاً موالياً لها [2].
عبد الله ود سعد، أمير الجعليين في المتمة. كان من طليعة الأنصار في معركة أبي طليح في يناير 1885 تحت أخيه الإكبر علي ود سعد، امير رايات الجعليين الذي أمرّه المهدي بنفسه. إلأ، ان عبد الله رفض سنة 1897 أن يُخلي المتمة لجيش الأمير محمود ود أحمد، فوقعت «كتلة المتمة» في الأول من يوليو 1897، فقُتل ود سعد ومعه اكثرمن ألفين من رجال الجعليين، وسُبيت ٣٦٦ من النساء، وألقت بعض الجعليات بأنفسهن في النيل، وأُخذ الأطفال والأموال غنيمة لبيت المال، وهجّر الخليفة ٢٣ ألفأ من الجعليين و١٢ ألف من الشايقية إلى أم درمان بعد إستباحة المتمة لعدة أيام كما يروي شقير وأخرين [8]. وكان ود سعد قد أرسل وفداً يطلب السلاح من كتشنر، فوصل السلاح بعد أن انتهى كل شيء، وهي عادة قديمة في سلاح الحلفاء [4].
الخليفة محمد شريف حامد والأشراف. هو ابن عم المهدي وصاحب الراية الحمراء، رأى أنّ الأمر أحقّ بأهل المهدي، فقاد تمرّد الأشراف في أم درمان في نوفمبر 1891، فانتهى التمرد بصلح نقضه الخليفة عبد الله بعد قليل، فنُفي بعض زعماء الأشراف وأُعدم آخرون، وقُيّد محمد شريف وجُرّد من رايته [2].
آل الميرغني. لم يحمل كبير الختمية السيد محمد عثمان الميرغني سيفاً في وجه المهدية، لكنّ خروجه بأسرته إلى مصر كان معارضة جهيرة بلغة الصوفية، أي بالانسحاب. وقد عاد ابنه السيد علي الميرغني مع الحكم الثنائي ليصير من أكبر الزعماء الدينيين والسياسيين في السودان في القرن العشرين [4].
عبد العظيم حسين خليفة، شيخ العبابدة. كان العبابدة حراس طرق الصحراء بين النيل والبحر الأحمر، فبقوا على ولائهم للحكومة المصرية، وكان شيخهم دليلاً ومقاتلاً في حملات الاسترداد [5].
الأفراد. وبعيداً عن الزعماء، عرف تاريخ المهدية أفراداً جاهروا بالمعارضة أو اتُّهموا بها فدفعوا الثمن، منهم قاضي الإسلام أحمد علي الذي عُزل وسُجن ومات في سجنه، والأمير الزاكي طمل نفسه، قاهر الحبشة والشلك، الذي سُجن ومات في السجن حين ارتاب الخليفة في ولائه [11]. فلم تكن المعارضة وحدها تقود إلى سجن الساير في أم درمان، بل، كان الاشتباه فيها يكفي، وكان النجاح الزائد عن الحد شبهة في ذاته.
ضحايا الداخل، من أكلتهم حروب الدولة على أهلها
إذا رتّبنا حروب الدولة الداخلية ترتيباً زمنياً بدت كأنها دفتر حساب مفتوح مع كل إقليم. ففي سنة 1886 سُجن ناظر الشكرية، وفي سنة 1887 قُتل شيخ الكبابيش وناظر الرزيقات، وفي يناير 1888 سقط سلطان الفور، وبين 1888 و1889 سُحقت حركة أبي جميزة في غرب دارفور، وفي 1889 عوقب البطاحين عقاباً جماعياً، إذ يروي شقير أنّ عشرات منهم قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف [8]، ثم طوردت قبيلة الهبانية، وقُضي على مقاومة الشلك، وقُمع تمرّد الأشراف في نوفمبر 1891، وختمت الدولة الدفتر بكتلة المتمة في يوليو 1897.
ولم يكن الضحايا هم المقتولين وحدهم. فقد هُجّرت جماعات بأكملها إلى أم درمان لتكون تحت عين الدولة، ومنها الجعليون والشايقية بعد المتمة. بل، إنّ قبيلة الخليفة نفسها، التعايشة، استُدعيت من دارفور إلى العاصمة سنة 1888، فتركت مراعيها لتعيش على غلال الجزيرة والنيل، فصارت ضحية للتهجير وعبئاً على من حولها في آن واحد [2].
وكان أكبر ضحايا الداخل جميعاً هو ضحايا المجاعة التي يسميها السودانيون «سنة ستة»، نسبة إلى عام 1306 للهجرة الموافق 1888 و1889، حين اجتمع الجفاف وتلف المحاصيل مع تهجير الفلاحين وتجنيدهم وانتزاع الغلال لجيوش الزحف، فهلك خلق كثير، وروى الأسرى في أم درمان مشاهد من الجوع يصعب على القلم أن يعيدها [7]. وهكذا قتلت الدولة بالسياسة الاقتصادية أكثر مما قتلت بالسيف، وإن كان السيف أعلى صوتاً في الروايات.
ضحايا الخارج، من أكلتهم حروب الدولة على جيرانها
الحملة على مصر. سار الأمير عبد الرحمن النجومي سنة 1889 لغزو مصر بجيش يرافقه عدد كبير من النساء والأطفال، بإمداد ضعيف وتوجيه مركزي من أم درمان، فأنهكه الجوع قبل أن يلقى العدو، ثم أُبيد في توشكي في الثالث من أغسطس 1889، وقُتل النجومي نفسه [4]. وكان بابكر بدري ممن شهدوا تلك المسيرة وأُسروا بعدها، فترك منها صفحات تُقرأ اليوم شهادة على أنّ من دفعوا ثمن الحرب الخارجية كانوا سودانيين قبل أن يكونوا مصريين [9].
الحروب مع الحبشة. اجتاح الأمير حمدان أبو عنجة غندر سنة 1888، ثم واجه الزاكي طمل الإمبراطور يوحنا الرابع في القلابات في مارس 1889، فقُتل الإمبراطور، وانتصر الأنصار نصراً باهظ الكلفة [2]. ودفع سكان الحدود من الجانبين ثمن هذه الحروب نهباً وسبياً وخراباً، وهي حروب كان يمكن، لو اتسع صدر الدبلوماسية، أن تتحول إلى حلف بين دولتين تواجهان الخطر الأوروبي نفسه.
جبهة الشرق. كانت أرض البجا، من الهدندوة وجيرانهم، ميدان حرب دائمة منذ معارك التيب وتماي سنة 1884 إلى معركة طوكر في فبراير 1891، فقاتل البجا تحت قيادة الأمير عثمان دقنة البريطانيين قتالاً أدهش خصومهم، لكنّ بلادهم تحولت إلى خراب، ومواشيهم إلى زاد للجيوش [4]. ثم جاء الإيطاليون من الشرق فهزموا الأنصار في أغردات في ديسمبر 1893، واستولوا على كسلا في يوليو 1894 [2].
جبهة الجنوب. وفي الجنوب وجدت حاميات المهدية نفسها في مواجهة قوات دولة الكونغو الحرة، التي استولت على الرجاف سنة 1897، فكان أهل الإقليم بين نار الأنصار ونار البلجيك [2].
حرب الاسترداد. ثم كانت الخاتمة في الحملة الإنجليزية المصرية، من فركة سنة 1896 إلى أتبرا في أبريل 1898، إلى كرري في الثاني من سبتمبر 1898، حيث قُتل من الأنصار نحو أحد عشر ألفاً وجُرح نحو ستة عشر ألفاً، في مقابل خسائر لا تكاد تُذكر في الجانب الآخر، كما يروي تشرشل الذي شهد المعركة [13]. ثم سقط الخليفة نفسه في أم دبيكرات في نوفمبر 1899.
والحقيقة التي يغفلها التقسيم بين حروب داخلية وخارجية أنّ الحرب الخارجية كانت تُدفع من الداخل، فكل جيش يسير إلى توشكي أو القلابات أو كسلا كان يعني رجالاً يُنتزعون من حقولهم، وغلالاً تُنتزع من مخازن القرى، ونساءً يُتركن بلا عائل. فلم يكن الفلاح في الجزيرة يرى الحبشة قط، لكنه كان يرى أثرها في جرّة الذرة الفارغة.
حصاد الخصومة، ما جناه كل فريق
العلماء المنكرون للدعوة. خسروا مناصبهم ونفوذهم، وقُتل بعضهم، وأُحرقت كتب المذاهب التي كانوا حرّاسها، فبدا أنهم الخاسر الأكبر. لكنّ خسارتهم كانت مؤقتة، فقد عادوا بعد 1898 إلى القضاء الشرعي ومؤسسات التعليم الديني في ظل الحكم الثنائي، فكانوا كمن نام في الشتاء واستيقظ في الربيع على مائدة جديدة [4].
الطرق الصوفية، وفي مقدمتها الختمية. ذاقت النفي والتشريد، ثم عادت بقوة مع الحكم الثنائي، وصارت من ركائزه، فوُلدت من رحم تلك الخصومة الثنائية الطائفية بين الأنصار والختمية، وهي الثنائية التي حكمت السياسة السودانية طوال القرن العشرين، وما تزال ظلالها ممتدة [4].
الزعامات القبلية. أُبيدت قياداتها الأولى، كصالح فضل الله وعوض الكريم أبو سن ومادبو، وتبددت ثرواتها من الإبل والأبقار والأرض. ثم جاءت الإدارة البريطانية فأحيت تلك البيوت نفسها، ومنحتها سلطة جديدة باسم الإدارة الأهلية، فكانت المفارقة أنّ البيوت التي هدمها «المُحرِر» رمّمها «المُستعمِر»، ثم عادت تحكم باسم التقاليد [5].
أصحاب الملك الموروث. سقطت سلطنة الفور في عهد المهدية، لكنها لم تمت، إذ عاد السلطان علي دينار إلى الفاشر بعد كرري سنة 1898، فحكم دارفور حتى سنة 1916 [4]. أما الشلك فبقيت مؤسستهم الملكية، لكنها خرجت من التجربة أضعف، وقد تعلّمت أنّ الشرعية المقدسة لا تصمد وحدها أمام البندقية.
المهدوية المضادة. انتهت حركة أبي جميزة بالجدري وبهزيمة الفاشر، لكنها كشفت أنّ شرعية الخليفة في الغرب، وهو موطنه، لم تكن مضمونة، وأنّ الناس قادرون على أن يقلبوا لغة الدولة عليها.
الرافضون للتجنيد والهجرة. لم يحصدوا إلا الموت والمجاعة والتشرّد، فهم الفئة التي لم تربح شيئاً في عهد المهدية ولا بعدها، ولم يكتب أحد سيرتهم، لأنّ الفقراء لا يتركون أسماء.
الأشراف. نالهم النفي والقيد والإعدام في عهد الخليفة، ثم جاءت المفارقة الأفظع بعد السقوط، ففي أغسطس 1899 أعدم الإنجليز في الشكابة الخليفة محمد شريف واثنين من أبناء المهدي، بتهمة التآمر [2]. فالرجل الذي اكتفى الخليفة عبد الله بتقييده قتله «المحررون» الجدد، وكأنّ الخصومة مع الخليفة لم تكن شهادة براءة عند الغازي.
المتحالفون مع الغازي. نال الشايقية والعبابدة والجعليون الذين ساروا مع كتشنر مكافآت ومناصب، لكنّ الذاكرة الوطنية لم تغفر لهم كاملاً، فبقي في الخطاب السياسي السوداني شيء من التلاوم بين من قاتل في كرري ومن قاتل كرري، وهو تلاوم لا يخلو من ظلم، لأنّ بعض من ساروا مع الغازي كانوا يفرّون من جرح لم يندمل بعد.
الصامتون. نجا أكثرهم، وكانوا الأغلبية التي لم تحمل السلاح دفاعاً عن الدولة في كرري، فكان صمتهم هو المعارضة الأكثر حسماً، وإن لم يسجّلها أحد.
حصاد الدولة، ما جنته المهدية من حرب خصومها
عسكرياً. شغلت الحروب الداخلية جيوش الدولة وأفضل أمرائها سنوات طويلة، فقاتل حمدان أبو عنجة وعثمان آدم ومحمود ود أحمد أهل دارفور وكردفان والنيل، وكان ذلك في الوقت الذي كانت فيه حدود الدولة الخارجية تتآكل من الشمال والشرق والجنوب. فدخلت الدولة معركتها الأخيرة بجيش منتصر على أهله، منهك أمام عدوه.
اقتصادياً. أدى التهجير والاستنفار وانتزاع الغلال إلى مجاعة «سنة ستة»، وأدى ضرب الكبابيش والشكرية إلى انقطاع طرق التجارة، وأدى احتكار بيت المال للتجارة الكبرى إلى ضمور الأسواق، فصارت أم درمان عاصمة استهلاك تعيش على ما يُنتزع من الأقاليم [6]. ومن يحكم بالانتزاع لا يجد في ساعة الشدة ما ينتزعه.
سياسياً. ضاقت قاعدة الدولة بالتدريج، حتى صارت في سنواتها الأخيرة تعتمد على التعايشة والبقارة أكثر من اعتمادها على عموم السودانيين، وتعمّق الانقسام بين «أولاد البحر» و«أولاد الغرب»، وخسرت الدولة أهل المهدي أنفسهم بعد تمرّد الأشراف [2]. فكانت دولة تنتصر في كل معركة داخلية، وتخسر مع كل انتصار جزءاً من أهلها.
استخبارياً. صار خصوم الدولة الذين فرّوا إلى مصر مادة خصبة للمخابرات المصرية تحت إشراف ونجت، فقدّموا المعلومات عن الجيوش والأمراء والمخازن، وساعد أدلّاء سودانيون في تهريب الأسرى الأوروبيين، كأُروالدر سنة 1891 وسلاطين سنة 1895 [14]. وهكذا صنعت الدولة بيدها جهاز معارضة في المنفى، ثم فوجئت بأنه يعرف عنها أكثر مما تعرف عن نفسها.
والنتيجة النهائية. حين جاءت ساعة كرري في سبتمبر 1898 وجدت الدولة أنّ كثيراً من السودانيين يقفون في الجانب الآخر، أو لا يقفون في أي جانب. بل، إنّ الكتائب السودانية في جيش كتشنر ضمّت كثيراً من الجهادية السابقين ومن أسرى جيوش المهدية، فقاتل سودانيون سودانيين تحت راية أجنبية [13]. لقد هزمت الدولة كل خصومها الداخليين، ثم خسرت البلاد.
ما لم يُسأل عنه، نقاط على هامش الخصومة
النساء في الخصومة. كانت النساء أكثر ضحايا الخصومة صمتاً، فهنّ اللواتي ألقين بأنفسهن في النيل في المتمة، وهنّ اللواتي سرن بإطفالهن مع جيش النجومي إلى توشكي رغم الجوع والعطش، وهنّ اللواتي سُبين في حروب دارفور والشلك والمتمة، وهنّ اللواتي حملن عبء البيوت حين هُجّر الرجال أو جُنّدوا [6]. ومع ذلك لا تكاد تظهر امرأة واحدة في سجل المعارضين باسمها، فكأنّ التاريخ قبل منهن الألم ورفض الرأي.
الرقيق والجهادية. لم تُلغِ المهدية الرق، بل، أدارته لمصلحة بيت المال والجيش، وكان الجهادية، وهم في الأصل جنود من الرقيق، عصب القوة النارية في جيوشها. وحين انهارت الدولة فرّ كثيرون منهم، أو انتقلوا إلى الكتائب السودانية في الجيش الغازي، فكانت معارضتهم معارضة من لم يُسأل رأيه أصلاً، فاختار ساعة الهزيمة [4].
المنفى الأول. كان الفارّون من المهدية إلى مصر أول «معارضة سودانية في الخارج» بالمعنى الحديث، تعيش في القاهرة وأسوان، وتكتب العرائض، وتتصل بالمخابرات، وتنتظر سقوط النظام لتعود. وهو نمط سيتكرر في تاريخ السودان الحديث مرات عدة، حتى صار للمعارضة السودانية في الخارج تقاليد عريقة تعود إلى ما قبل الاستقلال بستين عاماً.
انقلاب الأدوار بعد السقوط. حين سقطت الدولة صار خصومها حلفاء الحكم الجديد، وصار الأنصار هم المعارضة، فقامت حركات مهدوية جديدة في وجه الحكم الثنائي، كحركة عبد القادر ود حبوبه في الجزيرة سنة 1908 [4]. فكأنّ الخصومة لم تنتهِ، وإنما تبادل الخصوم المقاعد.
مشكلة المصادر. أكثر ما وصلنا عن معارضة المهدية جاء من مصدرين متخاصمين، أدب الأسرى الأوروبيين ومنشورات المخابرات المصرية من جهة، كسلاطين وأُروالدر وونجت وشقير، ووثائق الدولة المهدية نفسها التي حققها أبو سليم من جهة أخرى [14]. والأول يضخّم المعارضة ليبرر الغزو، والثاني يصغّرها ليحفظ الشرعية، والحقيقة تقيم غالباً في المسافة بينهما، وهي المسافة التي حاول أبو سليم أن يقف فيها في كتابه الأخير [1].
الذاكرة المعاصرة. ما تزال خصومة المهدية حاضرة في الخطاب السوداني المعاصر، في الجدل بين الأنصار والختمية، وفي حساسية «أولاد البحر» و«أولاد الغرب»، وفي حكايات المتمة التي تُروى في البيوت. والواجب المنهجي هنا ألّا نقرأ القرن التاسع عشر بعيون القرن الحادي والعشرين، وألّا نحمّل الأحفاد أوزار الأجداد، أو نمنحهم أوسمتهم.
خاتمة، دولة انتصرت على خصومها وخسرت أهلها
تُعلّمنا قصة المعارضة السودانية للمهدية أنّ الثورة التي توحّد الناس ضد عدو خارجي لا تضمن أن تبقى موحِّدة لهم بعد النصر. فقد جمعت الدعوة المهدية السودانيين من كل الأقاليم ضد الحكم التركي، ثم فرّقتهم الدولة المهدية حين طلبت منهم أكثر مما يطيقون، الهجرة والتجنيد والمال والطاعة المطلقة، وعاملت كل اعتراض على أنه ردة، وكل تحفّظ على أنه خيانة.
ولم يكن خصوم المهدية خونة ولا قديسين، بل، كانوا سودانيين دافعوا عن زعامة، أو ملك، أو معاش، أو عقيدة، أو أهل، وأخطأ بعضهم وأصاب بعضهم، ودفع أكثرهم ثمناً باهظاً. أما الدولة فقد كسبت كل معاركها مع أهلها، حتى إذا جاءت المعركة التي كان ينبغي أن يقف فيها أهلها معها، وجدت كثيراً منهم في الصف الآخر، وكثيراً منهم في البيوت، وقليلاً منهم في كرري. وتلك هي الخلاصة التي لا تحتاج إلى سخرية، لأنّ التاريخ نفسه قام بالمهمة.
المراجع
[1] محمد إبراهيم أبو سليم، الخصومة في مهدية السودان، كتاب في تاريخ فكرة المهدية إسلامياً وسودانياً، مركز أبو سليم للدراسات، 2004.
https://books.google.com/books?id=CGIWHQAACAAJ
[2] P. M. Holt, The Mahdist State in the Sudan 1881–1898: A Study of Its Origins, Development and Overthrow, 2nd ed., Oxford: Clarendon Press, 1970.
[3] عبد الله علي إبراهيم، الصراع بين المهدي والعلماء، الخرطوم، 1968، والطبعة الثانية، القاهرة، 1995.
[4] P. M. Holt and M. W. Daly, A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day, 5th ed., Harlow: Longman, 2000.
[5] Richard Hill, A Biographical Dictionary of the Sudan, 2nd ed., London: Frank Cass, 1967.
[6] Robert S. Kramer, Holy City on the Nile: Omdurman during the Mahdiyya, 1885–1898, Princeton: Markus Wiener, 2010.
[7] Joseph Ohrwalder, Ten Years’ Captivity in the Mahdi’s Camp 1882–1892, ed. F. R. Wingate, London: Sampson Low, Marston & Co., 1892
[8 [نعوم شقير، تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته، القاهرة، 3190
[9] Babikr Bedri, The Memoirs of Babikr Bedri, Vol. 1, trans. Yousef Bedri and George Scott, London: Oxford University Press, 1969.
[10] Ismat Hasan Zulfo, Karari: The Sudanese Account of the Battle of Omdurman, trans. Peter Clark, London: Frederick Warne, 1980.
[10]عصمت حسن زلفو، كرري: تحليل عسكري لمعركة أمدرمان، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم، 1973م
[11] Rudolf C. Slatin, Fire and Sword in the Sudan, trans. F. R. Wingate, London: Edward Arnold, 1896.
[12] يوسف ميخائيل، مذكرات يوسف ميخائيل، التركية والمهدية والحكم الثنائي في السودان (شاهد عيان)، تقديم وتحقيق أحمد إبراهيم أبو شوك، أم درمان، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2004.
[13] Winston S. Churchill, The River War: An Historical Account of the Reconquest of the Soudan, 2 vols., London: Longmans, Green & Co., 1899.
[14] F. R. Wingate, Mahdiism and the Egyptian Sudan, London: Macmillan, 1891.
