باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 21 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. نازك حامد الهاشمي
د. نازك حامد الهاشمي عرض كل المقالات

المفهوم العالمي الحديث لتواريخ صلاحية الأغذية وأثره على الحد من الهدر الغذائي في السودان

اخر تحديث: 20 أغسطس, 2026 10:40 مساءً
شارك

د. نازك حامد الهاشمي
يُعَدُّ الهدر الغذائي أحد أبرز التحديات التي تواجه أنظمة الغذاء في العالم، لما يترتب عليه من آثار اقتصادية واجتماعية وبيئية، فضلًا عن علاقته المباشرة بكفاءة استخدام الموارد وتحقيق الأمن الغذائي. وتزداد أهمية هذه القضية في البلدان التي تواجه أزمات غذائية واقتصادية وإنسانية، حيث يصبح الحفاظ على كل وحدة من الغذاء المتاح واستخدامها بصورة آمنة وفعالة ضرورة تتجاوز الجانب الاقتصادي لتصبح جزءًا من المسؤولية تجاه الأمن الغذائي لكافة أفراد لمجتمع.
قد أظهرت التقارير الدولية حجم هذه المشكلة على المستوى العالمي. حين أشارت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) إلى استمرار ارتفاع مستويات الفقد الغذائي في المراحل المختلفة من سلسلة الإمداد الغذائي قبل وصول الغذاء إلى المستهلك؛ بينما أوضح تقرير مؤشر هدر الغذاء لعام 2024 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) أن العالم كان قد أهدر نحو1.05 مليار طن من الغذاء خلال عام 2022، بما يعادل نحو 19% من الغذاء المتاح للمستهلكين. وكانت الأسر المستهلكة نفسها هي مسؤولة عن الجزء الأكبر من هذا الهدر، تليها خدمات الأغذية وقطاع البيع بالتجزئة. وتوضح هذه الأرقام أن الحد من الفاقد والهدر الغذائي لم يعد قضية مرتبطة بزيادة الإنتاج وحدها، وإنما أصبح مرتبطًا بكيفية إدارة الغذاء واستخدامه بكفاءة في مختلف مراحل سلسلة الإمداد، بدءًا من الإنتاج وما بعد الحصاد، مرورًا بالتخزين والنقل والتصنيع والتسويق، ووصولًا إلى المتاجر والمطاعم والأسر.
ومن بين الجوانب التي تستحق اهتمامًا خاصًا في هذا السياق الطريقة التي يتم بها تحديد مدة صلاحية الأغذية، وفهم البيانات والتواريخ المدونة على عبواتها، وكيفية التعامل معها من جانب المستهلكين والمنتجين والتجار والجهات الرقابية. فالتاريخ المدوّن على عبوة الغذاء لا يؤدي بالضرورة الوظيفة نفسها في جميع المنتجات، كما أن تجاوزه لا يعني في جميع الحالات أن الغذاء أصبح غير آمن للاستهلاك. وتكمن إحدى أهم القضايا في هذا المجال في التمييز بين التاريخ الذي يرتبط بسلامة الغذاء والتاريخ الذي يرتبط بجودته وخصائصه.
ومن هنا ظهر في العديد من الأنظمة الغذائية الحديثة تمييز أوضح بين نوعين رئيسيين من البيانات الزمنية على المنتجات الغذائية، هما عبارة “يُستهلك قبل Use By “، وعبارة “يُفضل استهلاكه قبلBest Before”. ولا يعني استخدام هذين المصطلحين أن جميع الدول تطبقهما بالطريقة نفسها، أو أن التشريعات الوطنية متطابقة، وإنما يعكسان اتجاهًا دوليًا نحو التمييز بين سلامة الغذاء وجودته عند التعامل مع تواريخ الأغذية.
يرتبط مصطلح “يُستهلك قبل” في الأساس بسلامة بعض الأغذية سريعة التلف، التي يمكن أن تصبح غير آمنة خلال فترة قصيرة نتيجة نمو الكائنات الدقيقة الحية أو حدوث تغيرات أخرى مرتبطة بطبيعة المنتج ودرجة حرارته وظروف حفظه. ويستخدم هذا النوع من التواريخ عادةً مع بعض اللحوم والدواجن والأسماك ومنتجات الألبان والوجبات المبردة الجاهزة للأكل وغيرها من الأغذية التي تتطلب تحكمًا دقيقًا في ظروف التخزين. وفي مثل هذه المنتجات، لا ينبغي التعامل مع تجاوز التاريخ باعتباره مجرد انخفاض في الجودة، لأن سلامة الغذاء قد تكون العامل الحاسم في قرار الاستهلاك أو التداول وفقًا للأنظمة المعمول بها.
أما مصطلح “يفضل استهلاكه قبل” فيرتبط بصورة أساسية بجودة المنتج، أي بالفترة التي يُتوقع خلالها أن يحتفظ الغذاء بأفضل خصائصه من حيث الطعم والقوام والرائحة وغيرها من الخصائص المرتبطة بجودته، وذلك عند الالتزام بظروف التخزين المحددة. ولذلك فإن تجاوز هذا التاريخ لا يعني بالضرورة أن الغذاء قد أصبح غير آمن تلقائيًا، وإنما ينبغي تقييم حالته في ضوء طبيعة المنتج وظروف حفظه وسلامة العبوة وأي متطلبات تنظيمية تنطبق عليه. وتظهر أهمية هذا التفريق بصورة أكبر في المنتجات الجافة أو طويلة ومتوسطة الصلاحية، مثل الأرز والدقيق والمعكرونة والبقول والحبوب والبسكويت والقهوة والشاي والزيوت والعسل وبعض المعلبات، التي تختلف في طبيعتها ودرجة قابليتها للتلف والمخاطر المرتبطة بها عن الأغذية شديدة التلف.
ومن المهم التأكيد على أن هذا المفهوم لا يعني الدعوة إلى استهلاك الأغذية غير الآمنة أو تجاهل التاريخ المطبوع على العبوة، كما لا يعني أن كل منتج تجاوز تاريخ “يفضل استهلاكه قبل” يمكن تداوله أو استهلاكه دون قيود. فالقرار النهائي يظل مرتبطًا بطبيعة المنتج، والتشريعات والمواصفات الوطنية، وظروف التخزين، وسلامة العبوة، ومدى تعرض الغذاء لعوامل التلف أو التلوث، وأي مؤشرات أخرى ذات صلة بسلامته وجودته. ويمكن توضيح ذلك من خلال الدقيق، الذي قد يتأثر بالرطوبة أو سوء التخزين أو الحشرات أو التلوث أو نمو العفن، كما قد تتأثر جودته بمرور الوقت. ولذلك فإن الحكم على حالته لا ينبغي أن يقوم على التاريخ المطبوع على العبوة وحده، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار طبيعة المنتج وظروف حفظه وحالة العبوة ووجود مؤشرات على التلف أو التلوث والمتطلبات التنظيمية المعمول بها. وينطبق المبدأ نفسه، بدرجات مختلفة، على الحبوب والبقول والمعكرونة والزيوت والمعلبات وغيرها من المنتجات التي تختلف خصائصها ومخاطرها من منتج إلى آخر.
هنا تبرز نقطة أساسية في مفهوم تواريخ الأغذية، وهي أن التاريخ المطبوع على العبوة يمثل معلومة مهمة في تقييم المنتج، لكنه لا يُعد بالضرورة حكمًا مستقلًا عن بقية المعلومات والعوامل ذات الصلة. ولذلك فإن استخدام عبارة “منتهي الصلاحية” يحتاج إلى قدر من الدقة؛ إذ قد يشير انتهاء التاريخ، بحسب نوع الوسم والنظام المعتمد، إلى انتهاء فترة مرتبطة بالسلامة أو إلى انتهاء الفترة التي يضمن فيها المنتج أفضل جودة له.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في مجال الرقابة على الأغذية؛ فالجهات الرقابية مسؤولة عن حماية صحة المستهلك ومنع تداول الأغذية غير الآمنة أو غير المطابقة للاشتراطات. فإذا كان المنتج غير آمن أو غير مطابق لمتطلبات السلامة، فإن اتخاذ الإجراءات اللازمة لسحبه أو إتلافه وفقًا للقانون يمثل ضرورة لحماية الصحة العامة. أما إذا كان الأمر يتعلق بانتهاء “فترة أفضل جودة”، فينبغي أن يؤخذ في الاعتبار نوع التاريخ المستخدم، وطبيعة المنتج، وظروف التخزين، والمتطلبات التنظيمية ذات الصلة، عوضاً عن افتراض أن جميع الأغذية التي تجاوزت تاريخًا مطبوعًا أصبحت غير صالحة للاستهلاك بالدرجة نفسها.
ولا يعني ذلك تجاهل التاريخ المطبوع أو أن الفحص المخبري يجب أن يُجرى في كل حالة، إذ تختلف الإجراءات الرقابية بحسب طبيعة الغذاء والمخاطر المحتملة والتشريعات المعمول بها. فالأهم هنا أن يكون قرار سحب الغذاء أو إتلافه أو اعتباره غير صالح قائمًا على أساس واضح ومتوافق مع المتطلبات القانونية والمعايير الفنية المعتمدة، وأن يكون متناسبًا مع مستوى الخطر الذي يمثله المنتج.
وتزداد أهمية هذه القضية في السودان بسبب الظروف التي يمر بها النظام الغذائي. فالسودان يواجه تحديات كبيرة تتعلق بتوافر الغذاء وارتفاع تكلفته واضطراب سلاسل الإمداد وضعف قدرات التخزين والنقل والتبريد، إلى جانب الظروف الاقتصادية والإنسانية والبيئية الصعبة. وفي مثل هذا السياق، فإن التعامل مع الغذاء المتاح يصبح أكثر أهمية، لأن فقد أي كمية منه لا يمثل خسارة في قيمة المنتج فقط، وإنما يعني أيضًا فقد الموارد التي استخدمت في إنتاجه ونقله وتخزينه وتسويقه.
وفي سياق الرقابة على الأغذية في السودان، تبرز أهمية الاستناد إلى أسس علمية وفنية وتنظيمية واضحة عند الحكم على صلاحية المنتجات الغذائية للتداول أو الاستهلاك. ويقتضي ذلك مراعاة نوع التاريخ المدون على العبوة، وطبيعة الغذاء ومدى قابليته للتلف، وظروف التخزين والنقل، وسلامة العبوة، ووجود مؤشرات على التلف أو التلوث، إضافة إلى المتطلبات الواردة في المواصفات واللوائح الوطنية ذات الصلة. وتكتسب هذه المنهجية أهمية خاصة عند اتخاذ قرارات ضبط المنتجات أو سحبها أو إتلافها، بحيث تتناسب الإجراءات مع طبيعة المنتج ومستوى المخاطر المحتملة، مع اللجوء إلى التقييم الفني أو المخبري عند الحاجة، بما يضمن حماية صحة المستهلك والحد من التخلص غير الضروري من الأغذية. وتتصل هذه القضية كذلك بالشفافية في القرارات الرقابية. فعندما يعلن عن ضبط أو إعدام كمية من الغذاء باعتبارها “منتهية الصلاحية”، فإن توضيح المقصود بهذه العبارة وأسباب القرار يمكن أن يكون ذا أهمية كبيرة. فهل انتهى التاريخ المرتبط بالسلامة؟ أم انتهت الفترة المرتبطة بأفضل جودة؟ وهل كانت هناك أسباب أخرى تتعلق بظروف التخزين أو سلامة العبوة أو التلوث أو عدم المطابقة للمواصفات؟ إن توضيح كل هذه الجوانب لا يخدم المتخصصين والجهات الرقابية فقط، وإنما يساعد أيضًا على تعزيز ثقة المجتمع في منظومة سلامة الغذاء، ويمنع ترسيخ مفهوم بالغ التبسيط مفاده أن أي غذاء تجاوز التاريخ المطبوع على العبوة هو غذاء فاسد أو سام بالضرورة.
وينبغي التأكيد هنا على أن تطوير الرقابة لا يعني تخفيفها، بل يعني جعلها أكثر دقة واتساقًا. فالرقابة الفعالة هي التي تمنع الغذاء غير الآمن من الوصول إلى المستهلك، وفي الوقت نفسه تتجنب اتخاذ قرارات غير ضرورية تؤدي إلى التخلص من غذاء يمكن التعامل معه بصورة آمنة وقانونية وفقًا للأنظمة والمواصفات المعتمدة. وتزداد أهمية هذا التوازن في السودان، لأن قضية تواريخ الأغذية لا يمكن فصلها عن قضية الفاقد والهدر الغذائي بصورة عامة. فالغذاء قد يُفقد قبل أن يصل إلى المستهلك نتيجة ضعف عمليات الحصاد أو التخزين أو النقل أو التبريد أو التداول، وقد يُهدر بعد وصوله إلى الأسواق أو المنشآت الغذائية أو الأسر نتيجة سوء إدارة المخزون أو انخفاض الطلب أو سوء فهم تواريخ الأغذية أو التخلص منه لأسباب أخرى.
ومن المهم التمييز بين “الفاقد الغذائي” و”الهدر الغذائي”، رغم ارتباطهما ضمن منظومة واحدة. فالفاقد يرتبط بدرجة كبيرة بالمراحل السابقة لوصول الغذاء إلى المستهلك، مثل الإنتاج وما بعد الحصاد والتخزين والنقل والتصنيع، بينما يرتبط الهدر بدرجة أكبر بالمراحل التي يصل فيها الغذاء إلى الأسواق والمنشآت الغذائية والأسر ثم يتم التخلص منه رغم إمكانية الاستفادة منه. ويمثل هذا التمييز أهمية خاصة في السودان، لأن الحد من الهدر الناتج عن سوء فهم تواريخ الأغذية لا يمكن أن يحل مشكلة الفاقد الغذائي بأكملها. فهناك خسائر مرتبطة بالبنية التحتية وسلاسل التبريد والنقل والتخزين والظروف المناخية والاقتصادية، وهي تحتاج إلى تدخلات مختلفة. إلا أن تحسين فهم تواريخ الأغذية يمثل أحد المكونات التي يمكن أن تساعد على الحد من الخسائر غير الضرورية في المراحل التي يصل فيها الغذاء بالفعل إلى الأسواق والمستهلكين.
ويترتب على التخلص غير الضروري من الغذاء خسائر اقتصادية متعددة. فالمستهلك الذي يتخلص من منتج قابل للاستفادة يفقد القيمة المالية التي دفعها مقابل المنتج، كما يفقد المنفعة الغذائية التي كان يمكن أن يحصل عليها منه. أما المتاجر والمؤسسات الغذائية، فإن التخلص المبكر من المنتجات يؤدي إلى خسائر في المخزون وتكاليف إضافية مرتبطة بالتوريد والتخزين والتخلص من النفايات. ولا تتوقف الخسارة عند قيمة الغذاء نفسه، إذ إن كل منتج يتم التخلص منه يمثل أيضًا هدرًا للموارد التي اِسْتَخْدَمَتْ في إنتاجه، بما في ذلك المياه والطاقة والأرض الزراعية والعمالة ووسائل النقل والتخزين. ومِنْ ثَمَّ فإن تقليل الهدر الغذائي يسهم في تحسين كفاءة استخدام الموارد وتقليل الآثار البيئية المرتبطة بإنتاج الغذاء والتخلص منه.
وتكتسب هذه المسألة بعدًا اجتماعيًا أكبر في البلدان التي تواجه مستويات مرتفعة من الحاجة الغذائية. ففي مثل هذه البيئات، فإن الحفاظ على الغذاء القابل للاستفادة بصورة آمنة يمكن أن يسهم في تحسين كفاءة الموارد المتاحة، بينما يؤدي التخلص غير الضروري منه إلى خسارة مورد كان يمكن أن يسهم في تلبية احتياجات السكان. ولهذا فإن حماية المستهلك من الغذاء غير الآمن وتقليل الهدر الغذائي ليسا هدفين متعارضين، بل يمكن تحقيقهما معًا من خلال منظومة تعتمد على التقييم العلمي، والتشريعات الواضحة، والرقابة القائمة على الأدلة، والوعي الصحيح بمعلومات الأغذية. فالغذاء الذي يثبت أنه غير آمن يجب منعه من التداول والتخلص منه وفق الإجراءات النظامية، وفي المقابل ينبغي تجنب إهدار الغذاء الذي لا يثبت أنه غير آمن أو غير مطابق، متى كان التعامل معه مسموحًا به وفق التشريعات والمواصفات المعتمدة.
ومن أجل تحقيق هذا التوازن، يحتاج السودان إلى مراجعة وتطوير الإطار التنظيمي المتعلق بوسم الأغذية، بما يحقق وضوحًا أكبر في المصطلحات المستخدمة على المنتجات ودلالاتها، وبما يتوافق قدر الإمكان مع الممارسات والمعايير الدولية مع مراعاة طبيعة النظام الغذائي والتشريعي السوداني. كما أن تحديث التشريعات وحده لا يكفي، إذ توجد حاجة ملحة إلى زيادة تدريب العاملين في الجهات الرقابية والقطاع الغذائي على المفاهيم الحديثة المتعلقة بتواريخ الأغذية، وتعزيز القدرات الفنية والمخبرية عند الحاجة، وتحسين آليات توثيق قرارات الضبط والسحب والإتلاف، بحيث يكون لكل قرار أساس واضح يمكن فهمه ومراجعته.
ويحتاج الأمر كذلك إلى رفع وعي المستهلكين والتجار والعاملين في المؤسسات الغذائية بالفرق بين سلامة الغذاء وجودته، لأن أي تغيير في النظام التنظيمي لن يحقق النتائج المطلوبة إذا ظل المجتمع يتعامل مع جميع التواريخ باعتبارها «تاريخ انتهاء» بالمعنى نفسه. ويمكن لوسائل الإعلام والجامعات والمؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني أن تؤدي دورًا مهمًا في نشر هذه المعرفة بصورة مبسطة ودقيقة، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن فهم الفرق بين أنواع التواريخ لا يعني تجاهل متطلبات السلامة أو استهلاك الأغذية غير الآمنة. وفي الوقت نفسه، يجب ألا يُنظر إلى تواريخ الأغذية باعتبارها العامل الوحيد في مشكلة الهدر الغذائي في السودان. فحتى أفضل أنظمة وضع البيانات على عبوات الأغذية، إلى جانب رفع مستوى الوعي، لن تمنع الخسائر الناتجة عن سوء التخزين أو النقل أو ضعف سلاسل التبريد أو الظروف المناخية أو اضطراب الإمدادات. ولذلك فإن الحد من الهدر يتطلب معالجة متكاملة تشمل تحسين البنية التحتية، وتطوير التخزين والنقل، وتعزيز سلاسل التبريد، وتحسين إدارة المخزون، والحد من الخسائر بعد الحصاد، إلى جانب تطوير نظام أكثر وضوحًا للتعامل مع تواريخ الأغذية.
كما يمكن أن تسهم إدارة المخزون بصورة أفضل في تقليل التخلص من المنتجات قبل أن تصبح مشكلة رقابية أو غذائية. ويساعد تطبيق ممارسات مناسبة لتدوير المخزون، وتحسين التخطيط للشراء، ومراقبة ظروف التخزين، وتحديد المنتجات التي تقترب من نهاية الفترة المحددة لها، على تقليل الكميات التي تصل إلى مرحلة التخلص منها. ويتطلب ذلك تعاونًا بين المنتجين والموردين والمتاجر والمنشآت الغذائية، بحيث تتم إدارة المنتجات وفق طبيعتها وظروف حفظها والفترات الزمنية المحددة لها.
ومن الجوانب المهمة كذلك دراسة إمكانية الاستفادة من الأغذية التي لا تزال قابلة للتداول أو الاستخدام بصورة قانونية وآمنة، وفقًا لما تسمح به التشريعات الوطنية، بدلًا من التخلص منها بصورة تلقائية. ويمكن أن يشمل ذلك تطوير آليات لإعادة توزيع بعض الأغذية أو التبرع بها للجهات المستفيدة عندما تكون حالتها ومتطلبات القانون تسمح بذلك. إن التحدي الحقيقي أمام السودان في هذا الجانب لا يتمثل في الاختيار بين حماية صحة المستهلك أو تقليل الهدر الغذائي، لأن الهدفين متكاملان، وإنما يتمثل في بناء منظومة تستطيع أن تميز بدقة بين الغذاء الذي يمثل خطرًا صحيًا حقيقيًا، والغذاء الذي فقد جزءًا من جودته دون أن يعني ذلك بالضرورة فقدانه لسلامته، مع الالتزام الكامل بالتشريعات والمواصفات الوطنية.
وفي هذا الإطار، فإن كل قرار يتعلق بسحب أو إعدام الغذاء ينبغي أن يُنظر إليه ضمن منظومة أوسع تشمل سلامة المستهلك، والقيمة الاقتصادية للغذاء، والموارد المستخدمة في إنتاجه، والظروف الغذائية والاجتماعية للمجتمع. وفي المقابل، فإن السماح بتداول غذاء غير آمن بحجة الحد من الهدر يمثل خطرًا غير مقبول، ولذلك لا يمكن أن يكون تقليل الهدر مبررًا للتهاون في متطلبات سلامة الغذاء. ومن ثم، فإن تبني المفهوم الحديث لتواريخ الأغذية في السودان ينبغي أن يكون جزءًا من تطوير أوسع لمنظومة سلامة الغذاء وإدارة الموارد الغذائية، وليس مجرد تغيير في الكلمات المطبوعة على العبوات. ويتطلب ذلك تحديث اللوائح والمواصفات، وبناء القدرات الفنية، وتحسين الرقابة، ورفع وعي المستهلكين، وتعزيز الشفافية في القرارات الرقابية، وتحسين التخزين والنقل وسلاسل التبريد، ودعم البحث العلمي حول حجم وأسباب الفاقد والهدر الغذائي. كما يتطلب نجاح هذا التوجه تعاون الجهات الحكومية والرقابية والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحوث ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، إذ لا يكفي التشريع دون القدرة على تطبيقه، ولا الرقابة دون المعرفة الفنية، ولا التوعية في ظل بنية تحتية تؤدي إلى تلف الغذاء قبل وصوله إلى المستهلك.
 

nazikelhashmi@hotmail.com

Author
د. نازك حامد الهاشمي

د. نازك حامد الهاشمي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
نفيسة المليك… امرأةٌ صنعت من التعليم طريقاً إلى الحرية
البرهان فقد السيطرة على نفسه وأصبح أكبر مهددات الوطن .. بقلم: عزالدين صغيرون
منبر الرأي
بين الحُــوار وشــيخِه: أستاذي النور حــمد ووطأةُ النقلةِ البراديمية (٢) .. لِـمَ التفريع على نغمة الأستاذ السِّــر يا صاحبَ الرَّعَوية؟ .. بقلم: سيف الدولة أحمد خليل
تقارير
سودانيون يشتكون من “انعدام الشفافية” وشبهات فساد في منح “Give Directly” بأوغندا
تقارير
شهادات جديدة تكشف مراكز احتجاز الدعم السريع وجرائم الحرب في الفاشر

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

لتنقية الصحافة المهنة الرسالة .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

استقرت بالمنطقة: المعارضة التشادية…هلع ورعب بشرق دارفور .. تقرير: خالد البلوله ازيرق

خالد البلولة ازيرق
منبر الرأي

السدود وبال .. بقلم: م.معاش:مصطفي عبده داوؤد علي.

طارق الجزولي
منبر الرأي

هذا يحدث في السودان … بقلم: د. حسن بشير محمد نور – الخرطوم

د. حسن بشير
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss