صديق الزيلعي
فتحت مقالا الدكتورة ناهد محمد الحسن آفاقا رحبة للحوار الفكري الجاد. تميزت مقالاتها بالموضوعية، والجدية والعقلانية. وسأحاول المشاركة في هذا الحوار، وقد أدى انشغالي بالعدد السادس من مجلة قضايا فكرية ” الذي صدر بالأمس” من المشاركة المبكرة في الحوار المحفز للتفكير. كما ان هناك بعض النقد وجه لمقالي حول مشاركتي في ورشة نيروبي، سأتعرض له في مقال منفصل ٍأجتهد للرد عليه، أيضا. في هذا المقال سأبد النقاش مع ما طرحه الزميل السر بابو في رده على الدكتورة ناهد.
النقطة المحورية في ردي، ان السر بابو قدم شرحا عاما مطولا، تميز بالتجريد الشديد، وطرح المقولات العامة. وتجاهل التعرض لقضايا محددة مطروحة في النقاش، وتمس الواقع الكارثي الحالي لبلادنا. وما اكثر ما كررنا مقولة غوتة النظرية رمادية والواقع اخضر. ودائما ما نتجاهل هذا الاخضرار الذي تتميز به الحياة، ونتمسك بمقولاتنا النظرية، بطريقة جامدة.
كتب السر في بداية موضوعه:
” كما هو معلوم منهج الماركسية متجدد مع تغير الواقع، والماركسية تركت بصماتها على تطور الفكر الإنساني العالمي، بتصديها لتحرير الإنسان من القهر الطبقي والقومي والاثني والجنسي ومن لعنة الحاجة وتحقيق الفرد الحر بوصفه الشرط لتطور المجموع “
هذه مقولة عامة ترددت كثيرا بين الماركسيين، ولكنها تطلق، في الهواء، هكذا بدون تحديد كيف أن الماركسية، هي منهج متجدد مع تغير الواقع. وقد تغير الواقع بمراحل كبيرة، وبقفزات هائلة، منذ زمن ماركس، وحتى الآن، ولم نقرأ في كتابات السر وصف ذلك التجدد أو تحديد سماته الحقيقية. وكان ويكون وسيكون التحدي الحقيقي، امام الماركسيين المعاصرين، ليس ترديد مقولات ماركس، بل باستخدام منهجه لدراسة وقاعهم المتجدد، وطرح رؤية ماركسية تفسر ذلك الواقع الجديد، وتعمل على تغييره. وفي هذا الاطار تقفز للذهن هذه المسألة هل الماركسية نظرية علمية كاملة، ام نحن أمام النهج الذي استخدمه ماركس، وعرف بالمنهج الجدلي. واذا قبلنا الصفة الأولى أو الثانية، هل يتجدد ذلك المنهج أو تلك النظرية، وهل لهذا التجديد والتغيير ان يلغي مقولات ماركس الاصلية، ويقدم مقولات جديدة مناقضة لها.
كتب السر:
” من السذاجة القول أن الماركسية أفل نجمها بانهيار التجارب الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق اوربا “
هذه مقولة عامة، ولكن لم تناقش أين السذاجة، وأمام ناظرنا نري الدول التي تبنت تلك النظرية وطبقتها لعقود من الزمن تتهاوى امام ناظرنا، ورأينا ضمور الأحزاب الشيوعية، الحاكمة وغير الحاكمة، وتحولت أغلبها لأقليات يسارية على هامس الحياة السياسية. ولم يتعرض لماذا انهارت تلك التجارب الاشتراكية، ويقدم تفسيرا منطقيا ومقبولا لسذاجة من يتحدثون عما يجري امام اعين العالم؟ وما هي الدروس التي تعلمناها من ذلك الحدث العاصف؟ ما هو تفسير ذلك الانهيار العاصف لدولة استمرت لسبعة عقود، كانت تمثل الانموذج العالمي للنظام الحديث والبديل الأكثر عدالة من الرأسمالية، حيث كان الحزب الشيوعي هو الممسك بزمام الأمور، وبكل كبيرة وصغيرة فيها. ولماذا تخلى اكثر من ثلاثة ارباع أعضاء الحزب الشيوعي السوفيتي عن عضوية الحزب، بعد سقوطه؟ وأين هو الآن، ذلك الحزب الذي وصفه لينين بفخر واعتزاز، في اطار حديثه عن حزب سيغير تاريخ البشرية، قائلا” نعم يوجد حزب كهذا”.
لكن ما يهمنا، وبالتحديد في السودان، أثر ذلك الانهيار علينا. فقد فتح الحزب الشيوعي مناقشة عامة استمرت لعقدين من الزمان، وكانت خطوة متقدمة، لم يسبقه عليها حزب سوداني. ولكن ما هي الدروس التي خرجنا بها من تلك المناقشة، وما اثر ذلك على فكر وبرنامج وممارسة الحزب الشيوعي السوداني؟ وهل حدث تطور في خطاب الحزب الشيوعي كنتاج لتلك المناقشة العامة.
أضاف السر:
” أشار انجلز في مؤلفه انتي دوهرينغ (1877) الى أن الماركسية تحولت الى علم باكتشاف المفهوم المادي للتاريخ، ونظرية فائض القيمة التي كشفت سر الاستغلال الرأسمالي”
هناك فوارق معروفة بين النظريات الفلسفية والاجتماعية وبين القوانين العلمية. واذا تحولت الماركسية الى علم، فيجب ان تكون قوانينها واكتشافاتها محددة، غير قابلة للنقض، الا باكتشافات جديدة، تغير الأولي. فهل ينطبق ذلك على الماركسية. ويأتي في أطار هذا الطرح ما ردده المنظرون السوفييت لعقود من الزمن حول الاشتراكية العلمية، وتبعتهم الأحزاب الشيوعية في ترديد ذلك.
ويمضي السر في نفس اتجاه المقولات العامة ويكتب:
” بهذين الاكتشافين تحولت الماركسية الى علم، بحيث يصبح الواجب تطويرها في كل الاتجاهات، ولأن العلم لا يعرف النهائية والاكتمال، فان تجديد الماركسية عملية مستمرة، وتنبع من منهجها الديالكتيكي الذي ينظر للظواهر في حركتها وتطورها وشمولها وتحولها وتغيرها الدائم، وعليه فإن التجديد كامن في طبيعة ومنهج الماركسية، المشكلة كانت في الجمود الذي جرد الماركسية من طابعها النقدي والثوري”
عندما يقول من الواجب تطويرها فيجب ان يطرح لنا التطوير الذي تم، منذ عصر ماركس ثم دولة لينين السوفيتية. والمثال الأكثر وضوحا هو صك مصطلح الماركسية اللينينية، وهو نظرية بناء دولة التجربة السوفيتية، الذي انتصرت قبل اكثر من قرن من الزمان: ما هو التطوير الذي تم من الأحزاب الشيوعية والذي نود ان يقدمه لنا الزميل السر، ويطبقه على الواقع السوداني الحالي، مما سيساعدنا على فهمه وهو الذي يتميز بالتعقيد الشديد.
ويكرر الزميل السر بابو نفسه ويكتب:
“ومنذ اكتشاف ماركس حدثت تطورات كثيرة في علوم الاجتماع والاثار والتاريخ والأنثروبولوجيا وغيرها أثرت الفهم المادي للتاريخ، مثلما حدثت تطورات في علم البيولوجيا أثرت وطورت نظرية داروين حتى اكتشاف الشفرة الوراثية في عصرنا الحالي”.
نعم حدثت قفزات كثيرة في مختلف العلوم، ولكن القضية هي ما لم يتعرض له السر. فتلك التحولات والتطورات والقفزات ما أثرها على ما طرحه ماركس في القرن التاسع عشر؟ اين الإضافات التي تمت وكانت امتدادا لما طرحه، أو تغييرا لما قاله، أو الغاءا كاملا أو جزئيا لما قدمه.
هذه مقدمة قصيرة وسأواصل الحوار مع الصديق السر بابو، الذي يتميز بهمة عالية على المشاركة في الفضاء العام، وهوما يحمد له.
siddigelzailaee@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم