المهدية في الميزان، الدعوة والدولة بمقاييس زمانها ومقاييس زماننا
الوطن والرؤية والسلام والحرية والعدالة والتنمية وسياسة القبائل بين 1881 و1898
د. الرشيد خليفة
مقدمة، في صناعة الميزان
لكل ميزان كفّتان، ولكل مؤرخ يقترب من المهدية إغراءان. الإغراء الأول أن يحاكم الماضي بقوانين محكمةٍ لم تكن قد أُنشئت بعد، فيصير كقاضٍ يغرّم سائق عربة يجرّها حصان لأنه لم يربط حزام الأمان. والإغراء الثاني أن يعذر الماضي في كل شيء بحجة أن «الزمن كان غير الزمن»، فيصير محامياً لا يخسر قضية، لأنه لا يقبل إلا موكلين ماتوا قبل أن يُسألوا. وهذا المقال يحاول أن ينجو من الإغراءين معاً، فيضع المهدية، بمرحلتيها، مرحلة الدعوة (1881–1885) ومرحلة الدولة (1885–1898)، في ميزان ذي كفّتين: كفة مقاييس زمانها ومكانها، وكفة مقاييس زماننا.
والمعايير التي نزن بها تسعة: مفهوم الوطن، والرؤية المستقبلية، والسلام، والحرية الوطنية، والحرية الشخصية، والحرية القبلية والسياسية، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، ثم سياسة الدولة الداخلية مع القبائل وزعمائها. ولا بد من التفريق منذ البداية بين المرحلتين. فالدعوة حركة ثورية يقودها رجل واحد، هو محمد أحمد بن عبد الله، يرى نفسه مبعوثاً لإحياء الدين. والدولة جهاز حكمٍ ورثه الخليفة عبد الله التعايشي بعد وفاة المهدي في يونيو 1885، فاضطر الخليفة أن يدير بلاداً شاسعة بأدوات حركةٍ لم تُصمَّم أصلاً لإدارة البلاد [1]. ومن خلط بين المرحلتين ظلم إحداهما بذنب الأخرى، أو جمّل إحداهما بفضل الأخرى.
وأما المصادر فمنقسمة إلى صنفين. الصنف الأول أصوات من الداخل، أولها منشورات المهدي ورسائله التي جمعها وحققها محمد إبراهيم أبو سليم [2]. والصنف الثاني أصوات من معسكر الغالب، كروايات الأسرى الأوروبيين ومدوّنات المخابرات المصرية البريطانية. وسنزن هذا الصنف بذاك، فلا نأخذ رواية الأسير كأنها شهادة محايد، ولا نأخذ منشور الإمام كأنه تقرير عن الواقع، فالمنشور يقول ما ينبغي أن يكون، والأسير يقول ما يُرضي من حرّره.
أولاً، مفهوم الوطن
بمقاييس زمانها ومكانها: لم يخرج المهدي من جزيرة أبا في صيف 1881 ليحرّر «السودان»، بل، ليحرّر الدين كما يفهمه. فهو في منشوراته لا يخاطب «السودانيين» بوصفهم أمة، وإنما يخاطب «الأحباب» و«الأنصار» و«المسلمين كافة»، ويرسم حدود دعوته بحدود الإيمان لا بحدود الجغرافيا [2]. والوطن في المخيلة السياسية لذلك الزمان والمكان لم يكن الدولة القومية ذات العلم والنشيد والحدود المرسومة، وإنما كان دار الإسلام في مقابل دار الكفر في المستوى الأكبر، والقبيلة والبلد في المستوى الأصغر. والترك عند المهدي لم يكونوا مرفوضين لأنهم جاؤوا من وراء الحدود، بل، لأنهم، في نظره، بدّلوا الدين وظلموا العباد. فالعلة عنده عقدية لا وطنية.
ومع ذلك فقد صنعت الدعوة، من حيث لا تقصد، شيئاً يشبه الوطن. فالحكم التركي المصري رسم الإطار الجغرافي بالغزو منذ 1821، لكن المهدية ملأت ذلك الإطار بتجربة مشتركة. فللمرة الأولى اجتمع البقارة من غرب البلاد، وأولاد البلد من شمالها النيلي، والبجا في شرقها بقيادة عثمان دقنة، تحت راية واحدة وفي مواجهة حكم واحد [3]. ولم يعرف تاريخ هذه الأرض قبل ذلك كياناً سودانياً جمع ما جمعته المهدية، فقد كانت سلطنة سنار في الوسط، وسلطنة الفور في الغرب، ولكلٍّ منهما فلكها. هكذا وضعت الدعوة حجر الأساس لوطنٍ لم تسمّه، كمن خرج يطلب بئراً فعثر على النيل.
بمقاييس زماننا: الأمة، كما يقرر بندكت أندرسون، «جماعة متخيَّلة» تنشأ حين يتخيل أفرادها أنهم شركاء في مصير واحد، مع أن أكثرهم لن يلتقي بأكثرهم أبداً [4]. وهذا التخيل لم يكتمل في السودان إلا في القرن العشرين، حين استعادت الحركة الوطنية المهدية بوصفها «أول دولة سودانية مستقلة»، ورفع ورثتها السياسيون في الأربعينيات شعار «السودان للسودانيين» [3]. أي إن المهدية لم تكن وطنية في زمانها، لكنها صارت وطنية بأثر رجعي، كالجد الذي يُكتب على شاهد قبره لقبٌ لم يسمع به في حياته. والحكم في هذا الباب أن الدعوة أممية الخطاب قومية الأثر، وأن الدولة لم تطوّر فكرة الوطن، بل، ضيّقتها حين صار الولاء للخليفة ولقبيلته معيار الانتماء.
ثانياً، الرؤية المستقبلية، مستقبلٌ خلف الظهر
بمقاييس زمانها ومكانها: كانت رؤية المهدي إحيائية وأُخروية في آن. فهو يرى أن الزمان فسد، وأن الخلاص في استعادة النموذج الأول. ولهذا رتّب دعوته على صورة الصدر الأول: أنصار كأنصار المدينة، وخلفاء يحمل كل منهم لقب خليفة من الخلفاء الراشدين. فكان عبد الله التعايشي «خليفة الصدّيق»، وعلي ود حلو «خليفة الفاروق»، ومحمد شريف «خليفة الكرّار»، أما المقعد الرابع، «خليفة عثمان»، فعرضه المهدي على محمد المهدي السنوسي في ليبيا، فلم يقبله ولم يرد أصلاً [1]. وكان المهدي يبشّر بأن الفتح لن يقف عند الخرطوم، بل، سيمتد إلى مصر والحجاز والشام [1].
والرؤية بهذا المعنى رؤية مستقبلية حقاً، لكن مستقبلها يقع في الماضي، كقائد قافلة عيناه على الأثر الذي خلّفته الإبل لا على الطريق الممتد أمامها. ولم تكن هذه الرؤية شذوذاً في زمانها، فقد عرف العالم الإسلامي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حركات إحيائية عدة، من الحركة الوهابية في نجد، إلى جهاد عثمان دان فوديو في بلاد الهوسا، إلى السنوسية في برقة، وكلها ترى الإصلاح عودةً إلى الأصل لا قفزةً إلى المجهول.
ولما صار الخليفة عبد الله على رأس الدولة ضاقت الرؤية من فتح العالم إلى حفظ الدولة. فقد واصل إرسال الرسائل التي بدأها المهدي إلى الخديوي، وملكة بريطانيا، والسلطان العثماني، والنجاشي يوحنا، يدعوهم فيها إلى التسليم [1]. ثم أرسل جيش عبد الرحمن النجومي إلى مصر، فانكسر الجيش في توشكي في أغسطس 1889 [5]. وبعد توشكي صار المستقبل عند الدولة هو الغد القريب: مؤونة الجيش، وأمن أم درمان، وولاء الأمراء.
بمقاييس زماننا: الرؤية المستقبلية في فقه الدولة الحديثة خطةٌ معلنة لها أهداف ومراحل ومؤشرات، تتعلق بالتعليم والصحة والبنية الأساسية والاقتصاد، وتُحاسَب الحكومات على تحقيقها أو إخفاقها. ولا يجد الباحث في وثائق المهدية خطة لمدرسة أو مستشفى أو طريق، فالتعليم هو الخلوة، والعلاج ما بقي من طب الأعشاب وتمائم الفكي، والطرق هي ما تحفره أقدام الجيوش. والحكم في هذا الباب أن الدعوة صاحبة رؤية كبرى بمقاييس زمانها، وأن الدولة بلا رؤية تتجاوز البقاء بمقاييس أي زمان.
ثالثاً، السلام
بمقاييس زمانها ومكانها: السلام في فقه الدعوة ليس غياب الحرب، بل، غياب من يرفض البيعة. فمن بايع دخل في الأمان، ومن أبى صار هدفاً للجهاد. وهذا منطقٌ شاركها فيه كثير من دول زمانها، مسلمها وغير مسلمها. وما كانت أوروبا في ثمانينيات القرن التاسع عشر تعرف السلام إلا استراحةً بين حربين، وهي يومئذ تقتسم أفريقيا في مؤتمر برلين (1884–1885) قسمة الورثة لتركةٍ لم يستأذنوا أهلها [3]. فلا يحق لمؤرخ أن يعيّر المهدية بحروبها وهو ينسى أن جيرانها كانوا يتقدمون نحوها بالمدافع.
ومع ذلك فإن حصاد الحرب في المهدية ثقيل بأي مقياس. فقد حاربت الدولة على حدودها كلها في وقت واحد تقريباً: مصر شمالاً، والحبشة شرقاً، حيث قُتل النجاشي يوحنا الرابع في معركة القلابات في مارس 1889، وسواكن على البحر الأحمر، ودارفور غرباً، والاستوائية جنوباً [1]. وحاربت في الداخل قبائل كثيرة، وهو ما يخصه هذا المقال بباب لاحق. والدولة التي تحارب الجهات الأربع وداخلها معاً تشبه رجلاً يطفئ أربعة حرائق بجرّة ماء واحدة، ثم يتعجب أن بيته احترق.
بمقاييس زماننا: يحظر ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، ولا يجيزها إلا دفاعاً عن النفس، ويجعل حل النزاعات بالوسائل السلمية أصلاً لا استثناء [6]. وبهذا المقياس فإن دعوة ملكة بريطانيا إلى الإسلام تحت التهديد، وغزو مصر بجيش تصحبه النساء والأطفال، كلاهما ليس سياسة خارجية، بل، مغامرة. والحكم في هذا الباب أن كفة زمانها تخفف عن المهدية كثيراً، وأن كفة زماننا تثقل عليها كثيراً، وبين الكفتين حقيقة لا جدال فيها: الأمن الذي وعدت به الدعوةُ الناسَ من ظلم الترك لم يتحقق في الدولة، لأن الحرب صارت حال الدولة الدائمة.
رابعاً، الحرية الوطنية
بمقاييس زمانها ومكانها: هنا ترجح كفة المهدية رجحاناً لا ينكره خصومها. فقد هزمت الدعوة جيش هكس في شيكان في نوفمبر 1883، وأسقطت الخرطوم في 26 يناير 1885، فانتهى حكمٌ دام أكثر من ستين عاماً عرف الناس فيه الضرائب تُجبى بالكرباج، وتجارة الرقيق تحت حماية الموظفين، والمناصب تُعطى للغرباء [3]. وللمرة الأولى منذ 1821 حكم السودانيون أنفسهم ثلاث عشرة سنة، ولم تسقط دولتهم بثورة داخلية، بل، بجيش حديث تسلّح بمدافع المكسيم والبواخر المدرّعة. وقد حققت المهدية بذلك ما عجزت عنه حركات كثيرة في أفريقيا يومئذ.
بمقاييس زماننا: الحرية الوطنية في القانون الدولي اليوم سيادةٌ معترف بها، وحدود معلومة، ومقعد في المحافل الدولية. ولم تحظ المهدية بشيء من ذلك، فقد ظلت في نظر القوى الأوروبية «ثورةً» على الخديوية لا دولة، ولذلك جاء الغزو الإنجليزي المصري (1896–1898) باسم «استرداد» السودان لا غزوه [3]. والمفارقة المُرّة أن الاستقلال الذي انتُزع من حكم أجنبي واحد انتهى بحكم أجنبيين اثنين في اتفاقية الحكم الثنائي في يناير 1899. والحكم في هذا الباب أن الحرية الوطنية أعظم ما في كفة المهدية، لكنها حرية لم تحمها سياسة، فكانت كبيتٍ بُني بلا سور في حيٍّ كثير اللصوص.
خامساً، الحرية الشخصية
بمقاييس زمانها ومكانها: جاءت الدعوة بمشروعٍ لإصلاح المجتمع من الداخل، فلم تكتف بإسقاط الحكومة، بل، دخلت البيوت. فقد نظمت منشورات المهدي اللباس، فصارت الجبة المرقّعة زيّ الأنصار، وحرّمت التمباك والتدخين والخمر، ومنعت الزغاريد والعويل على الموتى، وحدّدت المهر بعشرة ريالات للبكر وخمسة للثيّب، ونهت عن الإسراف في الولائم [1][2]. وألغى المهدي المذاهب الفقهية والطرق الصوفية، وأمر بإحراق كتب الفقه والتصوف إلا ما اتصل بالكتاب والسنة، وجعل «الراتب» الذي ألّفه بديلاً عن أوراد الطرق [1].
وفي ميزان زمانها يمكن أن يقال إن الضبط الاجتماعي كان سمة الحركات الإحيائية كلها، وإن كثيراً من الناس رأوا في تحديد المهر رحمةً بالشباب الفقراء، وفي منع الإسراف عدلاً بين الغني والفقير. ويمكن أن يقال أيضاً إن الحكم التركي لم يعرف الحرية الشخصية بمفهومها الحديث. لكن الفرق بين الحكمين واضح: الترك كانوا يأخذون من الناس أموالهم ويتركون لهم عاداتهم، أما الدولة الجديدة فكانت تأخذ من أموالهم قدراً أقل في البداية، وتأخذ من عاداتهم قدراً أكبر. ويروي الأسرى الأوروبيون، كسلاطين وأُروالدر، صوراً من العقوبات على تعاطي التبغ ومخالفة الأوامر [5][7]. وهذه الروايات ينبغي أن تُقرأ بحذر، لأن أصحابها كتبوها بعد فرارهم وتحت إشراف المخابرات المصرية البريطانية لغرضٍ دعائي، لكنها تتفق في جوهرها مع نصوص المنشورات نفسها.
بمقاييس زماننا: يكفل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لكل شخص حرية الفكر والوجدان والدين، وحرية الرأي والتعبير [8]. وبهذا المقياس فإن الدولة التي تعرف عدد الريالات في مهرك، ولون الرقعة في جبتك، والكتاب الذي على رفّك، والصوت الذي يخرج من بيتك في الفرح والحزن، دولةٌ لا تترك للفرد مساحة يقف فيها وحده. والحكم في هذا الباب أن الدعوة كانت صادقة مع نفسها في زمانها، وصارمة صرامةً يرفضها زماننا رفضاً قاطعاً.
سادساً، الحرية القبلية والسياسية
بمقاييس زمانها ومكانها: كانت البيعة باب الدخول في الجماعة، ولم يكن رفضها موقفاً سياسياً مشروعاً، بل، كان خروجاً عن الجماعة. وقد عدّ المهدي إنكار مهديته كفراً، وردّ على العلماء الذين أنكروها برسائل تجمع بين الحجة والوعيد [2]. وحين قامت الدولة صار رفض البيعة تمرداً يُعالَج بالجيش، وصار استدعاء القبائل إلى أم درمان، أي «الهجرة»، امتحاناً للولاء. فالقبيلة التي جاءت بشيوخها بقيت في الجماعة، والقبيلة التي تلكأت جاءها الجيش [1].
وأما الحرية السياسية داخل جهاز الدولة فلم تكن لها مؤسسة. فقد ثار الأشراف، وهم أهل المهدي وأقاربه، في نوفمبر 1891، فانتهت ثورتهم بنفي عدد من قادتهم وإعدام بعضهم، ثم انتهى الخليفة محمد شريف نفسه إلى السجن [1]. وكان سجن «الساير» في أم درمان، المنسوب إلى سجّانه إدريس الساير، مستقراً لكل من خالف أو شُكّ في ولائه، من الأسرى الأوروبيين إلى أمراء الدولة وقضاتها [5][7].
والإنصاف يقتضي القول إن المهدية لم تخترع هذا النمط. فقد عرفت سلطنتا سنار ودارفور التآمر والتصفية، وعرف الحكم التركي السجن والنفي بلا محاكمة. لكن المهدية ادّعت ما لم يدّعه أسلافها، وهو أنها حكم الله في الأرض، فصار الخلاف مع الدولة خلافاً مع الدين، وصار المعارض كافراً لا خصماً. ومن هنا كان ثمن المعارضة في المهدية أغلى من ثمنها في غيرها.
بمقاييس زماننا: الحرية السياسية تعني تعدد الأحزاب، وتداول السلطة، وحق المعارضة في أن تعارض دون أن تُكفَّر أو تُسجن. ومن لطائف التاريخ أن أحد أكبر الأحزاب السودانية في القرن العشرين قام على إرث المهدية نفسها [3]، فصار أحفاد الدولة التي لم تعرف المعارضة يجلسون في البرلمان، ويخوضون الانتخابات، ويخسرونها أحياناً، ويقبلون نتائجها أحياناً أخرى. والحكم في هذا الباب أن الكفتين تتفقان أكثر مما تختلفان: الحرية السياسية ضعيفة بمقاييس زمانها، ومعدومة بمقاييس زماننا.
سابعاً، العدالة الاجتماعية
بمقاييس زمانها ومكانها: كانت العدالة الاجتماعية جوهر جاذبية الدعوة. فقد خاطب المهدي الفقراء والمظلومين، ودعا إلى الزهد في الدنيا، ولبس المرقّعة وألبسها أصحابه، فبدا الأمير والجندي في زيّ واحد. وأسس بيت المال لجمع الزكاة والغنائم وتوزيعها، وأسقط الضرائب التركية التي كان الناس يرونها ظلماً محضاً [1]. ورأى الفلاح الذي جلده جابي الضرائب، والتاجر الذي أفقرته الإتاوات، أن العدل نزل من السماء على ضفاف النيل الأبيض.
لكن الدولة لم تحفظ هذا الوعد كاملاً. فقد صار بيت المال أداةً لتمويل الجيش وتثبيت سلطة الخليفة أكثر منه أداةً للتوزيع، وحلّت محل الضرائب التركية جبايات جديدة تحمل أسماء شرعية [1]. وقد بيّن كيم سيرسي أن الخليفة بنى شرعيته على طقوس وعلامات للسلطة، من العرضة الأسبوعية للجيش إلى الحرس والمواكب، فصار الحكم أقرب إلى بلاط الملوك منه إلى خلوة الزاهد [9]. وحظي التعايشة، قبيلة الخليفة، بالمناصب والأعطيات بعد هجرتهم إلى أم درمان في 1888، فصار القرب من الخليفة مقياس الرزق، وتبلورت ثنائية «أولاد البحر» و«أولاد الغرب» [1][5].
وأما الرقيق فلم تُلغِ المهدية الرق، بل، صار الرقيق جزءاً من الغنائم ومن موارد بيت المال، وكان الجهادية، وهم جنود من أصل رقيق، عماد حملة البنادق في الجيش [1][10]. ومن مفارقات هذا الباب أن حملات غردون ورجاله على تجارة الرقيق في السنوات الأخيرة من الحكم التركي كانت من أسباب سخط بعض التجار، ودفعت بعضهم إلى صفوف الدعوة [1]، فالثورة التي رفعت راية العدل استقبلت في صفوفها من خسر تجارته بسبب العدل.
بمقاييس زماننا: العدالة الاجتماعية تعني المساواة أمام القانون، وتكافؤ الفرص بين الأقاليم والجماعات، وتحريم الرق تحريماً مطلقاً كما تنص المادة الرابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان [8]. والحكم في هذا الباب أن الدعوة رفعت راية العدالة رفعاً صادقاً، وأن الدولة طوتها طيّاً تدريجياً، حتى صار شعار الزهد في الدنيا يعني زهد الرعية لا زهد الحكام.
ثامناً، التنمية الاقتصادية، اقتصاد الغنيمة
بمقاييس زمانها ومكانها: لم تكن «التنمية» مفهوماً في معجم الدعوة، ولا في معجم أي دولة من دول الإقليم يومئذ. فالدولة الصالحة في تصور ذلك الزمان دولةٌ تجمع الزكاة، وتحمي التجارة، وتطعم الجيش. وقد قام اقتصاد الدعوة على الغنيمة، فغنائم الأبيض وشيكان والخرطوم ملأت بيت المال، وجاءت سهلةً كمطر الخريف [1]. فلما توقفت الفتوح انقطع المطر، ووجدت الدولة نفسها مضطرة إلى أن تعيش على ما تنتجه البلاد، ولم تكن قد أعدّت لذلك شيئاً.
وقامت في أم درمان سوقٌ كبيرة، فيها الحرفيون والتجار والصيارفة من أصول شتى، وظلت التجارة مع مصر تجري في الخفاء رغم الحرب [11][1]. وضربت الدولة نقودها، لكن العملة أخذت تفقد قيمتها مع الزمن بخلط الفضة بالنحاس [1]. وتعطلت طرق التجارة الكبرى، وتوقفت خطوط التلغراف، واستُعملت البواخر التي غنمتها الدولة للحرب وحدها.
ثم جاءت مجاعة «سنة ستة» في أواخر الثمانينيات، وبلغت ذروتها في 1889، فكانت أفدح كارثة إنسانية في عمر الدولة [1][5]. وأسبابها المباشرة جفافٌ وقلة أمطار، لكن أسبابها البنيوية سياسية: هجرة القبائل بأمر الخليفة من مناطق الإنتاج إلى أم درمان، وانتزاع الحبوب من مزارع الجزيرة لإطعام الجيش والعاصمة، وتعطل الزراعة في مناطق الحرب. فقد صارت أم درمان مدينةً تأكل ولا تزرع، وصارت الأرياف تزرع ولا تأكل.
بمقاييس زماننا: يقرر أمارتيا سِن، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، أن المجاعات لا تنتج عن نقص الغذاء وحده، بل، عن انهيار قدرة الناس على الحصول عليه، وهو ما يسميه «الاستحقاقات» [12]. وقد اشتهر عنه أيضاً القول بأن المجاعات الكبرى نادراً ما تقع في ظل حكومات تخضع للمساءلة وصحافة حرة. وبهذا المقياس فإن مجاعة سنة ستة لم تكن قدراً سماوياً خالصاً، بل، كانت ثمرة اقتصادٍ يقوم على النقل القسري لا على الإنتاج. والحكم في هذا الباب أن التنمية غائبة في ميزان زمانها لأنها لم تكن مطلوبة، وغائبة في ميزان زماننا لأنها لم تُطلب أصلاً.
تاسعاً، السياسة الداخلية مع القبائل وزعمائها
بمقاييس زمانها ومكانها: كان المهدي في مرحلة الدعوة سياسياً بارعاً في جمع القبائل. فقد استمال البقارة بوعد الجهاد والغنيمة، واستمال أولاد البلد من التجار النيليين بسخطهم على الحكم التركي، وأقام شبكةً من الأمراء من زعماء القبائل أنفسهم، فصار شيخ القبيلة أميراً في الدعوة دون أن يفقد قبيلته [1][3]. لكن هذه البراعة لم تخلُ من الشدة، فقد قتل المهدي بعض زعماء الكبابيش الذين رفضوا دعوته [1].
وفي الدولة انقلب المنهج. فقد سعى الخليفة إلى تركيز السلطة في يده، فاستبدل الزعماء الوراثيين بأمراء موالين، واستدعى القبائل إلى أم درمان، وفي مقدمتها قبيلته التعايشة [1][5]. وسقط في هذا المسار زعماء كبار، منهم صالح فضل الله زعيم الكبابيش، ومادبو علي زعيم الرزيقات، وعوض الكريم أبو سن زعيم الشكرية الذي مات في سجن الخليفة [10]. وبلغ العنف ذروته في المتمة في يوليو 1897، حين أباد جيش محمود ود أحمد الجعليين الذين رفضوا إخلاء بلدهم واستباح عاصمتهم [10][3].
وفي ميزان زمانها يمكن القول إن كل دولة في الإقليم حكمت عبر القبائل، وإن الحكم التركي نفسه كان يعيّن الشيوخ ويعزلهم، وإن تركيز السلطة كان ضرورة لدولة تحارب على حدودها كلها. لكن الثمن كان فادحاً، فالمهدية أسقطت الحكم التركي بتحالف القبائل، ثم أنفقت الدولة شطراً كبيراً من عمرها في حرب القبائل نفسها، كمن يصعد إلى السطح على سُلّمٍ ثم يكسره تحت قدميه.
بمقاييس زماننا: الدولة الحديثة تقوم على المواطنة لا على القبيلة، وعلى العدل بين الأقاليم في السلطة والثروة. وما زالت ثنائية «أولاد البحر» و«أولاد الغرب»، التي تبلورت في الدولة المهدية، حاضرةً في الخطاب السياسي السوداني إلى اليوم، بوصفها أحد الجذور التاريخية لما يسمى في الأدبيات السياسية «المركز والهامش». والحكم في هذا الباب أن الدعوة جمعت القبائل جمعاً بارعاً، وأن الدولة فرّقتها تفريقاً ما زال السودان يدفع ثمنه.
ميزان ختامي، ما رجح وما طاش
إذا وضعنا الأبواب التسعة في جدول واحد ظهرت صورة الميزان كاملة:
المعيار بمقاييس زمانها ومكانها بمقاييس زماننا
مفهوم الوطن أمة الإسلام لا الوطن، لكنها جمعت أقاليم السودان لأول مرة تحت راية واحدة وطنية بأثر رجعي، ولا مواطنة
الرؤية المستقبلية إحياء النموذج الإسلامي الأول، ثم انكماش إلى حفظ الدولة لا خطة لتعليم أو صحة أو بنية أساسية
السلام الجهاد منطق عصرها، وأوروبا تقتسم أفريقيا حروب على الحدود كلها وفي الداخل
الحرية الوطنية تحرير من حكم أجنبي دام أكثر من ستين عاماً سيادة بلا اعتراف، انتهت بحكم ثنائي
الحرية الشخصية ضبط اجتماعي مألوف في الحركات الإحيائية تدخل في المهر واللباس والكتب والمعتقد
الحرية القبلية والسياسية البيعة باب الجماعة، ورفضها خروج لا معارضة، والمخالف كافر أو سجين
العدالة الاجتماعية زهد وبيت مال وإسقاط ضرائب الترك الرق قائم، وامتياز لقبيلة الحاكم
التنمية الاقتصادية اقتصاد غنيمة ثم جباية مجاعة سنة ستة ثمرة سياسة لا مطر
سياسة القبائل جمع بارع في الدعوة تفريق في الدولة ما زال أثره قائماً
جدول الأبواب التسعة، المهدية في ميزان زمانها وزماننا (صورة، امتداد JPG)

جدول الأبواب التسعة، المهدية في ميزان زمانها وزماننا (Word، امتداد DOCX)
| المعيار | بمقاييس زمانها ومكانها | بمقاييس زماننا |
| مفهوم الوطن | أمة الإسلام لا الوطن، لكنها جمعت أقاليم السودان لأول مرة تحت راية واحدة | وطنية بأثر رجعي، ولا مواطنة |
| الرؤية المستقبلية | إحياء النموذج الأول، ثم انكماش إلى حفظ الدولة | لا خطة لتعليم أو صحة أو بنية أساسية |
| السلام | الجهاد منطق عصرها، وأوروبا تقتسم أفريقيا | حروب على الحدود كلها وفي الداخل |
| الحرية الوطنية | تحرير من حكم أجنبي دام أكثر من ستين عاماً | سيادة بلا اعتراف، انتهت بحكم ثنائي |
| الحرية الشخصية | ضبط اجتماعي مألوف في الحركات الإحيائية | تدخل في المهر واللباس والكتب والمعتقد |
| الحرية القبلية والسياسية | البيعة باب الجماعة، ورفضها خروج | لا معارضة، والمخالف كافر أو سجين |
| العدالة الاجتماعية | زهد وبيت مال وإسقاط ضرائب الترك | الرق قائم، وامتياز لقبيلة الحاكم |
| التنمية الاقتصادية | اقتصاد غنيمة ثم جباية | مجاعة سنة ستة ثمرة سياسة لا مطر |
| سياسة القبائل | جمع بارع في الدعوة | تفريق في الدولة ما زال أثره قائماً |
وخلاصة الميزان أن المهدية كانت دعوةً أكبر من دولتها، ودولةً أصغر من دعوتها. فالدعوة جمعت السودانيين وحرّرتهم، والدولة حكمتهم ثم أنهكتهم. ولما جاء جيش كتشنر لم يجد الخليفة عند الناس ما وجده المهدي عندهم قبل ثلاث عشرة سنة. ومع ذلك فقد ثبت الأنصار في كرري، في 2 سبتمبر 1898، ثباتاً شهد به خصومهم قبل أنصارهم، وسقط منهم آلاف في صبيحة واحدة أمام نيرانٍ لم يكن لهم بها عهد [13]. فالذين خذلتهم الدولة لم يخذلوا الراية.
والمؤرخ الذي يضع المهدية في الميزان لا يملك الكلمة الأخيرة، فالميزان نفسه يتغير بتغير الزمان، وما نراه اليوم بديهياً من حقوق وحريات لم يكن بديهياً قبل مئة وأربعين عاماً، وقد لا يبقى بديهياً بعد مئة وأربعين أخرى. وإذا كان لا بد من حكم، فهو أن المهدية نجحت فيما تحتاجه الثورات، وأخفقت فيما تحتاجه الدول. وهذا درسٌ لم يفرغ السودان من تعلّمه بعد.
المراجع
[1] P. M. Holt, The Mahdist State in the Sudan 1881–1898: A Study of Its Origins, Development and Overthrow, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 1970).
[2] محمد إبراهيم أبو سليم (تحقيق)، الآثار الكاملة للإمام المهدي، سبعة مجلدات (الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، 1990–1994).
[3] P. M. Holt and M. W. Daly, A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day, 5th ed. (Harlow: Longman, 2000).
[4] Benedict Anderson, Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism (London: Verso, 1983).
[5] Rudolf C. Slatin, Fire and Sword in the Sudan: A Personal Narrative of Fighting and Serving the Dervishes, 1879–1895, trans. F. R. Wingate (London: Edward Arnold, 1896).
[6] الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة (سان فرانسيسكو، 1945)، المادة 2، الفقرتان 3 و4، والمادة 51.
https://www.un.org/ar/about-us/un-charter/full-text
[7] Joseph Ohrwalder, Ten Years’ Captivity in the Mahdi’s Camp, 1882–1892, ed. F. R. Wingate (London: Sampson Low, Marston & Company, 1892).
[8] الأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (باريس: الجمعية العامة، 10 ديسمبر 1948)، المواد 4 و18 و19.
https://www.un.org/ar/about-us/universal-declaration-of-human-rights
[9] Kim Searcy, The Formation of the Sudanese Mahdist State: Ceremony and Symbols of Authority, 1882–1898 (Leiden: Brill, 2011).
[10] نعوم شقير، تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته (القاهرة: مطبعة المعارف، 1903).
[11] Robert S. Kramer, Holy City on the Nile: Omdurman during the Mahdiyya, 1885–1898 (Princeton: Markus Wiener Publishers, 2010).
[12] Amartya Sen, Poverty and Famines: An Essay on Entitlement and Deprivation (Oxford: Clarendon Press, 1981).
[13] Ismat Hasan Zulfo, Karari: The Sudanese Account of the Battle of Omdurman, trans. Peter
Clark (London: Frederick Warne, 1980
[13] 1973 عصمت حسن زلفو، كرري: تحليل عسكري لمعركة أمدرمان، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم
