كيف لا
moaney15@yahoo.com
في إفادة مختصرة لقول مأثور خبر يقين بأن الحياة ما هي إلا صناعة الفرصة وليست هي الفرصة ذاتها المهداة على طبق من ذهب.غير أن المؤمنين وغير المؤمنين بهذا القول يتفقون على نحو ما على أن صناعة الفرصة تحتاج لتذليل الصعاب التي يسميها السودانيون تلطيفاً بالظروف .
والظروف تحمل في أغلب الأحيان مدلولاً سالباً ، فإن كانت فاعلة فهي القاهرة والعائقة والحائلة والغامضة .وإن كانت مفعولاً بها فهي المعقَدة.وليس غريباً أن ترتبط بمواكبة الأهوال والمصائب والحرب إن اقترنت بالسياسة فتترك بذلك أثراً قوياً في ذهن السامع.فإذا قلنا ظروفاً سياسية واكبت الحرب فهي أقوى أثراً من الظروف الاجتماعية مثلاً أوغيرها.وإن قدر الله وارتضت أن تأخذ شكلاً إيجابياً فستسُكب على تعبير آخر هو الأوضاع أو الأحوال.
هذه الظروف المسكينة ظلت على الدوام الشماعة التي نعلق عليها هزائمنا وعجزنا وكسلنا وهي أقصر الطرق التي تؤدي إلى منطقة الركون والاستسلام لكل ما نقصر في إنجازه ونحيله إلى قدر مكتوب .والظروف هي التي نبنيها بأيدينا لتقف سداً منيعاً عن تحقيق الآمال والأحلام الجميلة في تحدٍ واضح لجديتنا وإصرارانا وعزيمتنا ونستكين بعدها حينما تُصاب عقولنا بالتحجر.
الظروف هي التي جعلت كل السودان ينام عند العاشرة ، وبهذا أصبح جديراً بالاسم التاريخي وطن الأحلام.وهي ما أرشدت المواطنين على استباق الاختناقات المرورية فتحول وقت الاختناق من الثانية عشر ظهراً إلى العاشرة صباحاً . وعند الواحدة ظهراً من الصعب أن تدرك شيئاً ، ليهدأ المواطن مع الثالثة بعد الظهر هدوء الموت ، والأصوات والأبواق متنافرة الإطلاقات من حوله وهو وجِلٌ ومستكين.
الظروف لا تمكنه من انتزاع نفسه من مرجل الأصوات الهادرة ، إذ كيف يستطيع الوصول إلى بيته . وبعد الوصول تحاصره ظروف أخرى وكومة هموم يحملها في عقله المرهق تمنعه من تذكر تسلسل حركته من الصباح وإلى حين عودته ، وتمنعه من التفكير في الغد .
الظروف هي التي جعلت االبلد تغرق كل خريف ، وتحت هدير الرعد يعطش المواطنون في معظم أجزاء الخرطوم.لكن هيئة المياه قالت أن الظروف هي التي قادت الطمي لأن يتراكم ويحدث عجزاً في الإمداد بمحطة المقرن التي تُغطي أجزاءً من وسط وجنوب الخرطوم وغرب أم درمان .ويواصل التصريح بأن ظروف فترة الأمطار هي التي جعلته يفوق المعدل الطبيعي حيث بلغت كميته (44) ألف وحدة.
أول ليلة خارج السودان أياً كان هذا الخارج ، سوف تشرح لك وأنت المتعب المتسلل بانتشاء الجسد الضامر المرهق أن الدنيا غير الدنيا التي تعرفها. الكل في يقظة تامة ، في كامل النشاط ، الكل في حالة جد واجتهاد وكد منتصرين على الظروف بينما هناك أناس ينتظرون أن تسقط في أفواههم طعام الجنان.هذه الصورة تثير الإعجاب وترفع وتيرة التمني بأن نكون أفضل مما نحن عليه ومن ناحية أخرى يُحاصر الحلق بالمرارة ،تخنق بالأسئلة عن حقيقة التثاقل والتثاؤب وهل هي في جيناتنا. إذن أي ظروف لعينة خلقت قلة الحيلة وانعدام الجهد والمثابرة .
الظروف صنيعة الفاشلين.وهي تحدد الموقف من الحياة إلى أي مدى يمكنك السعي والتقدم والصعود والصبر على مكاره الاجتهاد .واقع الحال يشدني وينشط ذاكرتي بكلمات الشاعر اليوناني الأصل الإسكندري المولد ،كفافايس :" إلى رأسك . ستصل على الدوام إلى هذه القرية . لا تأمل في بقاع أخرى . ما من سفين من أجلك ، ما من سبيل . ومادمت قد خربت حياتك هنا ، في هذا الركن الصغير ، فهي خراب أينما كنت في الوجود ".
عن صحيفة "الأحداث"
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم