دكتور محمد عبدالله
لم يكن سوى مقطع فيديو قصير جرى تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه كان كافياً ليختصر مأساة كاملة. رجل يصارع تمساحاً في مياه النيل بالسودان، وصيحات استغاثة تتعالى من الضفة، بينما يقف عشرات الأشخاص عاجزين عن فعل أي شيء. لا أحد يستطيع النزول إلى الماء، ولا وسيلة للإنقاذ، ولا يملك الواقفون سوى متابعة المشهد حتى اختفى الرجل في الأعماق، فيما كانت الهواتف المحمولة توثق نهاية مأساوية لإنسان كان، قبل دقائق، يمارس حياته اليومية كأي يوم آخر.
قد يختلف الناس حول مكان تصوير الفيديو أو توقيته، لكنهم لن يختلفوا على حقيقة أصبحت أكثر حضوراً في السنوات الأخيرة؛ وهي أن حوادث هجوم التماسيح على السكان لم تعد من النوادر التي تُروى، بل غدت تتكرر على امتداد مناطق واسعة من النيل، في ظل الحرب، وغياب الدولة عن أجزاء كبيرة من البلاد، وتراجع الخدمات والرقابة.
في السودان، لا يقصد الناس النهر للتنزه. النيل بالنسبة إلى ملايين المواطنين هو مصدر الماء، وسبيل الرزق، ومكان الصيد، وطريق العبور، ومورد الحياة نفسه. آلاف الأسر لا تزال تعتمد عليه في غسل الملابس، وجلب المياه، وسقي الماشية، والاستحمام. ومع هذا الاحتكاك اليومي، يصبح احتمال وقوع المأساة قائماً في كل مرة يقترب فيها أحد من ضفة النهر.
التمساح النيلي ليس دخيلاً على البيئة السودانية، بل يعيش فيها منذ آلاف السنين. غير أن العلاقة بين الإنسان وهذا الحيوان كانت تقوم، في الماضي، على نوع من التوازن فرضته المعرفة والخبرة وتدخل الدولة عند الضرورة. أما اليوم، فقد اختل هذا التوازن. فالحرب دفعت كثيرين إلى النزوح نحو ضفاف الأنهار، وتراجعت قدرات المؤسسات الحكومية، وغابت الرقابة البيئية، وأصبح التعامل مع هذه المخاطر يتم بردود أفعال متفرقة لا ترقى إلى مستوى المشكلة.
والمفارقة أن الدولة تتعامل مع هذه الحوادث وكأنها وقائع منفصلة، بينما تنظر إليها دول أخرى باعتبارها قضية إدارة مخاطر تستدعي سياسات واضحة.
في أستراليا، التي تضم واحداً من أكبر تجمعات التماسيح في العالم، لا يقتصر الأمر على حماية هذا الحيوان، بل يمتد إلى حماية الإنسان أيضاً. فهناك برامج دائمة لرصد أعداد التماسيح، ونقل الأفراد التي تقترب من المناطق المأهولة، والتعامل مع التماسيح التي يثبت تورطها في هجمات متكررة، إلى جانب نشر خرائط للمناطق الخطرة وتنفيذ حملات توعية مستمرة.
وفي جنوب أفريقيا، أُنشئت مرافق آمنة للوصول إلى المياه، وسُيّجت مواقع السباحة وسقي الماشية، مع وجود فرق متخصصة للاستجابة السريعة عند ظهور أي تهديد.
أما في بوتسوانا وزيمبابوي، فقد اتجهت السياسات إلى إشراك المجتمعات المحلية في إدارة العلاقة بين الإنسان والحياة البرية، إدراكاً بأن الحفاظ على التنوع البيئي لا ينبغي أن يعني ترك السكان يواجهون الخطر وحدهم.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، الدعوة إلى القضاء على التماسيح. فهي جزء من النظام البيئي، ولها دورها في الحفاظ على توازنه. لكن القيمة البيئية لأي كائن لا يمكن أن تكون مبرراً للتقاعس عن حماية الإنسان، كما أن حماية الإنسان لا تستلزم إعلان حرب على الطبيعة.
ما يحتاج إليه السودان هو سياسة متكاملة، تبدأ بمسح علمي لتحديد بؤر الخطر، وتشكيل فرق متخصصة للتدخل السريع ونقل التماسيح التي تقترب من المناطق السكنية، والتعامل مع تلك التي ثبتت خطورتها وفق ضوابط علمية وقانونية، إلى جانب إنشاء مرافق آمنة للحصول على المياه وسقي الماشية، وإطلاق برامج توعية تستهدف سكان القرى النهرية والصيادين والأطفال.
كما أن الجامعات السودانية ومراكز البحوث البيئية مطالبة بدور أكبر في دراسة أسباب تزايد الاحتكاك بين الإنسان والتمساح، ووضع قاعدة بيانات دقيقة تساعد صناع القرار، بدلاً من أن يظل الاهتمام مقتصراً على إحصاء الضحايا بعد كل حادثة.
أن أكثر ما يثير الأسى في ذلك الفيديو لم يكن التمساح نفسه، وإنما ذلك العجز الجماعي الذي خيم على الضفة. عشرات الأشخاص يشاهدون إنساناً يخطفه الموت، ولا يملكون سوى الصراخ والتصوير. وحين يصبح توثيق المأساة أسهل من منعها، فإن الخلل لم يعد في الطبيعة، بل في الدولة التي غابت عن أداء واحدة من أبسط وظائفها: حماية حياة مواطنيها.
لقد ظل النيل، عبر التاريخ، عنواناً للحياة في السودان. ومن المؤلم أن يتحول، في نظر كثيرين اليوم، إلى مصدر خوف يسبق الأمل. وبين حق الطبيعة في أن تبقى، وحق الإنسان في أن يعيش، لا ينبغي أن يكون هناك تعارض. فالدول الرشيدة هي التي تعرف كيف تحمي الاثنين معاً. وهذا، في نهاية المطاف، هو الامتحان الحقيقي لأي دولة تحترم حياة مواطنيها.
muhammedbabiker@aol.co.uk
