زوايا
حمّور زيادة
كتب جورج أورويل في روايته “1984”: “الحرب لا تُخاض لتُربح، لكنها تُخاض لتستمر”. تبدو هذه هي الحقيقة وراء كل نزاع مسلّح في العالم. ولا تختلف الحرب الأهلية السودانية عن بقية الحروب التي يريد لها أطرافها أن تستمر. فالحرب توفّر لهم ما لا يمنحه لهم السلام. بالنسبة إلى بعضهم فإن الحرب مُربِحة، رغم المذابح والدمار، بينما يدفع المدنيون الثمن. حتى الآن، يُقدَّر أن الصراع ألحق خسائرَ بشريةً مباشرةً تُقدَّر بأعداد لا تُحصى من المدنيين والعسكريين، مع تقديرات تصل إلى مئات الآلاف من القتلى. وقد نزح نحو 12 مليون شخص داخل السودان وخارجه، ويحتاج نحو 30 مليوناً إلى مساعدة إنسانية عاجلة، وفق الأمم المتحدة ومنظمات دولية. ولا يقل الأثر المادي للحرب فداحةً عن كلفتها الإنسانية. ففي قطاع الصحّة وحده خسر السودان نحو 11 مليار دولار نتيجة تدمير المستشفيات والمراكز الصحّية وفقدان الأدوية والمعدّات، إضافة إلى نزوح مقدّمي الرعاية الصحّية وتأذي عدد كبير منهم في إثر استهداف قوات الدعم السريع العاملين في الحقل الطبي.
في مواجهة هذه الكارثة، التي تدخل عامها الرابع الشهر المقبل (إبريل/ نيسان)، تعدّدت الجهود والمساعي الإقليمية والدولية لوقف العنف ومساعدة المدنيين. ففي مايو/ أيار 2023 وُقِّع اتفاق جدّة للقضايا الإنسانية بهدف وقف إطلاق النار لإيصال المساعدات الإنسانية ولإنقاذ الخدمات الأساسية، لكن الاتفاق انهار في الأيام الأولى وسط رفض واسع له من أنصار نظام عمر البشير وجماعات من مؤيدي الجيش الذين رفضوا تنفيذ أي هدنةٍ قبل سحق “الدعم السريع”. حاول الوسطاء جمع الطرفَين مرة أخرى للاتفاق على النقاط الخلافية مثل إخلاء “الدعم السريع” لمنازل المواطنين والأعيان المدنية، فتحايلت القوات في تنفيذ ذلك، لكن التفاوض الثاني انهار قبل الوصول إلى أي اتفاق، وتبادل الطرفان الاتهامات بانتهاك ما وقّعا عليه.
ثم سعى الاتحاد الأفريقي لجمع قائدَي الطرفَين (قائد الجيش الفريق أول عبد الفتّاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمّد حمدان دقلو) في جيبوتي، لكنه فشل؛ إذ وافق قائد الجيش وتهرّب قائد “الدعم السريع”. وفي يناير/ كانون الثاني 2024 وقّع الطرفان اتفاق المنامة الذي التزما فيه وقف القتال وبناء جيش موحَّد من القوات كلّها، كما تضمّن بنوداً حول العدالة الانتقالية وإعادة بناء ما دمّرته الحرب، لكن الاتفاق تبخّر كأنه لم يحدث. وتنقّل التفاوض بين مصر وسويسرا ودول يعلمها المتابعون ودول لا يعلمونها، من دون الوصول إلى نتيجة.
في السياق نفسه، ما زالت الولايات المتحدة (مع السعودية والإمارات ومصر) تسعى إلى فرض هدنة إنسانية بلا قيد أو شرط، لكن يتواصل رفضها. يقول المتحدث باسم الخارجية الأميركية: “إن الأوان قد فات منذ وقت طويل على المتحاربين في السودان لقبول هدنة إنسانية”. يعتبر الوسطاء أن الوقت قد تأخّر جداً، لكن الهدنة ما زالت ممكنة. غير أن السؤال يبقى: هل تسمح المصالح المتشعّبة لأطراف الحرب وداعميهم بهذه الهدنة؟
على الأرض، هناك من يجد في هذه الحرب مدخلاً لكسب السلطة والنفوذ؛ قيادات مسلّحة تحكم بلا رقابة ولا محاسبة، وأجهزة أمنية لا يحدّ تمددها حدٌّ؛ عقود إعادة إعمار تُوقَّع، ومناصب وامتيازات تُمنح، وثروات طبيعية يصدّرها جانبا الصراع في العاصمة الخرطوم ومدينة نيالا. ويتزايد عدد أمراء الحرب كأنما ينزلون مع المطر. فالحرب التي تخدم مصالح مباشرة وغير مباشرة لأطرافها ولأصحاب النفوذ فيها ستستمر، وستفشل الاتفاقات لوقفها، فالفوضى التي تخلقها الحرب هي سلطةٌ وثروةٌ لكثيرين.
يظل الخاسر الوحيد في هذه المعمعة هو المواطن السوداني الذي يعاني داخل البلاد وخارجها. في الداخل تنهار الخدمات الصحّية، ويكافح الملايين للبقاء على قيد الحياة حتى في المناطق التي حرّرها الجيش وطرد منها المليشيا. وتنعكس آثار الحرب في إيران على العالم والمنطقة، فتعاني الحلقات الأضعف (مثل السودان) ارتفاع أسعار المواد الأساسية، ويُحرم ملايين السودانيين من الدعم المادي في دول الخليج. فحربٌ فوق حربٍ يجد السودانيون أنفسهم محاصرين بين خيارات لا ترحم، في عالم منشغل عنهم بمحاولة النجاة من النهاية النووية التي تلوح في الأفق.
نقلا عن العربي الجديد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم