الهيمنة الإستعمارية فى عصر الذكاء الإصطناعى

الهيمنة الإستعمارية فى عصر الذكاء الإصطناعى: حروب السيطرة على المعادن النادرة والمياه والطاقة
sabri.m.khalil@gmail.com
د. صبري محمد خليل/ استاذ فلسفة القيم الإسلامية – جامعة الخرطوم

المرحلة الجديدة للهيمنة الاستعمارية

أولاً: أسبابها (الانفراد والضعف)

جاءت هذه المرحلة كمحصلة لمتغيرات متعددة، أهمها انهيار النظام العالمي ثنائي القطب (بتفكك الاتحاد السوفيتي)، وبروز نظام أحادي القطب أتاح للنخب الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية الانفراد بقيادة الهيمنة الاستعمارية على العالم. غير أن هذا الانفراد، في الوقت ذاته، أفضى إلى إضعافها، فأصبحت عاجزة عن قهر جميع أمم وشعوب الأرض وحدها.

إن فشل الذراع الأيسر لقهر الشعوب (محاولات الاتحاد السوفيتي سابقًا فرض نفوذه الأيديولوجي الماركسي والسياسي) أدى، بدوره، إلى إضعاف الذراع الأيمن لقهرها (السياسات الخارجية الإمبريالية للولايات المتحدة الأمريكية).

من مظاهر هذا الضعف:

تنامي المشكلة القومية؛ فالولايات المتحدة ليست أمة واحدة، بل خليط من جماعات ذات أصول قومية متعددة، ومن مظاهر ذلك تصاعد النزعات العنصرية.

تفاقم مشكلة اللاجئين وما تفرزه من كلفة اقتصادية، وما تثيره من مخاوف لدى النخب الحاكمة من تغيير التركيبة السكانية والهوية الحضارية والدينية للدولة.

ارتفاع كلفة تحجيم الإرهاب – لا القضاء النهائي عليه – وهو الإرهاب الذي أسهمت الولايات المتحدة نفسها في إنشائه وتفعيل تنظيماته في مرحلة سابقة لتحقيق أهدافها الإقليمية.

تنامي النزعة الانعزالية الأمريكية، ومن مظاهرها الانسحاب من عدد من المعاهدات الدولية.


ثانياً: خصائص الهيمنة الجديدة

  1. الهيمنة بالوكالة:
    الانتقال من مرحلة الهيمنة المباشرة، التي ترتكز أساسًا على القوة المسلحة المنفردة، إلى مرحلة الهيمنة غير المباشرة (الهيمنة بالوكالة)، عبر قوى دولية متحالفة، وأخرى إقليمية ومحلية تابعة، باستخدام أدوات القوة الناعمة (الاقتصاد، والدبلوماسية، والإعلام) قبل اللجوء إلى القوة المسلحة، مع إجبار القوى الحليفة أو التابعة على تحمّل كلفة المغامرات العسكرية، في إطار التحالفات العسكرية والاقتصادية.
  2. ازدياد توحّش الهيمنة الاستعمارية:
    وهو دليل ضعف لا قوة، مع سقوط ورقة التوت المتمثلة في شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، التي كانت تستر الهدف الحقيقي: نهب ثروات الشعوب بوصفه غاية أساسية.

مرحلة جديدة من المخطط الإمبريالي–الصهيوني ضد الأمة

يمثل هذا المخطط امتدادًا لسياسات بدأ تطبيقها في المنطقة منذ العقد السابع من القرن الماضي، ويعد مؤشرًا على بداية حرب عالمية ثالثة ضد الأمة. ويتمثل مضمونه في الانتقال من أسلوبي:

الإسقاط العنيف (الفوضى الخلاقة): كما في التدخل العسكري في الصومال والعراق، وتحويل الموجة الأولى من ثورات الشباب العربي من مسارها الاحتجاجي الجماهيري السلمي إلى مسار مصطنع عنيف قائم على صراعات طائفية وقبلية مسلحة (ليبيا، سوريا، اليمن) في بداية العقد الأول من القرن الحالي.

الهبوط الناعم: عبر إجهاض الموجة الثانية من ثورات الشباب العربي في نهاية العقد نفسه، باستخدام أساليب ناعمة، أهمها إجراء تغييرات شكلية في الأشخاص (الحكام)، مع الإبقاء على السياسات ذاتها التي تكرس التبعية للغرب الرأسمالي ومؤسساته (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية).

ثم الانتقال إلى أسلوب «السلام من خلال القوة» الذي يجمع بين الأدوات الناعمة والعنيفة، كما في مثال حرب السودان 2023 بوصفها مرحلة من مراحل هذا المخطط، ومحاولات إضعاف وإسقاط نظم وتنظيمات ترفع شعارات المقاومة، بدعم من قوى محلية وإقليمية ودولية تخدم مصالحها الخاصة.


السيطرة على سوق الصناعات عالية التقنية

تسعى الهيمنة الاستعمارية إلى احتكار الصناعات عالية التقنية وإبعاد المنافسين (روسيا، الصين)، وعلى رأس هذه الصناعات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى صناعات الطائرات المسيّرة، والمحركات الكهربائية (السيارات الكهربائية)، والتوربينات الهوائية، والهواتف الذكية، والإلكترونيات، والرقائق الإلكترونية، وأنظمة الدفاع، والأقمار الصناعية.

وتتطلب هذه الصناعات ثلاثة موارد رئيسة:

  1. المعادن النادرة

مثل: التربيوم، والإيتريوم، والديسبروسيوم، والجادولينيوم، والساماريوم، والسكانديوم.

  1. المياه

ولا سيما أن محركات الذكاء الاصطناعي التوليدي تحتاج إلى التبريد، ما يؤدي إلى استهلاك كميات كبيرة من المياه، وبالتالي تفاقم مشكلة ندرة المياه العذبة عالميًا.

  1. الطاقة

وخاصة النفط والغاز.

وبناءً عليه، تقوم الهيمنة الاستعمارية في عصر الذكاء الاصطناعي على السعي إلى السيطرة على هذه الصناعات والموارد، وتأمين سلاسل إمدادها، بمختلف الوسائل المشروعة وغير المشروعة وفق منطق القانون الدولي السائد.


نماذج تطبيقية

  1. إشعال الحرب الأوكرانية

عبر دفع النخب الحاكمة فيها إلى استفزاز روسيا بهدف استنزافها عسكريًا واقتصاديًا، في تكرار لتجربة استنزاف الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، ثم احتكار المعادن النادرة في أوكرانيا مقابل الدعم العسكري المقدم لها.

  1. صفقة «المعادن مقابل السلام» في الكونغو

التي تكرس احتكار الولايات المتحدة للمعادن النادرة والثروة المائية الهائلة، مقابل وعود بإيقاف الحرب الأهلية وتبني اتفاقيات سلام بين القوى المتصارعة.

  1. الضغط الاقتصادي في أفغانستان

بهدف احتكار الاستثمار في المعادن النادرة، وتمرير مشاريع نقل الطاقة (النفط والغاز) من دول آسيا الوسطى، بعد تحولات براغماتية في المواقف الأمريكية تجاه موازين القوى الداخلية هناك.

  1. حرب السودان ومخطط التفتيت

بوصفها مرحلة جديدة من مخطط تفتيت السودان، وتفكيك الدولة الوطنية ومؤسساتها، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، بهدف:

السيطرة على نهر النيل عبر دعم انفصال الجنوب عام 2011، وتشجيع إنشاء السدود دون اتفاق مع دولتي المصب (سد النهضة نموذجًا).

نهب الثروات الطبيعية، حيث يحتل السودان المركز الثالث أفريقيًا في احتياطي الذهب، فضلًا عن معادن أخرى مهمة مثل اليورانيوم.

التحكم في الموقع الاستراتيجي للسودان، بساحله الطويل على البحر الأحمر.

  1. السيطرة على احتياطي النفط العالمي

عبر محاولات السيطرة على النفط الفنزويلي الأكبر عالميًا، والضغط على إيران صاحبة رابع أكبر احتياطي نفطي، بما يضمن التحكم في أسعار النفط وسوق الطاقة عالميًا، وإضعاف المنافسين.

  1. محاولات السيطرة على غرينلاند

بهدف احتكار المعادن النادرة الهائلة فيها، والاستفادة من مناخها البارد في التبريد الطبيعي لمحركات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي.

  1. تصفية القضية الفلسطينية

من خلال الاستمرار في دعم الكيان الصهيوني بوصفه أداة تفتيت طائفي–قبلي، ودعم سياساته الإجرامية بحق الشعب الفلسطيني، وفرض التطبيع على النظام الرسمي العربي، بما يعمق الفجوة بين الأنظمة وشعوبها.

  1. السيطرة على البحر الأحمر

عبر تشجيع تفتيت الدول المطلة عليه، ومشاريع سلام وهمية، ومشروعات بديلة لقناة السويس، والسيطرة غير المباشرة على الجزر والموانئ، ومن بينها محاولات السيطرة على الساحل السوداني.


ضرورة المقاومة الشعبية

إن تصاعد الضغط الخارجي على الأنظمة الرسمية يقتضي مواجهته بضغط داخلي شعبي سلمي، يكبح خضوعها للهيمنة. ويعني ذلك تفعيل المقاومة الشعبية للهيمنة الاستعمارية في هذه المرحلة، بوصفها مخططًا موجهًا ضد الأمة ومؤشرًا على بداية حرب عالمية ثالثة، مع الانتقال من ردود الفعل العفوية المؤقتة إلى فعل منظم، عقلاني، مستمر، ومؤسسي.

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

آليات مقاومة الضغوط النفسية للنزوح واللجوء فى الحرب

sabri.m.khalil@gmail.comآليات مقاومة الضغوط النفسية للنزوح واللجوء فى الحرب:نظرية النبته ومشاكل الإنتماء والإغتراب المكانىد. صبرى محمد …