عبد الله علي إبراهيم
(في الذكرى 21 لرحيله)
(محت ولاية مسيسيبي الأمريكية من علمها الرمز الراجع فيه إلى علم الكونفدرالية. وعلم الكونفدرالية هو الذي حاربت تحت لوائه الولايات الجنوبية التي انقسمت على الحكومة الفدرالية ضد قرارها إنهاء نظام الرق في الولايات المتحدة. واصطرعت الفدرالية والكونفدرالية من 1861 إلى 1865. وانهزمت الأخيرة. ولكن ولايات الجنوب التي خسرت الحرب احتفظت كل منها في أعلامها الجديدة بأثر من العلم الكونفدرالي بزعم أنه من بعض تاريخهم ولذكرى السلف.
ولم تهدأ مقاومة السود الأمريكيين وحلفائهم للمعنى العنصري البغيض لهذه النفايات من الحرب الأهلية. ونجحوا في إزالتها تباعاً وكان آخر “هبل” سقط منها هو ما عَلِق بعلم ولاية مسيسيبي بعد 155 عاماً من نهاية الحرب الأهلية.
للديمقراطية طرائقها العجيبة للغاية التي قد تسل الروح. وأنشر هذه الكلمة القديمة (جريدة الخرطوم 23 نوفمبر 1988) التي زكيت فيها الديمقراطية الليبرالية البطيئة بدلاً عن استعجالها بالحرب لأجل ديمقراطية جديدة مبهمة رأينا عوارها في دولة الجنوب وعقمها في الحركات المسلحة ليومنا).
لم يحل السلام (بشريات لم تصمد) بعد في حين بدأنا نجني ثماره. مثلاً بدأنا نتعرف على السيد جون قرنق بشكل أفضل من المقابلات الصحفية التي أجريت معه. ولعل ما أسعدني في أحاديث قرنق الرغبة التي أبداها في العودة إلى الوطن وترشيح نفسه في الحاج يوسف وهو حيه القديم. وقد ذكرني هذا بكلمة كتبها إبان احتلال الحركة الشعبية لمدينة الكرمك. قلت في الكلمة إن الحركة ترتكب خطأ فظيعاً إن واصلت احتلال المدن وغيرها بالسلاح لأنه في الديمقراطية تسقط المدن بمحض التصويت. ولتأكيد هذا المعنى ناديت باسترداد الكرمك وغيرها بوصفها دوائر “انتخابية” قبل كونها قطعاً من الوطن أو أهدافاً عسكرية.
لا يصح لأي أحد منا أن يأخذ النظام الليبرالي في السودان كمسألة مفروغ منها. فلابد أن يحمد قرنق الله كثيراً إذ عاد وبوسعه ما يزال تحقيق رغبته في الترشيح للبرلمان عن دائرة الحاج يوسف. فالنظام البرلماني، منذ استعادته في 1985، ظل واقفاً في مهب الرياح وعرضة لكل الاحتمالات. ولم تكن الحرب الأهلية غير واحدة من أعصى مشاكل ومقاتل ذلك النظام. وقد وصفت دائماً اشمئزاز المثقفين الليبراليين واليساريين من ذلك النظام وخيبتهم الباكرة فيه بأنهما أقتل لذلك النظام من أي شيء آخر. فاختيار حرب ذلك النظام كما فعل قرنق اختيار واضح أما منهج (لا بريدك ولا بحمل براك) فمزعج جداً.
إذا استحق شخص ما الفضل منفرداً في تمديد عمر النظام البرلماني القائم على علاته فهو السيد الصادق المهدي. لقد أخطأ الصادق مرات ومرات ولكنه لم يرتكب الخطأ القاتل وهو إدارة ظهره نهائياً لذلك النظام. فقد ظل يبدي ويعيد ويشرح صورته للديمقراطية ويتمسك بها بغير كلل ولا ونى حتى عددناه “أبو كلام”. ورثيت له يوماً حين لم يجد مزية لحكومته غير أنها أطول حكومة ديمقراطية استمرت بغير أن ينقلب عليها الجيش أو غيره. وهذا من باب العودة من الغنيمة بالإياب.
وقد عرض الصادق أخيراً على الليبراليين في مؤتمر أركويت مشكلته في إدارة دفة الحكم. فقال إن بلدان أوربا الليبرالية قد حسمت أمر القومية وخطة النمو الاقتصادي لتتوسع بعد ذلك في الحقوق واحدة بعد الأخرى. أما في السودان فقضايا القومية والتنمية والديمقراطية تهجم علينا كلها في وقت واحد. وربما أراد الصادق أن يقول بذلك لليبراليين تأملوا هذه الإشكالية قبل أن ترموني بالعجز والتقلب. وفي الحق ماذا بإمكان حاكم أن يفعل إذا لم يكن مطمئناً إلى إدائه حتى وهو يعتقل تجار العملة الصعبة إدارياً لأن الليبراليين يخافون أن يمتد لهم ذلك الاعتقال. وهو مأزق نبه له السيد عبد الوهاب بوب المحامي بذكاء كبير. وهذا بعض ما يجعل الحكم في السودان صعباً حتى تساءل باحث أجنبي يوماً إن كان السودان أبداً سيخضع لفكرة “الحكومة”.
يبدو لي أن الصادق سيكون أسعد الناس يوم يتقدم قرنق بترشيحه لدائرة الحاج يوسف. فقد صبر الصادق وهو في الحكم علي النظام الليبرالي الذي لم يصبر عليه أكثرنا وهم في المعارضة.
ibrahima@missouri.edu
