نزار عثمان السمندل
صوت الهدنة يتسلل من بين الركام كهمسٍ متردّد، لا يحمل يقيناً بقدر ما يثير أسئلة ثقيلة. الحرب، التي أُنهكت البلاد والعباد، من طول الإهمال الدولي، تبدو فجأة على أعتاب منعطف جديد، حيث تتقاطع ضغوط الخارج مع تعب الداخل، فتُفتح نافذة ضيقة لاحتمال توقف مؤقت للنار، يسمح بمرور المساعدات إلى جغرافيا أنهكها الجوع والخوف.
خلف هذا الحراك، ترتسم ملامح ترتيبات تُطبخ بعيداً عن الضوء، ما يوحي بأن البلاد تُعاد صياغتها في غرف مغلقة، بينما يراقب السودانيون المشهد بشكّ مُضاعف.
تصاعدُ الحديث عن انشقاقات داخل «الدعم السريع» يربك القراءة السطحية للصراع. خروج قادة ميدانيين واستقبالهم رسمياً لا يبدو حدثاً عادياً في سياق حرب مفتوحة، بل إشارة إلى شيء أعمق. الأمر يتجاوز حدود الانهيار الداخلي، ليلامس احتمال إعادة تدوير القوة ذاتها، لكن بواجهة مختلفة، أقل صداماً مع المزاج العام. رواية (العودة إلى حضن الوطن) تُروَّج بعناية، وتُغلَّف بخطاب ديني يطلب الصفح ويستدعي السلم، كما لو أن الدم الذي سُفك يمكن أن يُطوى بعبارة وعظية.
مشهد استقبال المنشقين في أعلى مستويات السلطة يفتح باب التأويل واسعاً. هل تتفكك المليشيا حقاً من الداخل، أم يجري تفكيكها بطريقة محسوبة تمهيداً لإعادة تركيبها داخل معادلة جديدة؟ الاحتمالان يحملان المعنى ذاته: إعادة توزيع القوة بدل حسمها. تلك الانشقاقات، بتواترها وتسلسلها، تبدو أقرب إلى اختبار نبض الشارع، وقياس حدود القبول بإعادة إدماج وجوه كانت حتى الأمس القريب عنواناً للعنف.
داخل معسكر الإسلاميين، تتفجر تناقضات قديمة بملامح أكثر حدة. نقاشات التسليم إلى المحكمة الجنائية الدولية تعيد فتح جروح لم تندمل. حديث عن استعدادٍ لتقديم بعض الأسماء يثير ذعراً في صفوف قيادات ترى في ذلك بداية النهاية. الخلاف بين علي كرتي وأحمد هارون يتجاوز التكتيك إلى سؤال البقاء ذاته: من يُضحّى به كي يستمر الآخرون؟ ومن يدفع ثمن محاولة إرضاء الخارج؟ تجربة علي كوشيب تقف كشبح قريب، تذكيراً بأن الطريق إلى النجاة قد يمر عبر التضحية بالأقرب.
تاريخ الانقسامات داخل الحركة الإسلامية يعود بثقله، من لحظة الصدام بين عمر البشير وحسن الترابي إلى التشظيات اللاحقة. الحاضر لا ينفصل عن ذلك الإرث، بل يعيد إنتاجه تحت ضغط أشد. اعتقالات داخل تشكيلات مرتبطة بهم توحي بأن الخلاف لم يعد سياسياً فقط، بل امتد إلى مفاصل القوة المسلحة، حيث يتحول الشك إلى خطر مباشر.
وسط هذه الفوضى، تتحرك شخصيات أخرى بحذر. مني أركو مناوي يسعى لترتيب أوراقه، محاولاً حجز مقعد في مشهد لم تتضح نهاياته. جبريل إبراهيم يبدو أقرب إلى العزلة، محاطاً بتكهنات عن خروجه من دائرة التأثير. التحالفات تتبدل بسرعة، والأسماء التي كانت ثابتة في معادلة الأمس تفقد مواقعها أو تعيد تموضعها.
عبد الفتاح البرهان يقف في قلب هذا التعقيد، محاصراً بشروط الخارج وضغوط الداخل، دون مساحة كافية للمناورة. أي خطوة نحو هدنة شاملة تعني التزامات ثقيلة، تتصل بإعادة ترتيب البيت الداخلي، وربما تقديم تنازلات مؤلمة في ملف العدالة. الرؤية التي تدفع بها الأطراف الدولية، من الرباعية إلى مخرجات مؤتمر برلين، تفرض مساراً لا يحتمل المراوغة الطويلة.
السودان، في هذه اللحظة، ليس أمام خيار واضح. هدنة محتملة تلوح كاستراحة محارب، لكنها قد تخفي في طياتها إعادة توزيع للأدوار بدل إنهاء الصراع. ما يجري لا يشبه نهاية حرب بقدر ما يوحي بإعادة كتابتها، بحبر مختلف، وأدوات أكثر دهاء.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم