ظهر دكتور كامل في حياة سودانيي صوفيا المقيمين بمدينة الطلاب في صيف 1992. كنت جالساً مع عوض الصنديد وأسا مة الخواض على المقاعد الخشبية الموضوعة أمام المبنى الثامن القائم في مدخل مدينة الطلاب بجوار حي درفنيتسا عندما مرَّ دكتور كامل من بعيد. حيَّانا ومضى باتجاه المبنى التاسع المجاور تاركاً علامات استفهام معلقة في الهواء عمن يكون ذاك الأربعيني الداكن الخضرة. واصلنا جلستنا في الهواء الطلق فقد كان صيف ذلك العام لاهباً وخانقاً، وكنت ترى الطلاب الذين لم يسافروا إلى أهلهم في عطلة الصيف مثلنا يلوذون بالمقاعد المغمورة بالظلال الباردة هرباً من جحيم الحجرات في السكن الجامعي.
كما يظهر النبت العنيد من شقوق التربة عند حلول الصيف بعد أن ظل كامناً في باطن الأرض طوال أشهر الشتاء، ظهر دكتور كامل في حياتنا بلامقدمات، واقتحمها دفعة واحدة دافعاً الباب بقوة. دخلها ليس كما يدخل وافد جديد ولاكما يدخل عابر سبيل وجل منكمش على نفسه يتحسس طريقه بتردد، بل دخلها ” كزول قديم في البلد دي” كماجرى تعريفه وتقديمه لمن لايعرفه. ومن الوهلة الاولى تجلَّت معرفة دكتور كامل بالأشياء وثقته بموضع خطوته. ولم يعد يخامرنا شك بأننا كنا أمام انسان متفرد لايشبه الآخرين، خبِر الدنيا وعركته التجارب وسقط من السماء عدة َمرات ثم نهض ضاحكاً وساخراً من كل شيء.
لم يعوزه وقت طويل ليندمج في مجموعة من السودانيين المقيمين في ناحيتنا. استوعبته تلك الجماعة المكونة من خليط من الطلاب وعابري السبيل. وسرعان مابرز بينهم وتناقل خبره الرواة واذاعوه بين بقية السودانيين. إن اليسر الذي به وجد دكتور كامل القبول بين أفراد الجماعة حتى صار واحداً منهم مذهل لايصدق. تلمحه قادماً من جهة محط الترام يذرع الساحة أمام البنايات السكنية يقطعها على مهل مفتول العضل كانه بُوريتس( مصارع)، يرتدي تيشيرت أبيض وبنطال صيفي قصير أزرق اللون، وينتعل صندلاً بني اللون، ويغطي عينيه بنظارة سوداء واسعة الاطار تضفي عليه هالة من الغموض وتزيد مظهره غرابة، يمشي كانه يقدل مرفوع الصدر كالتمساح العشاري. يتحرك دكتور كامل من مكان إلى مكان محاطاً في معظم الأحيان بإثنين من اصحابه اللذين ترن في أرجاء المكان قهقهتهما المنطلقة اعجاباً واحتفاء بدرر الكلام التي ينثرها.
شهدت الفترة التي ظهر فيها دكتور كامل أيضاً ظهور عدد من السودانيين غير الدارسين. جنوبيون وشماليون جاء بهم درب الهجرة من القاهرة إلى دول غرب اوروبا. تلك كانت فترة اضطراب سبق مخاض التغيير الذي احدث انقلاباً عاصفاً في حياة السودانيين ببلغاريا. ولما وقع ذلك التغيير المزلزل كنت غائباً في زيارة لليبيا.
من المعلومات الشحيحة التي أفصح عنها دكتور كامل أنه قادم من مدينة بليفن حيث عاش من ستينات القرن الماضي وتزوج فيها امرأة بلغارية وعمل في أحد مصانعها واندمج في حياة أهلها وظلت أحواله الأسرية على مايرام طوال فترة الاشتراكية الشمولية ولكن الأمور أخذت تسوء بعد ثورة التغيير في التاسع من نوفمبر 1989 والتي أنهت سيطرة الحزب الشيوعي الخانقة على زمام الحكم لمدة خمسة واربعة عاما، ومع التغيير أخذت أزمة الاقتصاد تتعمق وتتسع فتعطلت وبيعت كثير من المؤسسات التابعة للقطاع العام ومنها المصنع الذي كان يعمل فيه دكتور كامل، وأحسب أن فقدانه للعمل فجاة هو العامل الذي أحدث الاضطراب في حياته الاسرية ودفعته للنزوح الى صوفيا بحثا عن حياة أفضل بما اجتمع في يده من مال مدخر. ما لا أتذكره هو لماذا كان يُنادى بلقب الدكتور.
استأجر دكتور كامل حجرة في المبنى التاسع الذي حوَّله اقتصاد السوق من مسكن لطلاب الجامعات إلى فندق ومرقص يؤمه الرواد من كل أنحاء صوفيا وتلك كانت من بدايات تتجير الاقامة في مدينة الطلاب وهي عملية مستمرة إلى يومنا هذا غيَّرت تماماً ملامح المدينة.
ظهر دكتور كامل واحتل مكانه في حيات سودانيي صوفيا بخضرته الداكنة وقامته المتوسطة الطول وطلاقة لسانه في التحدث باللغة البلغارية وهي ما أذهلتنا و لم نجد لها نظيراً إلا عند الأستاذ شرف مشاوي وهو من أبرز من عرفناهم من جيل الطليعة الذين قدموا في الستينات ومهَّدوا لنا السبيل. يضم ذاك الجيل محمد الضواها، السر حسونة، نورالدين، السفاح، وصديق بازرجيك.
كانت البلغارية تجري سهلة مطواعة على لسان دكتور كامل يجيدها كود البلد. يسحر ألباب مستمعيه باتقانها وبتلك القدرة على الغوض في بحر الامثال الشعبية وهذا مالفت إليه نظر صاحبنا عوض الصنديد المغرم بالتعرف الى الشخصيات الفريدة من البلغار والأجانب، يكتشفها في زحام الحياة ثم يقدِّمها لنا بافتخار كما صنع مع دكتور كامل حين قدمه لنا وعرَّفنا عليه وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة عجيبة وكانه يقول لقد جئتكم بانسان فريد.
عُدتُ من ليبيا في يناير 1993 فوجدت كل شيء قد تبدل. تضآءل وجود الطلاب السودانيبن في بلغاريا بعودة الغالبية منهم لاكمال الدراسة في جامعات السودان وأصبح الموجودون في صوفيا أشبه ببقايا مبعثرة لكائنات منقرضة، بقايا تتشبث بأسباب البقاء تذكِّرك بأنه كان للسودانيين أيام عز في تلك البلاد لكن صفحة ذلك العز انطوت. اندثرت كيانات كانت تجمع الناس وتظلَّهم كاتحاد الطلبة والجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي. غابت انشطة العمل العام الذي سكبت فيه أجيال متتالية من الطلاب عرقاً غزيراً. تهاوت رايات كانت تسد عين الشمس. اختفى اتحاد الطلاب ومعه اختفت مطبوعاته مثل مجلة نبتة. ولم يعد هناك أثر لاصدارات الجبهة الديمقراطية بعد حلِّها في 1992. ولم تعد تصدر بيانات جماهيرية في المناسبات الوطنية كعيد الاستقلال الوطني وثورة اكتوبر وانتفاضة مارس أبريل 1985 ولم تعد تعقد مؤتمرات ولاتقام ندوات تتناول قضايا الساعة يخاطب فيها الجمهور قادة الاتحاد والجبهة والحزب: عز الدين التجاني، وأسامة الخواض وعثمان سيد أحمد. ولم تعد تقام الاحتفالات بعيد الاستقلال حيث تصدح الموسيقى السودانية ويغني فيها كورال الاتحاد تشاركه الفرق الفنية التابعة لاتحادات الطلاب من دول عربية وافريقية ومن أمريكا اللاتينية. ولم تعد تُنظَّم الرحلات في رأس السنة الميلادية إلى سترليجا وغيرها من المدن الساحرة. ولم يعد هناك من يجتمعون في أماسي آخر الأسبوع حين يصرعهم الشوق إلى الوطن ليرددوا أغاني المعتقلين الشيوعيين في سجون الأنظمة الدكتاتورية: ثوار الليل يوليو، والفارس مُعلَّق ولا الموت مُعلَّق، ودَّانا لي شالا وعزتنا ماشالا. جناس تام ثوري المحتوى.
كل ذلك العالم الثري ولَّى وكأن طوفاناً جارفاً داهمه. وأصبح السودانيون في صوفيا قلة تغلب على تكوينها فئة المهاجرين حتى صار من الممكن لمقهى صغير أن يحتويهم. من تلك المقاهي التي أخذ السودانيون يرتادونها في مُدَينة الطلاب طلباً للترويح عن النفس: الأقصى وبالما. ثم فاجأني عوض الصنديد ذات يوم بأن دكتور كامل قد استأجر المقهى القديم البناء القائم عند آخر محط للترام الذي يصل مُدَينة الطلاب بالسنتر وصولا الىى سِقناسْكا ماخَلا(حي الغجر). في المساء زرت المقهى برفقة عوض الصنديد مدفوعاً بالفضول. وكان الظلام يسود في تلك البقعة المعزولة التي لايزورها إلا الترام ليرتاح فيها السائق قليلاً ثم يكمل رحلته. وجدت المقهى مزدحما بالرواد من شتى الملل والنحل، ثم رأيت دكتور كامل جالساً مع اصحابه يقهقه في ركن قصي من المقهى الذي احدق به الظلام من كل جانب.
عثمان محمد صالح،
تلبرخ، هولندا
08.03.2026
osmanmsalih@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم