جمال محمد ابراهيم
(1)
في متابعة المجريات العسكرية والدبلوماسية في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة مشاركة مع إسرائيل ضد إيران، يقف العالم والمجتمع الدولي وأنفاسه محبوسة في انتظار مصائر غائبة. ما يدور في الحرب التي تدور رحاها عدوان يناقض المباديء والمواثيق التي تضط العلاقات االدولية بين أمم الأرض، إلا أن حسابات التصعيد ، تظلّ رهن صوت محتمل- وإن كان بعيداً- لعودة عقلانية بين أطراف تلك الحرب .
تلك هي الثغرة التي بادرت دول من باب الحرص على السلام والأمن الدوليين – حتى وإن ظلت آليات المنظمة الأممية في غياب – إلى بذل ما يوقف المواجهات العسكرية عبر استعادة الدبلوماسية والتفاوض. ثمّة لاعب غائب حاضر في استعادة الدبلوماسية لايقاف المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وهي إسرائيل التي تشارك الولايات المتحدة في عدوانها على إيران ، لكنها وإن لا نرى دوراً مباشراً لها لها في مبادرة عودىة الدبلوماسية برعاية دولة الباكستان، لكنها تظل طرفا مؤثرا في القرار الأمريكي.
ثمَّة تعقيدات في مباشرة التفاوض تتصل بتعدّد التصريحات التي تتردَّد في الإعلام المفتوح من طرفي الحرب، حول الصراع الدائر، وذلك ممّا يبطيء من سرعة التوصّل لحلولٍ توقف الحرب. التراشق بالتصريحات المتناقضة يعتبر نوعاً من التفاوض غير المباشر في الساحات الإعلامية.
(2)
إن سبعة وأربعين عاماً من الخلاف بين الطرفين اللذين يجلسان للتفاوض لإيقاف الحرب بينهما حالياً، ليست بالفترة القصيرة التي يمكن إغفالها في التحليل حول مآلات التفاوض الذي تتوسّط لرعايته دولة الباكستان. إنَّ شعار “مَـركْ بَـرْ أمريكا” باللغة الفارسية والذي يعني “الموت لأمريكا”، طلَّ مرفوعاً ومتجذِّرا في نفوس الإيرانيين منذ انتصار الثورة الإسلامية في عام 1979، بانتصارها على نظام الشاه بهلوي، حليف الغرب والولايات المتحدة التاريخي.
في المراحل الأولى للثورة الايرانية، كان احتجاز الرهائن الامريكيين في طهران أول وجه للصراع بين إيران والولايات المتحدة، حيث نجح تفاوض معقّد في طي صفحة أزمة الرهائن بينهما وقتذاك. لكن بعد أن اندلعتْ حرب الخليج الأولى في عام 1980، بين العراق وإيران، لجأت الولايات المتحدة لاتباع سياسة احتواءٍ مزدوجٍ ، لعبت فيها الولايات المتحدة دوراً خفياً في التحريض والتصعيد في تلك الحرب التي قادت إلى إضعاف الطرفين. فتواصلت حرب الخليج الأولى لست أعوام انتهت باستسلام إيران بقرار مرشد الثورة الايرانية آية الله الخميني، واصفاً قراره بأنه أشبه بتجرّع السُّـم.. إن دبلوماسية “تجرّع السّم”، صارت علامة من العلامات المرجعية التي تستعيدها إيران فتتبعها في أي ظرفٍ لاحق شبيه.
(3)
في الذهنية السياسية الإيرانية، للمرونة مرجعية تاريخية، يمكن أن تحمي الدولة الإيرانية العميقة ، مثلما حدث في قبولها بقرار مجلس الأمن رقم 598 الذي أوقف حربها مع العراق عام 1988. يبقى السؤال، هل للإدارة الأمريكية الحالية ، متسعٌ من التحليل لإدراك أبعاد الذهنية الإيرانية، تلك التي ترفع شعار “الموت لأمريكا” (مَرْك بَر أمريكا) منذ سبعة وأربعين عاما ؟ أم ان ترامب المتطلع لاستعادة ما أسماه المجد لبلاده ه ، هو المصمَّم على محو الحضارة الفارسية من وجه الأرض كما ادّعى ؟
من أبجديات فن التفاوض مع خصمك، بعد بناء جسور الثقة ، أن تلم بنقاط ضعفه وقوته ، وما بيده من قدرات للمناورة والمساومة المبدعة، فتتحقق بالنوابا الصادقة، منافع مشتركة لطرفي التفاوض. لعلّ الوسيط الباكستاني يجد عسراَ مستفحلاً وهو يقود عملية التوسط بين طرفين ، بلغ العداء بينهما لنحو نصف قرن كامل . ثمّة أجيال – سواء في الولاات المتحدة أو في إيران- ولدت وكبرت وتنفّستْ قي أجواء ذلك الخلاف المعقد الطوبل. ترى كيف لقيادات ورثت بصمات هذا العداء العميق والذي يكاد أن يكون راسخا في الجينات وفي الوجدان، أن تجلس لاعات قليلة لتطوي عداءاً تاريخيا عمره عشرات السنين.؟
لذا لنا أن نتفهم ما سيجد الوسيط الباكستاني من عناء ورهق في استبناء جسور للثقة بين الطرفين المتخاصمين.
(4)
هنالك بون شاسع بين النظامين السياسيين القائمين في كلٍّ من الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية في إيران. دون الخوض في تفاصيل تلك الاختلافات، تكفي الإشاة إلى أن الجمهورية الإسلامية في إيران ، وعمرها أقل من نصف قرن، تعتمد عقيدة دينية في كامل نظامها السياسي، تتجلى في البناء السيادي والتشريعي والقضائي والتنفيذي للدولة . أما للولايات المتحدة فلها نظامٌ راسـخ ولأكثر من قرتين ، قام على جمهورية دستورية فيدرالية، يفصل بين السلطات الثلاث التنفيذية علىوالتشريعية والقضائية رئاسية.
عليه فإن الاختلاف الرئيس، يظل في كون الولايات المتحدة دولة علمانية يكفل دستورها حرية ممارسة الأديان ، ولكن يمنع أي توجّـهٍ لإنشاء حكم ديني فيها.
أما إيران في المقابل فإنّ الدين هو أساس نظامها السياسي . ومن دلالات هذا الاختلاف ما يلاحظ َ من ضيق الإدارة الأمريكية الحالية من تصريحات بابا الفاتيكان في التنديد بالحروب ومنوِّهاً أن العالم قد يدمَّـر على أيدي طغـاة، لكن الفاتيكان بسمو وضعها، آثرت عدم الدخول في سجال مع وزير الحرب الأمريكي الذي لم يعجبه تصريح البابا ليون .
ينبغي النظر جيداً، كيف تتحكّم العاطفة الدينية في نظام يعتمد العقيدة الإسلامية في نظامه السياسي، مثلما الحال في إيران، مقارناً مع نظام آخر- وإن أبدى اعترافا بحرية التدين- لكنه لا يرى للدين دوراً رئيساً في السياسـة، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية.
(5)
مع وضوح الفواصل بين السلطات الثلاث في الولايات المتحدة الأمريكية، لكن قد تحدث تقاطعات وتجاوزات في الصلاحيات ، تقود إلى وقوع نوعٍ من الخلاف بين الأجهزة التشريعية الأمريكية وسلطة الرئاسة في البيت الأبيض، فيكون للسلطة القضائية الدور الحاسم لأي خلاف يطرأ. . غير أن في حالة الجمهورية الإسلامية في إيران، فقد تتقاطع الصلاحيات بين تلك التي بيد “المرشد” الأعلى ، وهو الولي الفقيه، وقيادة الجهاز التشريعي، أو رئيس الجمهورية/ رئيس الجهاز النفيذي، أو قيادة “الباســدران” وهو الحرس الثوري، أو قيادة “البيسيج” وهي القوات الداخلية المساندة ، أو مجالس الشورى مثل هيئة فحص النظـام وما شابه من مؤسسات. إن تعقيدات الصلاحيات بين كل هذه الآليات التي تقود الدولة الإيرانية، تجعل متابعة قـرارات الدولة وقراءة تصريحات قياداتها ، أمراً أكثر تعقيداً وأعسر التباساً..
ذلك هو حال الطرفين المتصارعين ، وواضح أنَّ التفاوض بينهما لن ينتهي عبر جولة واحدة ليومٍ أو يومين ، بل سيطول عبر جولات وجولات، ولربَّما إنْ نفد صبرُ أيٍّ منهما فقد يستفحل العداء إلى مستويات ، ستترك العالم امام مجابهات ستحبس أنفاس ساكنيه ، وسيظل منتظرا حكمة وعقلانية لا تلوح لها معالم..
القاهرة في 26/4/2026
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم