محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com
في دهاليز الحياة المعقدة ثمة لحظات ينسلُّ فيها الضوءُ من النوافذ وتصبح فيها الروحُ غريبةً عن جسدها وكأنها طائرٌ ضلَّ سربه في ليلةٍ شاتية. إنَّ “فراق الروح” ليس بالضرورة رحيلاً أبدياً نحو الضفة الأخرى بل هو ذلك الشعور بالاغتراب الوجداني حين تفقد الذاتُ بوصلتها وتغيبُ الملامحُ الأليفةُ خلف ضبابِ الفقدِ أو الانكسار.
تبدأُ الحكايةُ دائماً بوجعٍ صامت؛ فالفراقُ ليس مجرد مسافةٍ تُقاس بالكيلومترات بل هو فجوةٌ تتسعُ في الوجدان عندما تفارقُ الروحُ سكينةَ اللقاء يغدو العالمُ لوحةً باهتة الألوان وتتحولُ الأصواتُ من حولنا إلى صدىً بعيد لا يكادُ يُسمع هذا النوع من الفراق يتركُ خلفه ندوباً لا تُرى لكنها تنبضُ مع كل شهيق مذكرةً إيانا بأنَّ شيئاً جوهرياً قد انتُزع من مكانه الصحيح.
يقول الفلاسفة إنَّ الروحَ لا تمرض لكنها “تغترب” وهذا الاغتراب هو ذروة المعاناة الإنسانية؛ حين يبحثُ المرءُ عن نفسه في وجوه العابرين أو في زوايا الذكريات القديمة فلا يجدُ إلا فراغاً يتمدد.
لكن ومع قسوة هذا الاغتراب يبقى ثمة خيطٌ رفيعٌ من النور يرفضُ الانكسار إنه أملُ العودة هذا الأمل ليس مجرد ترفٍ فكري بل هو غريزةُ بقاءٍ تمنحُ المهجَ المتعبة القدرةَ على الاستمرار . إنَّ الإيمان باللقيا هو الوقود الذي يسرجُ قنديل الروح في عتمة اليأس.
فالعودةُ هنا لا تعني فقط عودة الغائبين بالأجساد بل هي عودةُ الروح إلى صفائها، وشفاءُ النفس من وعثاء السفر في تيه الأحزان هي اليقين بأنَّ الدائرة لا بدَّ أن تكتمل وأنَّ المرافئ التي هجرناها يوماً ما زالت تنتظرُ رسونا على شواطئها بكل صِدق.
إنَّ لحظة “اللقيا” هي الانفجار العظيم للمشاعر؛ هي اللحظة التي يتوقفُ فيها الزمنُ عن الجريان، وتذوبُ فيها مرارة السنين في حلاوة العناق سواء كانت لقاءً مع حبيب أو وطناً أو حتى تصالحاً مع الذات بعد طولِ جفاء فإنها تمثلُ ولادةً ثانية.
في تلك اللحظة تُدرك الروحُ أنَّ الفراق لم يكن إلا امتحاناً لصلابتها وأنَّ الوجع كان صقلاً لمعدنها الأصيل فالذي لم يذق مرارة الفراق لن يدرك أبداً قدسية اللقاء.
“إنَّ الروحَ التي تعرفُ كيف تحنّ هي روحٌ حيةٌ بامتياز فالألمُ دليلُ الشعور والأملُ دليلُ الإيمان”
ستبقى الروحُ دوماً في رحلةٍ بين مدٍّ وجزر تتجاذبها أمواجُ الفقدِ ورياحُ الشوق لكنها ستظلُّ ترنو بعينيها نحو الأفق بانتظار تلك الشمس التي لا بدَّ أن تشرق معلنةً نهاية الاغتراب وبداية العناق الأبدي.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم