كأن القدر كتب على المواطن السوداني أن يعيش بين فكّي كماشة؛ تماسيح البر التي نهشت الدولة حتى أوهنتها، وأغرقتها في الحروب والفتن، وتماسيح البحر التي باتت تخطف الأرواح على السواحل، بينما يظل الإنسان السوداني هو الفريسة الدائمة. هو الضحية، ثم يأتي من يتهمه بأنه هو السبب في كل المآسي التي تشهدها بلادنا!
لسنوات طويلة، ظل السودان يدفع ثمن الاستبداد والفساد والصراعات التي التهمت مؤسسات الدولة وأشعلت الفتن بين أبناء الوطن الواحد. وعندما أُغلقت أبواب العدالة، وصودرت الحقوق، وُوجهت المطالب المشروعة بلغة السلاح، لم يكن مستغرباً أن تتسع رقعة الحروب، وأن يصبح السلام حلماً بعيد المنال.
واليوم، لا تتحدث الأرقام عن مجرد أزمة، بل عن مأساة إنسانية غير مسبوقة. ثلاثة عشر مليون إنسان اقتُلعوا من بيوتهم، وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ملايين ينتظرون العودة ليجدوا منازلهم ركاماً، ومدارسهم خاوية، ومستشفياتهم معطلة، وسبل العيش قد اختفت تحت أنقاض الحرب.
وفي الوقت نفسه، يدق برنامج الأغذية العالمي ناقوس الخطر، محذراً من أن السودان يقف على حافة مجاعة أوسع وأشد قسوة. ليست الحرب وحدها من تقتل؛ الجوع يقتل، والمرض يقتل، وانهيار الخدمات يقتل، وتأخر الضمير الإنساني يقتل أيضاً.
في السودان اليوم، يموت الأطفال قبل أن يحفظوا أسماء قراهم بسبب الجوع والأوبئة وفقدان الرعاية الصحية. تنقطع الكهرباء، فتتعطل الحياة، تفشل المواسم الزراعية في بلد كان يوماً سلة غذاء واعدة. تحصد المسيّرات أرواح المدنيين، ويغدو صوت الانفجار خبراً عادياً في نشرات الأخبار، بينما هو نهاية العالم بالنسبة لأسرة فقدت أبناءها.
وعلى الحدود، لا تتوقف الأطماع. تستغل قوى خارجية هشاشة الدولة وانشغالها بحربها الداخلية، فتتمدد حيث تستطيع، ويسقط مدنيون وعمال تعدين أبرياء ضحايا لقصف واعتداءات لا تجد من يردعها. في ظل مؤسسات منهارة ودولة غائبة لا يشغلها شيء من شئون مواطنيها، وتضيع نداءات استغاثاتهم في ضجيج المعارك.
لكن الأكثر إيلاماً ليس الخراب وحده، بل محاولة تحميل الضحية مسؤولية مأساتها. مثل ذلك الشيخ المنافق الذي خرج الى الناس ليقول إن الشعب هو سبب ما حل به، هو من أشعل الحرب، حين حاد عن الصراط المستقيم! متجاوزاً سنوات الفساد ونهب المال العام نهارا جهارا، وانهيار مؤسسات الدولة، وإشعال الانقسامات، وقمع المعارضين، شيخ لم تبكيه ممارسات نظام فاسد ضد مواطنيه، جرائم تشيب لهولها الولدان، نظام سلب الحقوق، عذّب الناس في بيوت الأشباح، أحرق القرى وقتل الأبرياء (لأتفه الأسباب) كما اعترف رأس النظام نفسه! لكنه بكى بسبب الثورة التي هددت مكاسب تنظيمه في الاستئثار بالسلطة والمال العام.
العائدون إلى مدنهم لا يعودون لاستئناف حياتهم، بل لمواجهة الضنك والعذاب، بيوت مهدمة، ومدخرات ضائعة، ووظائف تبخرت، وأسعار تلتهم ما تبقى من قدرة على الاحتمال. أما الذين افترشوا مخيمات اللجوء في دول الجوار، فلا يواجهون الجوع والمرض فحسب، بل يواجه بعضهم أبشع صور الاستغلال. وما كشفته منظمة أطباء بلا حدود عن فصل موظفين بعد ثبوت حالات استغلال واعتداء جنسي بحق لاجئات سودانيات في تشاد، ليس سوى جرح جديد في جسد وطن مثخن بالجراح.
ومع كل ذلك، لا يزال هناك من يتحدث عن استمرار الحرب وكأنها خيار يمكن احتماله، أو نصر يمكن الاحتفال به. لكن الحقيقة أبسط وأقسى من كل الشعارات: المنتصر الوحيد في هذه الحرب هو الموت، والخاسر الوحيد هو السودان.
لقد أنهكت البلاد حتى لم يعد فيها ما يُنهب، وأُتعب المواطن حتى لم يعد فيه ما يُحتمل. وما يحتاجه السودانيون اليوم ليس خطابات تبرر المأساة، ولا فتاوى تبحث عن ذنب الضحية، بل إرادة توقف نزيف الدم، وتعيد للوطن دولته، وللمواطن كرامته، وللأطفال حقهم في مستقبل لا تكتبه أصوات البنادق.
فالسودان لم يعد يحتمل مزيداً من تماسيح البر… ولا تماسيح البحر.
أحمد الملك
ortoot@gmail.com
