تأملات في رواية:الرواية قدس الله سرها

elsadiq007@gmail.com
تأملات في رواية

(الرواية قدَّس الله سرّها)

لأبي بكر العيّادي :

الصادق أحمد عبيدة.
حتى حينما يريد الأستاذ أبو بكر العيّادي وهو الكاتب، الروائي، القاص، المترجم، والشاعر التونسي الكبير أن يعلّم الناس، من كُتّاب مبتدئين وغير مبتدئين، وقرّاء مهتمين، كيف تُكتَب الرواية فهو يكتب في ذلك رواية وينتخِب لها عنوان (الرواية قدّس الله سرّها) عن دار مسكلياني 2023.
وكان بإمكانه أن ينتصبُ أمامنا شارحاً كيفية كتابة الرواية، كغيره من الكُتّاب الذين يملأون الفضاءات الإلكترونية وغير الإلكترونية يكررون كلاماً مُعاداً ملتَقَطاً من هنا وهناك ويدلقونه أمامنا في شكل نقاط تمثل خطوات كتابة الرواية..
الواقع أن العيّادي قدّم هذا النوع من الدرس في شكله النظري التقليدي في كتابٍ سابق موسوم (في الأدب الروائي) صدر في العام 2021 عن دار سحر للنشر، وقد ضمّنه آراء قيّمة تسلّط الضوء على ملامح الأدب الروائي وما يثيره من معانٍ ومباحث وإشكالات..وقد إبتدر العيّادي كتابه هذا بجملة للكاتب الإنجليزي وليام سومرت موم، جعلها عتبة تأتي مباشرة بعد عتبة العنوان، تقول :
( ثمة ثلاث قواعد يجب إتباعها عند كتابة رواية. من سؤ الحظ لا أحد يعرفها).
وقد طاف العيّادي في كتابه السابق (في الأدب الروائي) بصورة شاملة على الرواية كعِلمٍ إنساني، وبيَّن إلتحامها بالواقع، وتَطَرّق لإرتباطها بالتاريخ، وقضايا الحق العام. وعرج على الرواية النسوية، والسيرة الذاتية. وتوقف عند التخييل والفلسفة، ولم يغفل خصائص اللغة والأسلوب، ثم الإستهلال والحبكة، والشخصيات والبناء الروائي، ثم وصل إلى الخيال العلمي وختم آراءه تلك بالتلقي وعوالم القرّاء وتعدد التأويل.
أما في روايته التي بين أيدينا (الرواية قدّس الله سرّها) يشرح العيّادي، عن طريق السرد، كيف تُكتَب رواية، فقد أرادها بيانًا تطبيقاً عملياً حول كيفة كتابة الرواية.
متى تُكتب رواية، منَ يكتب الرواية ولماذا يُقِبل الناس على كتابة الرواية بهذا الهوس “وكأن تاركها سيُحاسَب يوم القيامة عن لماذا لم يكتب رواية” على قول حمّودة في صفحة 115، ما هي المواضيع التي تصلح لكتابة رواية ، وبالتالي كيف تختار موضوع الرواية، متى تبدأ كتابة الرواية وكيف تخطط لها، وكيف تنتهي الرواية، وماهي اللغة التي تصلح لكتابة الرواية، وبمن تستعين في كتابة الرواية ثم ماذا تقرأ وكيف تقرأ قبل الشروع في كتابة الرواية، وماهي الأساليب التي يمكن أن تختار منها ما يصلح لكتابة رواية، فوائد وصعوبات أن تكتب رواية، وما هي التضحيات الإجتماعية والنفسية والبدنيّة والإقتصادية التي تواجه من يكتب رواية، ثم كيف تنشر الرواية، وتروّج لها وكيف تواجه النقد أولاً، وربما كيف تواجه السلطة إذا صادف وتطرقت الرواية إلى المحظورات ..
هذا وغيره من درس شامل متكامل حول كتابة الرواية دوَّنه أبوبكر العيّادي خطوة بعد خطوة في شكل سردية تحملنا في رحلة من خلال الشخصية المحورية، وهو أستاذ جامعي متقاعد بطل (الرواية قدس الله سرها) اسمه فخر الدين عبّد التواب يجاهد لكي يكتب رواية. وإذا بالقارئ يسافر مع فخر الدين طوال رحلته في كتابة هذه الرواية مروراً بكل منعطفات وخطوات كتابة روايته آنفة الذكر.
فتصبح بين يدينا روايتين هما الرواية التي يكتبها أبو بكر العيادي، والتي (قدّس الله سرّها)، والتي من خلالها يبيّن لنا عملياً كيف تُكتب الرواية..و رواية أخرى داخل هذه الرواية وهي رواية البطل فخر الدين التي نكتبها معه نحن القراء خطوة بخطوة، جملة بعد أخرى، نسهر معه، نسأم لسأمه، نفرح لفرحه ، ونخاف، نكتب معه، ونمزق، نعيد كتابة النصوص ثم نحذفها، نلهث وراء جملة أو مفردة خفيفة مرادفة لأخرى ثقيلة على القارئ..وهكذا نقلِّب بين أصابعنا مائتي صفحة تمر سريعاً وكأنها مائة صفحة نحلم خلالها مع بطل الرواية فخر الدين وتطاردنا الكوابيس والأحلام المزعجة مثل ذلك الحلم الذي رأى خلاله أحد الدعاة، أصحاب العمائم و اللحى الطويلة، وهو يخطبُ عبر التلفاز قائلاً للناس ” العهد الذي بيننا وبينكم الرواية، فمن تركها فقد كَفَر”. فسرعان ما يطفئ فخر الدين التلفاز، و يخرج من داره ليهرع إلى المسجد والإمام لا زال قائما ً يخطب في الناس “وتارك الرواية ما له في الآخرة من خلاق”..ثم يصيح فخر الدين فيه ” حرام عليك يا شيخ، هذا إفتراء، أنت تحرّفُ كلام الله وحديث نبيّه”..فقام إليه الناس وأمسكوه كما أمرهم الشيخ..شدوه، وأنهالوا عليه ضرباً وهم يصيحون: “جاءك الموت يا تارك الرواية” ..
وهو يئن تحت أرجلهم في حالٍ من الضعف، أمسكته رجاء زوجته من يده وجذبته اليها بقوة:

“أبا مروان! أبامروان! أصح”.

فتح عينيه بغتة فإذا هو في فراشه، والعرق ينز من جبينه إلى رقبته..

“كابوس”..

إذن لمعالجة كيفية إختيار موضوع الرواية، إختار العيادي هذه المرة أن يكتب رواية تشرح كيف تكتب رواية! وفي ذلك كتب خالد الغريبي “اندرجت الحكاية في داخل الحكاية” في مقالٍ بعنوان (الرواية قدس الله سرها- أو رواية الرواية) وقد وضع العيّادي مقال الغريبي هذا كعتبة من عتبات الدخول إلى هذه الرواية (قدّس الله سرها).

وقد طرح العيّادي كل ذلك الزخم النظري المؤدي إلى كتابة رواية في بساطةٍ ظاهرية، تنطوي على تعقيد يجيد العيادي وحده تبسيطه حتى يظن القاريّ أن كل من هبّ ودبّ يستطيع أن يكتب رواية..ولكن هيهات فالأمر ليس بهذه السهولة.
في ندوةٍ بعنوان (الرواية العربية ومساحات الممنوع) أيام الملتقى الدولي للكتاب العربي في باريس، أكتوبر 2025، ذكرت الروائية التونسية القديرة فتحية دبش “أنا تعلمت أن أكتب بعد أن قرأت للأساتذة أبوبكر العيّادي و واسيني الأعرج وماهر عبد الرحمان”..فإذا كان هذا حالها وهي الحائزة على جائزة كتارا للرواية العربية، فكيف بك أنت عزيزي المبتدي!

اقرأ ياخِ..قدَّس اللهُ سرّك!!

عن الصادق أحمد عبيدة

Avatar

شاهد أيضاً

هكذا أوشكت نهاية الحرب في السودان ! .. قراءة : الصادق أحمد عبيدة / باريس

“أصبح السلام وشيكاً في السودان” هذه العبارة قالها مبعوث الأمم المتحدة فولكر بيرتيس قبل شهر …