باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 13 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
زهير عثمان حمد
زهير عثمان حمد عرض كل المقالات

تأملات في منظومة العيب والشرف في المجتمع السوداني

اخر تحديث: 12 أغسطس, 2026 12:11 مساءً
شارك

حين يصبح العيب ميراثاً
كتب الدكتور الوليد آدم مادبو مقالاً بعنوان «من الفدادية إلى الضبطية- من يملك حق توزيع العار؟» انطلق فيه من واقعة ضابط أساء إلى مجموعة من المعلمين، مستخدماً وصف «أولاد فداديات» باعتباره شتيمة تختزن منظومة كاملة من الوصم الاجتماعي
تكمن أهمية المقال في أنه لم يتوقف عند الشتيمة بوصفها انفعالاً عابراً، بل قرأها باعتبارها تعبيراً عن توتر بين سلطة السلاح وسلطة المعرفة، وبين القوة المادية والقوة الرمزية، وبين من يملك حق تعريف الطهر والدناءة وتوزيع العار
وهذا مدخل مهم
لكنني أريد أن أذهب بالسؤال إلى مساحة أوسع: ليس فقط من يملك حق توزيع العار، وإنما كيف نشأت منظومة العيب والشرف التي تجعل العار قابلاً للتوزيع أصلاً، وقابلاً للانتقال من شخص إلى آخر، ومن مهنة إلى أسرة، ومن الأم إلى الابن، ومن الماضي إلى المستقبل.
فليس العيب في السودان مجرد شعور بالخجل يعتري الإنسان حين يخطئ، بل هو منظومة متكاملة من القيم والأحكام والوصمات، تتخلل النسيج الاجتماعي وتعيد توزيع الهيبة والسلطة والهوية
هو لغة صامتة أحياناً، وصاخبة أحياناً أخرى، ترسم حدود الانتماء والإقصاء، وتحدد من يستحق الاحترام، ومن يُستباح وصمه، ومن يُمنح حق «توزيع العار»، ومن يُجبر على حمله
وهنا يصبح السؤال- كيف أصبح العيب في المجتمع السوداني ميراثاً؟
أولاً- العيب كمنظومة اجتماعية — حين يكون العار وراثياً
في الثقافة السودانية التقليدية، يرتبط العيب ارتباطاً وثيقاً بالشرف الجماعي، أكثر من ارتباطه بالفعل الفردي وحده
لا يُدان الشخص فقط بما فعل، بل بما يُنسب إليه من أصل أو مهنة أو مكان أو نسب
المهن الهامشية، خاصة تلك المرتبطة بالخمر أو الجسد أو الفقر المدقع، قد تتحول إلى وصمة تنتقل من الشخص إلى أسرته، ومن الأسرة إلى أبنائها
عبارات مثل «ولد فدادية» أو «بنت إنداية» ليست مجرد إشارة إلى مصدر رزق الأم أو إلى مكان تمارس فيه مهنة بعينها، بل تستدعي منظومة كاملة من الهامش والدناءة والعار هنا يصبح العار وراثياً.
يلتصق بالاسم قبل أن يلتصق بالفعل، ويحكم على الإنسان بماضيه لا بمستقبله، وبأسلافه لا بجهده، وبالمهنة التي ارتبطت بأسرته لا بما أصبح عليه هو وكأن الإنسان لا يستطيع أن يبدأ حياته من جديد , وكأن مهنة أمه تظل مكتوبة على جبينه
وهنا تبرز المفارقة الجوهرية- المجتمع قد يحرّم السلعة ويحتاج إليها في آن واحد؛ يدين المنتج ويبرئ المستهلك، ويُهين من يصنع الخمر البلدية أو يبيعها، بينما يظل من يشتري ويشرب في الخفاء محمياً، طالما حافظ على واجهة «الاحترام»
هذا التناقض ليس عرضياً؛ إنه آلية بارعة لإعادة توزيع العار على الطرف الأضعف
فبائعة الخمر تُدان، بينما يظل المستهلك قادراً على الاحتفاظ بصورة «الرجل المحترم» ما دام استهلاكه يتم بعيداً عن أعين المجتمع , وهنا تمنح القوة، سواء كانت قوة سلاح أو رتبة أو مال أو نسب، صاحبها قدرة أكبر على تحويل مفردات الأخلاق إلى أدوات للضبط الاجتماعي
فيصبح العيب سلاحاً رمزياً موازياً للسلاح المادي، بل قد يكون أكثر فاعلية منه؛ لأن السلاح يخيف الجسد، بينما الوصمة تستطيع أن تطارد الإنسان داخل وعيه، وأن تنتقل معه إلى أسرته وأبنائه
ثانياً- بين المقدس والمدنس
في المجتمع السوداني القديم، كانت الحدود بين المقدس والمدنس، في بعض السياقات، أكثر مرونة مما تُصوَّر اليوم , تجاورت الخلوة والإنداية في بعض البيئات، دون أن يعني ذلك تماهياً بينهما أو قبولاً مطلقاً لأي منهما , كان الإنسان يُرى، في كثير من الأحوال، باعتباره كائناً متغيراً، لا كائناً محكوماً بتصنيف ثابت- طاهر أو نجس، شريف أو دنيء.
كان التحول ممكناً
يمكن للإنسان أن يخطئ اليوم ويستقيم غداً، وأن يجمع في حياته بين العبادة والخطأ، والرغبة والزهد، والضعف والقوة , وهذا لا يعني تبرئة الخطأ، وإنما الاعتراف بتعقيد التجربة الإنسانية
لكن هذا التصور المرن تراجع تدريجياً تحت وطأة خطابات أكثر صرامة، سواء كانت دينية أو سلطوية أو طبقية، فتحول العيب من أداة لتنظيم اجتماعي نسبي إلى أداة قمع هوياتي تكرّس التهميش وتعيق الحراك الاجتماعي , ومن هنا تكتسب دراسة الطيب محمد الطيب للإنداية أهميتها
ففي كتابه «الإنداية» لم يتعامل مع هذا العالم الشعبي باعتباره موضوعاً جاهزاً للإدانة، وإنما باعتباره مجالاً للفهم ,جمع الروايات، وتنقل بين البيئات، وترك للناس فرصة أن يظهروا كما هم، لا كما يفترض معيار أخلاقي مسبق أن يكونوا
وهكذا انتقل النقاش من الحكم إلى الفهم، ومن الإدانة إلى التحليل الاجتماعي
الإنداية لم تكن، في هذا التصور، مجرد مكان لشرب الخمر، بل فضاءً اجتماعياً تتقاطع فيه الطبقات والمهن والأمزجة، ويظهر فيه الإنسان في هشاشته وتناقضاته، لا في صورة أخلاقية مصنّعة , وهنا تكمن أهمية النظر إلى الماضي لا بوصفه نموذجاً مثالياً، وإنما بوصفه تجربة اجتماعية أكثر تعقيداً مما تسمح به الأحكام الجاهزة
ثالثاً – الشرف — الوجه الآخر للعملة
إذا كان العيب هو الآلية التي توزع العار على الهامش والضعيف، فإن الشرف هو الوجه الآخر للعملة – الآلية التي تمنح الاحترام والحماية لمن يملك القوة أو ينتمي إلى المركز.
والشرف في السياق السوداني ليس صفة فردية مجردة، بل نظام اجتماعي رمزي يُنتج القيمة والهيبة ويحميهما , الشرف رأسمال رمزي جماعي؛ لا يخص الفرد وحده، بل هو ملك الأسرة أو القبيلة أو الجماعة، ويتراكم أو يتبدد بحسب سلوك أعضائها
الرجل «شريف» ليس بالضرورة لأنه فاضل في ذاته، بل لأنه قادر على حماية عرض عائلته، والحفاظ على صورتها العامة، ورد أي إهانة تلحق بها , أما المرأة، ففي كثير من التصورات التقليدية، فتُعامل باعتبارها حاملة للشرف أكثر من كونها صاحبة له , جسدها وسلوكها يصبحان رمزاً لسمعة الجماعة بأكملها
ولهذا يتحول أي خروج عن المعايير، خاصة في المجال الجنسي أو المهني أو السلوكي، إلى تهديد جماعي يستوجب الوصم أو العقاب , هذا البعد الجماعي يجعل الشرف هشاً وقابلاً للتلف بسرعة، ويحتاج إلى حراسة مستمرة، ومن هنا تنشأ ثقافة الغيرة والحساسية المفرطة تجاه «الكلام» و«الشبهة», الأكثر إشكالية أن الشرف والعيب ليسا ضدين منفصلين، بل قطبان في منظومة واحدة , فالشرف يُبنى غالباً بنفي العيب عن الذات وإلقائه على الآخر
من يوصف بـ«ولد فدادية»، أو يرتبط بعوالم الهامش، يُجرّد من الشرف تلقائياً، بينما يحتفظ من يستهلك في الخفاء ويدين في العلن بصورة «الشريف» , هنا يتضح البعد السلطوي بوضوح , الشرف ليس دائماً نتيجة أخلاقية خالصة، بل يمكن أن يكون نتيجة لعلاقات القوة
من يملك السلاح أو الرتبة أو المال أو النسب يمنح نفسه حق تعريف الشرف وتوزيعه، تماماً كما يمنح نفسه حق توزيع العار , والضابط الثمل الذي يشتم المعلمين بـ«أولاد فداديات» لم يكن يدافع عن شرف أخلاقي؛ كان يستخدم لغة الشرف ليؤكد تفوقه الرمزي عليهم، ويحوّل ضعفه الأخلاقي إلى تفوق طبقي واجتماعي
رابعاً – الأبعاد الجندرية والطبقية
الشرف التقليدي ذكوري في بنيته الأساسية
الرجل «يفقد شرفه» إذا عجز عن السيطرة أو الحماية، والمرأة «تفقد شرفها» إذا خرجت عن حدود الجسد والعفة المتوقعة , وهذا التوزيع غير المتكافئ يجعل المرأة أكثر عرضة للوصم، حتى عندما يكون الرجل هو المستهلك أو المعتدي , قد يخطئ الرجل باعتباره فرداً، بينما تتحول أخطاء المرأة إلى «فضيحة» تخص الأسرة والجماعة , وهنا يصبح جسد المرأة مساحة تتصارع عليها الأسرة والمجتمع والسلطة , أما الطبقة والمكان، فالشرف التقليدي ارتبط أيضاً بالنسب والأرض والمهن «المحترمة»، بينما عوملت المهن الهامشية باعتبارها ملوِّثات للشرف , حتى الفقر المدقع يمكن أن يُترجم إلى نقص في الشرف إذا ارتبط بالعجز عن «الحفاظ على الوجه» , وبذلك يصبح العيب إحدى الآليات التي يعاد بها إنتاج التراتب الاجتماعي
فالذي يولد في المركز الاجتماعي يحصل على قدر من الاحترام قبل أن يفعل شيئاً، بينما قد يحتاج الذي يولد في الهامش إلى عمر كامل كي يثبت أنه ليس كما تصفه الوصمة
خامساً- دور العيب — آليات الضبط وإعادة الإنتاج و العيب ليس مجرد حكم أخلاقي أو رد فعل عفوي على سلوك مخالف
إنه آلية اجتماعية فعالة تؤدي وظائف متعددة، بعضها ظاهر وبعضها خفي، وتُستخدم لإعادة إنتاج النظام الاجتماعي والهرمية والسلطة
أول هذه الوظائف هو الضبط الاجتماعي , من خلال التهديد بالوصم والعار، يُجبر الأفراد على الالتزام بالمعايير السائدة: ما يقال وما لا يقال، ما يُفعل وما يُخفى، كيف تتصرف المرأة، كيف يحافظ الرجل على «وجهه»، وما المهن أو الأماكن المقبولة , العيب هنا يعمل كشرطة داخلية صامتة
لا يحتاج دائماً إلى قانون أو عقاب رسمي , يكفي أن يُقال «عيب»، أو أن تُلصق بالشخص تسمية مثل «ولد فدادية»، حتى يرتدع أو يُعزل , بهذا المعنى، العيب من أرخص وأسرع أدوات الرقابة الاجتماعية
وثاني وظائفه توزيع العار وحماية القوة , فالعيب لا يُوزع بالتساوي , المجتمع يحرّم السلعة ويحتاج إليها، فيدين المنتج ويبرئ المستهلك, والضابط الذي يشتم المعلمين وهو ثمل ومسلح يستخدم العيب ليحوّل ضعفه الأخلاقي إلى تفوق رمزي.
هنا يظهر الدور السلطوي بوضوح: العيب أداة في يد من يملك القوة، سواء كانت سلاحاً أو رتبة أو نسباً أو مالاً أو صوتاً أعلى، لتجريد الآخر من الاعتبار وإخضاعه , الشرف يُحمى بإلقاء العيب على الهامش , وثالث وظائفه بناء الهوية الجماعية والحدود.
فالعيب يرسم الحدود بين «نحن» و«هم» , يحدد من ينتمي إلى دائرة الشرف والاحترام، ومن يقع خارجها , المهن الهامشية، والأصول الفقيرة، والأماكن الموصومة، وحتى بعض السلوكيات الجنسية أو الجسدية، يمكن أن تُستخدم لصناعة هوية جماعية نقية مقابل هوية ملوثة , وهذا الدور قد يحمي تماسك الجماعة التقليدية، لكنه في الوقت نفسه ينتج إقصاءً دائماً ويمنع الاندماج أو الاعتراف بتعقيد التجربة الإنسانية , أما الوظيفة الرابعة فهي التمويه على التناقضات , المجتمع السوداني، كغيره من المجتمعات، مليء بالتناقضات: يحرم ويستهلك، يمجد العفة ويمارس الرغبة، يقدس المعرفة ثم قد يحتقر حاملها إذا كان ضعيفاً , والعيب يقوم أحياناً بدور التمويه , فبدلاً من مواجهة التناقض داخل الذات أو داخل السلطة، يُلقى اللوم على الطرف الأضعف
بائعة الخمر تُدان، لا من يشتريها في الخفاء و والمعلم يُتهم بـ«فقدان التربية»، لا من يحمل السلاح وهو ثمل , وهكذا يحافظ النظام على صورته الأخلاقية الظاهرة دون أن يضطر إلى إصلاح نفسه
سادساً- الدور المزدوج — الحماية والتدمير
لا ينبغي، مع ذلك، أن نتعامل مع العيب باعتباره شراً مطلقاً , ففي سياقات معينة، يمكن أن يحمي الحد الأدنى من الاحترام داخل الأسرة والجماعة، ويمنع بعض أشكال الاستغلال العلني، ويساعد على ضبط السلوك , لكن الدور نفسه يمكن أن يتحول إلى أداة تدمير
يدمر حيوات، ويكرس الظلم، ويحكم على الناس بأصلهم أو مهنة أمهاتهم لا بأفعالهم، ويحول الفقر والهامش إلى عار أبدي، ويمنع النقد الحقيقي للسلطة والتناقضات الاجتماعية.
المشكلة ليست في وجود معيار أخلاقي
المشكلة في تحويل المعيار إلى حكم نهائي على الإنسان , هناك فرق بين أن نقول:
هذا الفعل عيب , وأن نقول- هذا الإنسان عيب , الأول يحاكم السلوك.
أما الثاني فيلغي الإنسان ,
سابعاً- من يقول: أمّك غرباء؟
السؤال الذي يطرحه هذا التحليل بأكمله ليس: ما هو العيب؟ أو ما هو الشرف؟ , بل:
من يملك حق تعريفهما؟ , ولمصلحة من يُعاد إنتاجهما كل يوم؟ , عندما نقول «ولد فدادية» أو «بنت إنداية»، من الذي يمنح نفسه سلطة هذا التصنيف؟ , لماذا يصبح أصل الإنسان أو مهنة أمه مقياساً لقيمته، بينما تُغفل أفعاله وتجربته وإنسانيته؟ , ولماذا يظل هذا الحكم عالقاً به لسنوات، بل لأجيال، وكأن الزمن لا يغير شيئاً؟ , وهنا يأتي الجزء الآخر من العنوان:
«بعد سنين طوال»
هل يمكن للإنسان أن يتحرر من وصمة ولد بها؟
أم أن المجتمع يصر على قراءة ماضيه في حاضره، وكأن الجمال الحقيقي — جمال الروح والفعل والوعي — لا قيمة له أمام وصمة الأصل؟
في الحقيقة، هذا السؤال ليس عن الآخرين فقط , إنه عنا نحن أيضاً.
كم مرة نظرنا إلى إنسان فقرأناه من عنوان عائلته أو لون بشرته أو مهنة أبيه؟
كم مرة استخدمنا كلمة «عيب» لتبرير موقف سلطوي أو عنصري، أو لحماية امتيازاتنا الواهية؟ و وكم مرة ألقينا العار على الضعيف لنشعر نحن بالنقاء؟
ثامناً- من العيب الاجتماعي إلى العيب السياسي
ربما تكشف الحرب السودانية الحالية جانباً جديداً من هذه المنظومة.
فقد أصبح العيب لا يُوزع على أساس المهنة أو الأصل أو الجندر فقط، وإنما على أساس الموقف السياسي , هذا خائن , وهذا عميل , وهذا وطني , وهذا متخاذل , وهذا مع الجيش , وهذا مع الدعم السريع , وهذا مع الثورة , وهذا ضدها.
وهكذا دخلت السياسة نفسها في عملية توزيع العار , كل طرف يمنح نفسه شهادة الطهارة، ثم يبحث عن عيب في الطرف الآخر , وهنا تصبح المسألة أخطر من مجرد لغة.
فالوصم السياسي يمكن أن يتحول إلى كراهية، والكراهية إلى إقصاء، والإقصاء إلى عنف، ثم يصبح العنف مبرراً لأنه موجه ضد «الآخر» , وبذلك تنتقل منظومة العيب من كونها أداة للضبط الاجتماعي إلى أداة للاستقطاب السياسي , وهنا تلتقي رؤيتي مع السؤال الذي أثاره مقال الدكتور الوليد، لكن من زاوية أوسع – إذا كان من يملك القوة يستطيع أن يوزع العار، فإن الحرب تجعل السؤال أكثر خطورة- ماذا يحدث عندما يصبح توزيع العار جزءاً من صناعة العدو؟
تاسعاً – نحو مفهوم مغاير للشرف والعيب
اليوم يتغير مفهوم الشرف والعيب تحت ضغط التعليم والمدينة والاقتصاد والوسائط.
يظهر شرف جديد مرتبط بالنجاح المهني والتحصيل العلمي والمكانة الاقتصادية، بل وحتى بالسمعة الرقمية
لكن الجوهر القديم لم يختف تماماً.
ما زال العار يُوزع بسهولة على النساء والفقراء والمهمشين، وما زالت لغة «الشرف» تستخدم لتبرير السيطرة والإقصاء والعنف و لذلك لا أعتقد أننا بحاجة إلى إلغاء مفهوم الشرف , بل نحتاج إلى إعادة تعريفه
الشرف الحقيقي — إذا أردنا أن نتجاوز المنظومة التقليدية — يجب أن يرتبط بالفعل والسلوك والمسؤولية، لا بالأصل أو المهنة أو الجسد أو القدرة على إسكات الآخرين.
أن يكون الإنسان شريفاً يعني أن يكون عادلاً و أن يتحمل مسؤوليته.
أن يحمي الضعيف , أن يعترف بخطئه , أن يحترم المختلف , وألا يستخدم قوته لإذلال من لا يستطيع الرد , أما العيب الحقيقي فلا ينبغي أن يكون في الفقر، أو الهامش، أو الاختلاف، أو مهنة الأم، أو مكان الميلاد , العيب الحقيقي هو الظلم والاستغلال والتهميش وإهانة الإنسان
حين يصبح الغريب جميلاً
ربما يكون السؤال الأجمل في العنوان هو ما الذي يحدث عندما تتغير النظرة , فكم من إنسان ظللنا ننظر إليه بعين الازدراء لسنوات، ثم اكتشفنا أنه كان أكثر منا وعياً وإنسانية وجمالاً؟
وكم من مهنة أو أصل أو مكان ظللنا نعتبره «عيباً»، ثم تبين أنه كان مصدراً للقوة والإبداع والفخر؟
وكم من شخص منحناه الاحترام بسبب الاسم والنسب والرتبة والمال، ثم اكتشفنا أن كل ذلك لم يكن دليلاً على قيمة أخلاقية حقيقية؟
ربما تكون رسالة هذا المقال أن نعيد النظر في منظومتنا الأخلاقية والاجتماعية، وألا نتركها أسيرة لأحكام مسبقة تنتقل بالدم، ولغة شرف تخدم الأقوياء، ومفهوم عيب يكرس التهميش.
وربما يكون الجمال الحقيقي — بعد سنين طوال — هو أن نكتشف أن الغريب ليس غريباً، وأن الإنسان لا ينبغي أن يُختزل في أصله، ولا في مهنة أمه، ولا في المكان الذي ولد فيه، ولا في خطأ ارتكبه أحد أفراد أسرته و فالجمال ليس دائماً في أن يتغير الآخر , أحياناً يكون الجمال الحقيقي في أن تتغير عيوننا نحن , أن نتعلم أن نرى الإنسان قبل الوصمة
وأن نحاكم الفعل لا الأصلوأن نميز بين الخطأ والإنسان , وأن نفهم أن الشرف لا يحتاج إلى عارٍ نلقيه على الآخرين كي يثبت وجوده , وفي النهاية، يظل السؤال مفتوحاً، لا بحثاً عن إجابة نهائية، وإنما استمراراً في التفكير _ من يقول – أمّك غريبة، أو أكثر جمالاً بعد سنين طوال؟
ربما يكون السؤال نفسه هو الذي يقودنا، بعد كل هذه السنين، إلى اكتشاف أن العيب لم يكن دائماً فيمن وصفناه بأنه «غريب»؛ بل ربما كان في عيوننا التي أصرت على أن تراه غريباً.

zuhair.osman@aol.com

Author
زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
البرهان: فرعون القرن الحادي والعشرين
الأخبار
الصادق المهدي: الإنقاذيون كانوا عازمين علي قتلي .. والنظام السوداني سيلقي حتفه بالربيع السوداني الثالث
منشورات غير مصنفة
أين حكمتك يا هيثم؟! .. بقلم: كمال الهدي
الأخبار
طه يلتقي علي الحاج في برلين ويعترف بخطورة المرحلة التي يعيشها النظام وقدرته على تجاوزها
منبر الرأي
جهاز الأمن -شعبة الجهاد الإلكتروني ونكات المساطيل .. بقلم: محمد الربيع

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

ضرورةُ حصرِ التعيين لمجلسي الوزراء والتشريعي لمنْ لم تتجاوزْ أعمارُهم الخمسين عاماً .. بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان
منبر الرأي

سلام جوبا: الرابحون والخاسرون.! .. بقلم: الطيب الزين

طارق الجزولي
منبر الرأي

السودان بأعينهم لا بأعين الثوار: (مراجعات أخلاقية لازمة) .. بقلم: دكتور الوليد آدم مادبو

د. الوليد آدم مادبو
منبر الرأي

ولاية المرأة بين التأييد والمعارضة وشغل الناس بما لا ينفع الناس .. بقلم: د. زاهد زايد

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss