تأملات وهواجس في تجربة المرض والموت: انتصار الروح علي الجسد .. بقلم: حيدر ابراهيم علي
كانت تجربة مرضي الأخيرة سانحة لاختبار مقولة “خذلان الجسد” وإعطاء الروح فرصة للانتصار. وقررت الدخول في تحد حقيقي بين قدرات الروح ومادية الجسد.
كانت هناك بداية
أسميت تلك الفترة معانقة الموت من حيث الاقتراب وللفرنجة مصطلح آخر: تجربة الاقتراب من الموت (near death experience) كنت أخشى النعي والعبارات النمطية إثر علة لم تمهله طويلا أو بعد صراع طويل مع المرض وأفضل تحدي شعراء الجاهلية:
في مرحلة معانقة الموت بدأت ممارسة عادة غريبة هي الحوارمع الموت وكان الحوار حول إمكانية التمهل حتى أكمل مشاريعي الناقصة فالموت في بعض معانيه هو نقص عن انجاز: ولكل شئ إذا ما تم نقصان” كذلك بعض بنود.. المطالب الخاصة جدا فانديرا لها قبلات صباحية لبداية يوم جديد لم تكتمل ولمظفر بعض الحكايات والذكريات يريد أن يعرف خواتمها ولي مع حياة بعض شيخوخة سعيدة لم نعشها بعد كما ولقد ترك لنا محمود في الجدارية تقليدا شعريا رائعا في التحاور حيث يقول:
وفي موقع آخر يظهر التحدي واللامبالاة ويقلل من شراسة الموت وقدرته المطلقة:
وللشاعر المغربي عبدالسلام المساوي تحت عنوان “جماليات الموت في شعر محمود درويش. للموت جماليات وله أيضا أشكال متعددة تقول الشاعرة السودانية:
دخلت في المرحلة الحرجة جئت إلى براغ بمحض الصدفة رغم أنني جئت تلك البلاد في مرحلة الشباب بالبصات والقطارات (قبل التقسيم) ثم افتتحت الشركة السعودية التي كان يعمل معها الأخ يس حسن بشير مجالا للسياحة العلاجية في سلوفاكيا بقرية يشتني(Piestany) وأصبحت زبونا سنويا لمعالجة الغضروف الديسك . وهذا العام وبعد جولات القاهرة العلاجية الفاشلة قلت علي الأقل ألحق الظهر وامضيت اسبوعين ولكن فجأة تدهورت صحتي فاتصلت بالأخ د.محمد مراد استشيره في جدوى العلاج ببراغ وقام بالحجز لي في مستشفى هومولكا (Homolce) كما ننطقها واستعجل الموعد كطوارئ. وجئت سريعا لمدينة براغ واتخيلها صبية شابة باسكيرت بإسكرت فوق الركبة وتسريحة ضنب حصان بحذاء رياضي و تتقافز في مشيتها بسعادة وفرح وتدندن بأغنية جاز. أرتاح كثيرا للمدينة ولكن هذه المرة جئتها عليلا ووهنا. فذهبت مباشرة للمستشفى. وقد وصلت مستشفيات جمهورية التشيك مستوى راقيا فقد علمت أن الميزانية المخصصة لنشاطات الحرب الباردة سابقا قد وجهت لقطاع الصحة فاشتروا أحدث الأدوات بالإضافة لقدراتهم الأكاديمية والمهنية. وبعد الكشف قرر الطبيب عملية فورية فقد رأى أن القلب قد أتلفه ما يدور في الوطن من إذلال ومهانة للشعب السوداني. فالصمام لم يعد يعمل بكفاءة وكذلك اثنين من الشرايين. وأدخلني فورا في العناية المركزة حتى يضمن لياقتي للعملية ومكثت في العناية لمدة 27 يوما لأنني انتكست مرة خلالها. وبعدها فقدت صلتي بالعالم المحسوس وفقدت الرغبة والقدرة علي الأكل وقد نقصت حوالي 25 كيلو وتمت تغذيتي اصطناعيا أما جسمي فلم يعد فيه موضع لطعنة حقنة أو وخزة درب بسبب أخذ عينات الدم المتكررة والتي لا تتوقف يوما. وعندما تأكد الجراح من كفاءة عمل أعضاء الجسم قال لي بثقة زائدة : أنا: عملية القلب المفتوح عندي مثل قلع الضرس. وعندما قال له مظفر : يقال أنك أحسن طبيب في المنطقة. رد عليه سريعا :بالفعل أكيد أنا أمهر طبيب وخاطبني أريدك أن تساعدني بالروح المعنوية العالية. وبعدها خضعت لتخدير كامل وقد استغرقت العملية حوالي تسع ساعات تم خلالها تغيير الصمام ومعالجة ارتخاء اثنين من الشرايين وزرع لي منظم لضربات القلب. ومن أطرف التعليقات عندما اتصل رجب الشاب الذي يعمل معي بالمركز مدة ربع قرن ليسأل عن العلمية وتفاصيلها رد عليه مظفر تقريبا عملوا ليه قلب جديد
وهنا بدأ عمل الروح فقد مثل لي د.محمد مراد وزوجته الفضلى خديجة جزءا من أسرة ممتدة جديدة، أما أبناء الجالية السودانية جميعهم ببراغ – ومنهم خصوصا حسن الطيب (حسنكو) ومبارك الجزولي سعيد وابننا محمد ادريس – فقد كانوا سندي وعضدي الذي عجل بالشفاء وأغرقوني في مودة واهتمام رفع معنوياتي للسماء. وخلافا للعادة جاء يوم شكرهم الآن فردا فردا وسأظل مدينا بهذا الجميل طوال حياتي ويبدو أن التشيك ما زال فيهم عبق من انسانية الاشتراكية. فقد قالوا لي: لا يوجد أي داع لبقائك أكثر بغرفة في المستشفى فهذه كلفة لا مبرر لها يمكنك الذهاب للمنزل وأن تعود بصورة منتظمة للمراجعة. قارنت بينهم وبين مستشفي السلام الدولي بالقاهرة. أشير إليها مرددا: سبحان الذي سخر لنا هذه وما كنا له بمقرنين. بالإضافة إلى مظفر وأنديرا ثم جاءت أختي ثريا من أمريكا وأخي ياسر من الرياض وقاموا جميعهم بمتابعة دقيقة لأوامر الطبيب ومواعيد تناول الأدوية. وكانت طريقة مظفر حادة بسبب خوفه علي. فكنت أقول له لا تلعب معي بخشونة زي ود الأشول. وصار الجميع ينادونه بود الأشول بدلا عن كبروس النعت السابق الشهير. ولنا تاريخ طويل معه هو وأخته أنديرا في مجال التنشئة الموجهة رغم أن المثل السوداني يقول: قلبا بالمواصي عاصي. ولكنني أردت منهم تجنب أخطائي رغم أن الوجودية تقول لا يشعر بشعور الشخص الا الشخص نفسه. كما أن جبران خليل جبران ذكرني زاجرا:
لذلك قررت القبول بإقتراحاتهم بل توجيهاتهم أحيانا لذلك أدار مظفر تجربة مرضي بطريقة لعلاقات الغد المدهشة بكل ما تحمله من واقعية وعلمية خاصة المساهمات المادية فقد كنت متحسسا مع أن الصوفية يصفون المال بأنه وسخ الروح واضعا اعتبارا لمواقف خبيثة وشريرة محتملة. فكان رده: هذا تفاعل مع ناس يهمهم أمرك ويكنون لك المحبة والاحترام ويسرهم تماما مساندتك وتذكرت قول الشاعر: إذا ما جئته متهللا فكأنك تعطيه الذي أنت نائله
لا توجد تعليقات
