تحت أروقة الموت … بقلم: منى عبد الفتاح

 

كيف لا

 

 منذ أعوام بدأ يتكشف انهيار جزئي في المنظومة القيمية للمجتمع السوداني ، وكأن هذه الأخبار الواردة في الصحف الرصينة كما في الصحف الاجتماعية ذات الإعداد الرديء لا تشبع سقماً ، فأصبح ما يُنقل على صفحاتها من حوادث القتل ، والاغتصاب والانتحار يتم بطريقة ممعنة في الإثارة. وأصبح الهدف أكبر من البحث في جذور هذه المشكلات وأكبر من لفت الأنظار إلى أن هناك ظواهر سالبة تمت إلى العنف وتبعد عن فطرة الإنسان السوية تنخر في جسد مجتمعنا.أخبار تندس في صحف الصباح تهشّم نفسية القاريء القابلة للكسر بسبب أعباء الحياة المختلفة حتى ليخيل له أن هذه البلد بلغت من الفساد مبلغاً يذكّر بعهود بعث الأنبياء  الذين فسد أقوامهم فحلّت عليهم اللعنة إلى يوم يبعثون.

 لسنا في موقع يؤهلنا للحديث عن انتشار المفاسد وغلبة الباطل على الحق ، ولكن الإشارة فقط إلى أن ساتراً ثقيلاً كان فيما مضى يغطى على مجمل الحوادث التي نسمع بها هذه الأيام ، كفيل بأن نحمد لوسائل الإعلام تمكنها من لفت الانتباه إلى مشاكل تغلغلت بعمق في نسيج المجتمع السوداني وقد كان الإخبار عنها  حتى وقت قريب ضرباً من المحرمات.واختلف الناس حول هذا التناول  بين متحفظ ومؤيد ، فبينما يؤدي هذا التناول دوراً في لفت الانتباه إلى المشكلة ، إلا أن عنصر الإثارة بات يطغى على كثير من التغطيات لمثل هذه الأخبار ، وأضحت كل صحيفة يكسد سوقها تستنسخ مطبوعة بحجم التابلويد لتحقق الربح الوفير من كشف سوءات مجتمعها .

إزاء هذا الوضع المزري كان لا بد لوزارة  الشؤون الاجتماعية أن تستيقظ من سباتها والفضل يعود للوزيرة د.أميرة الفضل التي لم يمضِ على تعيينها وزيرة للشؤون الاجتماعية بولاية الخرطوم سوى بضعة أشهر ، حيث  وطنت خططها الإصلاحية مبتدئة بأصعب المشاكل الاجتماعية وأكثرها حساسية ، وهي مشكلة الأطفال مجهولي الأبوين في دار المايقوما بعد وفاة المئات منهم في النصف الأخير من عام 2009م. هذا الاهتمام من الوزارة أن يأتي متأخراً خير من ألا يأتي .أما أنصع صفحة سطرها على ساحة هذه الدار دون منٍّ ولا أذى هو الدكتور الإنسان محي الدين الجميعابي محافظ أمدرمان الأسبق ورئيس منظمة (أنا السودان) التي تتبنى مشروع مجهولي الأبوين بدار (رعاية الطفل) بالمايقوما والذي صرح بالحقيقة التي تعامت عنها الجهات الرسمية زمناً طويلاً وهي تنامي ظاهرة الأطفال مجهولي الأبوين لتصل وتيرتها إلى ما بين 4 – 10 أطفال يومياً (حسب آخر لحظة 17 مارس 2009م) .

 قصص كثيرة يندي لها الجبين ، محاولات انتحار وقتل وغيرها .طالبة حاولت إلقاء نفسها من نافذة مركبة عامة احتجاجاً على رفض والدها أن يكون زميلها بالكلية خطيباً لها ، وقتل تاجر بمدينة نيالا على خلاف بسبب خطبة فتاة ، غير حادثة طالبة كلية الصحة بجامعة الخرطوم التي قتلها زميلها على أعقاب تفاصيل قصة عاطفية وغيرها وغيرها . السؤال تلقائياً يذهب إلى وزارة الشؤون الاجتماعية ، الاتحادية أو الولائية ، هل هناك دراسات تقوم بها الوزارة تكشف مسببات ما وصل إليه المجتمع السوداني من كهذا أحداث ؟ وهل هناك قانون خاص يعمل على الحد من تفاقم حالات العنف وتحديد دوافعها  وأسباب حدوثها.هل سمعنا يوماً بنشاطات غير ورش العمل في الصالات المغلقة التي لا يستطيع جمهور المواطنين  الوصول إليها ، تُقام في ساحات الأحياء لتعمل على التوعية الأسرية والاجتماعية؟ وهل هناك تنسيق ما بين الوزارة والإعلام ومجلس الصحافة يوجه النشر ويرتقي بدور الصحافة وأخلاقياتها في مثل هذه القضايا؟

 لا ندري بماذا سترد الوزارة ولكن هناك قاعدة عامة وهي أن أي خطة إصلاحية اجتماعية يجب أن تبدأ من القاعدة ومن جمهورها المستهدف ، ويستلزم أمر نجاحها ألا يحيط من هم على رأس المسئولية أنفسهم بالعزلة ومراقبة المشهد من علٍ .(لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ولن يتغير ما ألمّ بالمجتمع حين تتوشح القمة بالفضيلة وتعزل نفسها، وترجو من القاعدة التي تستشري فيها الأمراض أن تسلَم .

عن صحيفة “الأحداث”

moaney [moaney15@yahoo.com]

عن منى عبد الفتاح

شاهد أيضاً

الصحفي أمين حسن عمر وصويحبات يُوسف .. بقلم: منى عبد الفتاح

اترك تعليقاً