تحت ركام الذاكرة… أنتِ نبضٌ يأبى التفحم

محمد صالح محمد
تتصاعدُ أعمدةُ الدخان لتطمس ملامح السماء وتتشقق الأرضُ تحت وطأة الحديد والنار حتى يخيل للمرء أن العالم يلفظ أنفاسه الأخيرة لكنني ومن قلب هذا الخراب الذي لا ينتهي أجدني أتحسس صدري لأتأكد أنكِ ما زلتِ هناك. نعم أنتِ في داخلي وطنٌ لم تطله يد القصف وحديقةٌ لم يلوّث عبيرها بارود الخذلان.

حين يحترقُ كل شيء… إلا وجهكِ
أراقبُ الشوارع التي كانت يوماً تعجّ بالضحكات وهي تتحول إلى أطلالٍ صامتة وأشاهدُ البيوت التي احتضنت أحلاما وهي تنهار كأنها لم تكن تحترقُ الأرض و تذبل الأشجار وتتآكل الذكريات تحت غبار الحرب المرّ لكنّ وجهكِ يظلّ الشعلة الوحيدة التي لا تزيدها النيران إلا وضوحاً في عينيّ.

إنهم يدمرون الحجر ويمزقون خرائط المدن لكنهم يعجزون عن الوصول إلى تلك الزاوية القصية في روحي حيث خبأتكِ بعيداً عن ضجيج الطائرات وهدير المدافع أنتِ لستِ مجرد ذكرى بل أنتِ “أنا” التي لم تنكسر بعد.

أبجدية الشجن فوق الرماد …
ما أصعب أن نحب في زمن الموت أن نتمسك بوردة وسط حقلٍ من الألغام أشعر بمرارة الفقد في كل شهيق وبغصة الوداع في كل زفرة لكنني كلما نظرتُ إلى حطام عالمي أغمض عينيّ لأراكِ؛ فأجدُ فيكِ الملاذ والملجأ.

“لو احترقت الأرضُ بما رحبت ولو جفّت أنهارُ الطمأنينة في عروقنا ستظلين أنتِ تلك الغيمة التي تمطر صبراً على جفاف قلبي المنكوب”

بقاءٌ رغم الفناء …
الحرب تسرق منا كل شيء الوقت، الأمان، والأصدقاء لكنها لا تملك سلطةً على ما يسكنُ الأعماق مهما تعاظم الدمار ومهما تلونت الأفق بسواد الفواجع سأظل أحملكِ بداخلي كأمانةٍ أخيرة كقصيدةٍ لم تكتمل وكوطنٍ لا يُهزم.

أنتِ الباقيةُ حين يرحل الجميع وأنتِ الحقيقةُ الوحيدة في عالمٍ من الزيف والخراب.

ترنيمه من بلاد النار …
على أرصفةِ الوجعِ نَمَت غصونُ ذكراكِ
وفي ملامحِ الدخانِ ما زلتُ أرى سناكِ
يقولون “الأرضُ احترقت”… والمدى صار رماداً
فأضحكُ في صمتي… لأنّ قلبي ما زال مأواكِ.

بين الركام والروح …
يا وجهي الذي ضاع مني كلما سقط حجرٌ من جدارِ بيتنا القديم
شعرتُ بيدكِ ترممُ جداراً في صدري.
هم يملكون الصواريخ… وأنا أملكُ عطركِ المخبأ في رئتيّ
يا نبضي الذي يرفضُ الرحيل لو ذاب الحديدُ من حرارةِ الفقد
ولو تلاشت الخرائطُ من جنونِ الحقد
ستبقين أنتِ… لغتي التي لا تُفهم
و وطني الذي لا يُحتلّ ولا يُهدم.

خاتمة الشجن …
كأنّ الحربَ خُلقت لتختبرَ صلابةَ حبكِ في دمي
فكلما زاد الدمارُ حولنا…
زادت جذوركِ عمقاً في تضاريسِ ألمي
أنتِ “أنا” التي لم تستسلم بعد
والبقيةُ الباقيةُ من طُهرِ هذا العالمِ المهزوم.

“إنهم يحرقون كل شيء، لكنهم لا يعرفون أن الأرواح لا تحترق وأنكِ تسكنين في مساحةٍ خلف حدود النار”

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

في مِحراب القبول … حِين نُحبُّ الندوبَ قبل الملامح

محمد صالح محمديقولون إنَّ الحبَّ أعمى لكنني أزعمُ أنه أبصرُ الخلائق؛ فهو الوحيد الذي يرى …