محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com
ثمة رحلات لا تبدأ بقطع التذاكر بل بتمزق الأرواح ورحلة “الرجوع” التي نخوض غمارها اليوم هي رحلة من أشدها وعورة؛ إنها المسافة الفاصلة بين رجل أضاع بوصلته في زحام الحياة وبين امرأة وأطفال كانوا هم المرفأ الذي ظن يوماً أنه يملك ترف الاستغناء عنه.
في غرف الصمت الباردة حيث لا صدى إلا لنبضات القلب النادم بدأت الحكاية. لم يكن الفراق مجرد مسافة مكانية بل كان انفصالاً عن المعنى. الأب الذي استيقظ متأخراً على حقيقة أن “الأنا” المتضخمة لم تكن إلا سياجاً من الوهم وقف أمام مرآة الحقيقة عارياً من أعذاره.
همس الوجدان يجلد الروح بلا هوادة “كيف استبدلت ضحكات الصغار بصمت الجدران؟ وكيف تركت التي كانت لك وطناً تواجه عواصف الحياة وحيدة؟” إن هذا الندم ليس ضعفاً بل هو “احتراق” ضروري لتنقية الروح من شوائب الغرور وهو الجسر الوحيد الذي يمكن أن يعبر عليه مجدداً نحو ضفاف الغفران.
على الطرف الآخر تقف “الأم” كطودٍ شامخ يمتزج في صدرها عتب المحب بوقار الصبر هي لا تنتظر مجرد اعتذار لغوي بل تنتظر “انكساراً مقدساً” يعيد ترتيب فوضى المشاعر.
همس القلب يحنّ إلى الأمان الذي فُقد ويميل نحو الصفح فطرةً وحباً.
“هل تكفي الدموع لترميم ثقة تداعت؟”
إنها رحلة انتظار صعبة حيث يختبر الغفران قدرتنا على بعث الحياة في حطام الماضي. الأطفال في هذه المعادلة هم “الملائكة المنتظرون” الذين لا يعرفون من الندم إلا رغبتهم في استعادة “البطل” الذي غاب وتوقهم لعناقٍ يمحو أثر اليتم الاختياري الذي عاشوه.
مرافئ الإياب.. العناق الذي أعاد صياغة الزمن
حين دقت ساعة اللقاء لم يكن هناك متسع للكلام كانت لغة العيون هي السائدة؛ عيون أبٍ تقطر توسلاً بطلب العفو وعيون أمٍ تفتح أبواب المدن المغلقة وأذرع صغارٍ تطوق عنق الأب وكأنها تخشى أن يفر من بين أيديهم مرة أخرى.
لقد أدرك الأب في تلك اللحظة أن “الرجوع” ليس هزيمة بل هو أعظم انتصار يحققه الرجل على نفسه وأن العفو الذي منحته إياه زوجته ليس “تنازلاً” بل هو كرم الأرواح العظيمة التي ترفض أن تعيش في أسر الماضي.
لقد انتهت رحلة الشتات وبدأت رحلة البناء عاد الأب لا بصفته غازياً بل بصفته تائباً في محراب الأسرة وما بين همس الوجدان وهمس القلب وُلدت حكاية جديدة تقول إن البيت الذي يُبنى على أنقاض الندم بمدادٍ من الغفران هو بيتٌ لا تقوى عليه رياح الزمان.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم