بقلم : تاج السر عثمان
١
ارتفعت في ثورة ديسمبر 2018 شعارات ” حرية – سلام- وعدالة – مدنية خيار الشعب”، كما أكدت علي وحدة السودانيين، ورفض الخطاب العنصري كما في شعار ” يا العنصري المغرور كل البلد دارفور “، ” من كاودا لأم درمان ، كل البلد سودان” ، وارتفعت رايات الوطنية السودانية ، ورفض سياسة “فرق تسد ” التي حاول بها النظام الإسلاموي العنصري الدموي لأكثر من 29 عاما تدمير النسيج القبلي والحزبي والاجتماعي في السودان، وأكدت علي وحدة وتنوع السودان غض النظر عن الدين أو العرق أو اللغة أو الثقافة ، وضرورة التعبير عن ذلك في دولة مدنية ديمقراطية تسع الجميع.
كانت ملحمة الاعتصام أمام القيادة العامة تعبيرا عن وحدة وتلاحم وتضامن السودانيين ، والذي تم فضه في أكبر مجزرة ضد الإنسانية لن تسقط بالتقادم ، تتطلب الاسراع في التقصي مع جرائم الحرب الجارية وعدم الإفلات من العقاب ‘ومتابعة المفقودين، وكانت مجزرة فض الاعتصام انقلابا دمويا علي الثورة، و تعبيرا عن استمرار مجازر الإبادة الجماعية وضد الانسانية في دارفور والمنطقتين ، وما جري فيها من حرق وقتل ونهب الممتلكات، وتعذيب وحشي للشباب ، واغتصاب للشابات ، ورمي الشباب وهم أحياء مثقلين بحجارة اسمنتية في نهر النيل ، راح ضحيتها حسب تقريرصادر من البنتاغون 1800 قتيل ، و470 أُعدموا، وتم تنفيذ ذلك بقوة تقدر ب 15 الف ( المصدر). US Today.
2
عمق نظام الانقاذ العنصرية وكان حصاد 30 عاما من الاستعلاء الديني والعنصري، وقمع حقوق وهويّة الأقليات القومية كارثيا علي قضية الهويّة السودانية التي كانت تعبيرا عن الصراع السياسي والاجتماعي والثقافي والطبقي والاثني الذي دار منذ بداية الحركة الوطنية الحديثة’ كما بين ثوار 1924 الذين طرحوا قضية الهوية السودانية أو “شعب سوداني كريم” مقابل ” شعب عربي كريم” ، باعتبار أن الهويّة السودانية فيها متسع للجميع داخل الوطن الواحد غض النظر عن الدين أو اللغة أو الثقافة أو العرق ، وتستوعب التنوع التاريخي والمعاصر لشعب السودان. بالتالي كانت قضية الهويّة شكل من أشكال التبرير الايديولوجي لتكريس الأوضاع الظالمة ، كما فعل الاستعمار عندما أثار وعمّق التعرات القبلية والعنصرية ، والانقسام الطائفي ، وخلق طبقات من شبه الاقطاع وكبار الموظفين وزعماء القبائل موالية له ، كما عمّق الصراع بين الإدارة الأهلية والخريجين، والتنمية غير المتوازنة بعزل مناطق الجنوب ، جبال النوبا، جنوب النيل الأزرق ، دارفور، الخ عن الوطن بقانون “المناطق المقفولة”، مما زاد من التهميش التنموي والثقافي واللغوي والديني، رغم ذلك ، استطاعت الحركة الوطنية أن تنهض وتواصل المقاومة حتى تمّ تحرير البلاد من الاحتلال البريطاني – المصري 1956.
٣
لكن بعد خروج الاستعمار ترك تلك القنابل الموقوتة كما في مشكلة الجنوب والتنمية غير المتوازنة، مما أدي لانفجار الحركات في المناطق المهمشة بشكل أكبر بعد ثورة أكتوبر ، ورفض التهميش التنموي والثقافي واللغوي والديني، بعد سير الأحزاب الطائفية والحكام العسكريين في طريق التنمية الرأسمالية والخضوع لشروط البنك وصندوق النقد الدوليين الذي زاد من التحلف وتدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية ، والتنمية غير المتوازنة، والحل العسكري لمشكلة الجنوب، وعدم الاعتراف بالفوارق الثقافية واللغوية والدينية ، والاستعلاء الديني واللغوي باسم العروبة والإسلام ، مما أدي لتمزيق وحدة البلاد ، وانفصال جنوب السودان.
وتبقي الهوية سودانية في ظل حكم مدني ديمقراطي ودولة المواطنة التي تسع الجميع غض النظر عن الدين أو العرق أو الثقافة او المعتقد السياسي اوالفلسفي.
alsirbabo@yahoo.co.uk
