الرشيد جعفر علي
14 مارس 2024
ما جرى خلال هذه الحرب يمكن وصفه بنوع من “الكوميديا السوداء”، لكنه وصف لا يحمل أي خفة، بل يعكس واقعًا مثقلًا بالمآسي. أحداث تكشف حجم الألم الذي أصاب المجتمع، وأثرت بعمق في كرامة الإنسان، حتى وجد كثيرون أنفسهم مشتتين بين النزوح واللجوء، فاقدين الإحساس بالأمان والاستقرار.
مع بداية الشهر الرابع، عززت قوات الدعم السريع وجودها في المنطقة المحيطة بتقاطع البيبسي حتى مسجد ود الحسين، في إطار محاولات تضييق الخناق على مواقع الجيش. ومنذ ذلك الوقت، بدأت زياراتهم المتكررة للمنازل، التي وصلت في حالتنا إلى نحو خمس عشرة مرة، بهدف الضغط على السكان للمغادرة.
كانت أولى هذه الزيارات في وقت العصر. سمعت طرقًا قويًا على الباب، وقبل أن أتمكن من فتحه، كان عدد من المسلحين قد دخلوا إلى فناء المنزل بسرعة واضحة. كانوا في أعمار شابة، يتسمون بالتوتر والاندفاع. حاولت تهدئة الموقف بالتحية والكلام الهادئ، لكنهم بادروا بأسئلة مباشرة: “هل أسرتك معك؟ ولماذا ما زلت هنا؟”
أوضحت لهم أنني مدني ولا أملك خيارًا للمغادرة بسهولة. سمحوا لأنفسهم بتفتيش المنزل، وخلال ذلك أخذوا ما صادفهم من مقتنيات. فقدت ساعة شخصية، وبعض الأغراض الأخرى، كما تم أخذ سلاح قديم مرخص كان بحوزتي، رغم محاولتي إقناعهم بقيمته المعنوية فقط. كذلك تم أخذ جهاز حاسوب قديم، ومفاتيح مركبات لم تعد موجودة.
خلال التفتيش، عثروا على بطاقة قديمة تخصني من فترة سابقة، فاعتبروها دليلًا على انتماء عسكري، وهو ما زاد من توتر الموقف. لاحقًا، اضطررت للتخلص من تلك البطاقة لتفادي تكرار هذا الاشتباه.
بعد ذلك، تم اقتيادي إلى أحد الارتكازات القريبة. في الطريق، وقع إطلاق نار كثيف باتجاه مركبة لم تتوقف عند الطلب. وجدت نفسي في مرمى الطلقات، ما اضطرني إلى الاحتماء سريعًا خلف ساتر قريب. كانت لحظة فارقة أدركت فيها مدى هشاشة الوضع.
عند الوصول، كان الضابط مشغولًا بمتابعة وصول جرحى من اشتباكات قريبة. لفت انتباهي التعامل البارد مع المصابين، رغم حالتهم الحرجة. بعد فترة، استمع إلى روايتي، ورافقني إلى المنزل، لكنه غادر سريعًا بسبب تطورات أخرى في المنطقة.
مع مرور الوقت، أصبح بعض من شاركوا في هذه الزيارات وجوهًا مألوفة في الحي، يحيونني عند اللقاء، في مفارقة تعكس تعقيد المشهد.
في إحدى المرات، جاء شخص بمفرده إلى المنزل، ويبدو أنه ظنه خاليًا. عندما علم بوجودي، اعتذر بأدب وغادر، في سلوك مختلف تمامًا عن تجارب أخرى. وفي زيارة أخرى، دخلت مجموعة صغيرة، تعاملت بقدر من الهدوء، بل اكتفت بشرب الماء والمغادرة.
لكن هذا التباين لم يكن ثابتًا. ففي حادثة أخرى، عدت إلى المنزل لأجد محاولة كسر لأحد الأبواب الداخلية. واجهت الموجودين، فتم استجوابي داخل منزلي، وأُمرت بالجلوس على الأرض. كان الموقف مستفزًا، لكنه يعكس اختلال موازين القوة في تلك اللحظة.
تدخل أحد القادة، وأوضح أنهم يبحثون عن أسلحة مزعومة. أثناء ذلك، جلس أحدهم يقرأ في مصحف داخل المنزل، بينما استمر الآخرون في التفتيش. كان مشهدًا متناقضًا، يجمع بين سلوكيات متباينة في لحظة واحدة.
مع تكرار هذه الحوادث، أصبح واضحًا أن البقاء في المنزل لم يعد آمنًا، وأن كل يوم يحمل احتمالًا جديدًا للمخاطر. لم يعد الأمر مجرد مضايقات، بل واقعًا يوميًا يفرض نفسه، ويجعل قرار الرحيل أقرب من أي وقت مضى.
sudanelrasheed@gmail.com
