جدل الدين والحداثة في كتاب جمال محمد أحمد: الأصول الفكرية للوطنية المصرية .. بقلم: الدكتور الخضر هارون
الاهتمام بالأستاذ جمال محمد أحمد يجئ برغبة التعرف علي تصورات وأفكار الجيل الثاني من المثقفين الذين جاءوا بعد جيل الاستقلال، حول كيفية بناء الوطن ، والتماس أنسب الطرق للوصول للغايات في الحفاظ عليه سيما وهو بلد شاسع متعدد الأعراق يحتاج لصهر أجزائه في بوتقة الرابطة الوطنية التي لا يتمايز الناس فيها بعرق أو معتقد أو جهة ويتسع مضمار التسابق فيها للجهد والبذل والعرق في منظومة حقوق وواجبات متساوية في عالم كان وعراً كما هو الآن مشدوداً آنئذ لقطبين شرسين ،بلادنا احدي معتركات الصراع بينهما علي النفوذ والمواد الخام. ذلك لعل البحث يفضي لما قد يفيد اليوم في تحقيق المقاصد. ومهمة التعرف علي تصورات ذاك الجيل ليست سهلة وتستدعي بالضرورة اختراق الهالة التي أحيط بها بعض رموز ذلك الجيل ومنهم بلا جدال الأستاذ جمال محمد أحمد، لتبلغ غايتك من البحث وتحصل علي ملموس من فكرة محورية مفيدة للشخص لعلها ضاعت في خضم العراك السياسي أو لدور باق قام به ظل ذخراً للأجيال التاليات تتم رعايته والحفاظ عليه. ولعمري فإن جدوي البحث الوعر يستدعي اختراق الهالات لأن الكثير منها صنعته العواطف أو ألق الزمن أو مثابرة الراغبين منهم في وهج الأضواء الساطعة والصيت الحسن.
تغير محمد عبده من مفكر ثوري انقلابي إلي رجل يؤمن بالتغيير المتدرج عبر التعليم وإشاعة الثقافة لدرجة أنه انتقد عرابي الذي أيد ثورته ونفي بسببها. وقطع صلته بأستاذه جمال الدين الأفغاني.
كذلك كان جمال محمد أحمد نفسه فرغم أن العربية ليست لغة أم بالنسبة له علي المستوي الشخصي لكنها لغة وطن أحبها وبعاطفة جياشة أوصي نجليه عاطف وعارف أن يتقناها وأن يتحريا جمال الأسلوب وبلاغة البيان . ذكر ذلك في مقدمة كتابه (سالي فو حمر) حيث حذرهما كذلك من الافتتان بالتجربة الأوروبية التي جعلت تلك المجتمعات كالآلات خالية من الأحاسيس. وكان بارعاً في الكتابة بها بل وبأسلوب متميز. و ذهب إلي أنها (العربية) كانت هي لغة الكتابة الرسمية في إفريقيا قبل مجيء المستعمر. وكذلك أشار لدور الدين في إفريقيا وقال إنه ظهر في بلادنا وأن الأفارقة حفيون بالدين عقدوا مؤتمرا في خمسينيات القرن الماضي يؤكدون فيه علي محورية الدين في الحياة (راجع كتابه وجدان إفريقيا) وكتب كذلك ضمن بحوث إفريقية ( العنصر الديني في اليقظة الجزائرية). ويبدو لي أن بعض ذلك من تأثيرات أحمد لطفي السيد عليه.
وبعد فهذا بحث مفيد في مادته يناقش حقبة هامة في التأريخ المصري وارتدادات تلك الحقبة علي السودان وعلي البلاد العربية كما أن موضوعه المتعلق بسعي المجتمعات المسلمة للعيش في العصر وتحقيق التقدم والنهضة بمصباح الثقافة ومنظومة الأخلاق القائمة علي الدين لا يزال موضوعاً يدور حوله الجدال والبحث ويتوقع الدارسون أن يستمر البحث في ذلك المسعي بل ويذهب نوح فيلدمان إلي أبعد من ذلك في كتابه” سقوط وقيام الدولة الإسلامية” إلي أنه مسعي يبدو أنه لا فكاك لمجتمعات المسلمين منه ، إذ ظل يتكرر ويعود رغم تكرار التجارب الفاشلة إذ يعزي المسلمون الفشل علي البشر لا علي المعتقد.
لا توجد تعليقات
