إذا كان الطرطنقجي يخشى المعرفة، فمن الطبيعي أن يخشى أصحابها. لكنه لا يستطيع أن يقود مؤسسة بمفرده، ولذلك يبدأ، دون أن يعلن ذلك، في إعادة تشكيل البيئة من حوله حتى تصبح أكثر طواعية وأقل قدرة على مساءلته. ومع مرور الوقت، لا يعود هو وحده المشكلة، بل الثقافة التي يصنعها.
هكذا تولد جمهورية الطرطنقجية.
ولها دستور غير مكتوب، لكنه نافذ أكثر من أي لائحة. أول مواده أن الولاء يسبق الكفاءة، وأن الانسجام أهم من الحقيقة، وأن المدير ينبغي أن يسمع الصدى أكثر مما يسمع الرأي.
في البداية لا يلاحظ القادم الجديد شيئًا غير مألوف. المباني حديثة، والنظام دقيق، والاجتماعات متلاحقة، والعروض التقديمية أنيقة، واللغة المؤسسية مفعمة بمفردات الحوكمة والتميز والاستدامة وبناء القدرات. كل شيء يوحي بأن المؤسسة تسير وفق أفضل الممارسات.
لكن المؤسسات لا تُعرف من شعاراتها، وإنما من دقائقها الصغيرة.
تُعرف من الطريقة التي يُستقبل بها السؤال، ومن الكيفية التي يُعامل بها صاحب الخبرة عندما يقول: “أظن أن هناك خيارًا أفضل.”
في جمهورية الطرطنقجية، لا يُقابل السؤال بالحجة، وإنما بالصمت، أو بالضجر، أو بابتسامة تحمل من الاستخفاف أكثر مما تحمل من المجاملة. وسرعان ما يتعلم الناس أن بعض الأسئلة لا تُطرح، لا لأنها خاطئة، بل لأنها قد تُفسر على أنها خروج عن النسق.
ولعل أكثر المشاهد التي بقيت عالقة في ذهني، خلال سنوات العمل، لم تكن تتعلق بالخبراء، بل بالشباب في بدايات حياتهم المهنية. كانوا يدخلون المؤسسة بأعين تلمع حماسة، يحملون شهاداتهم الجديدة، ويظنون أن السنوات الأولى ستكون مدرسة يتعلمون فيها على أيدي من سبقهم. لكن بعض البيئات الإدارية لا تعرف الفرق بين التقويم والإذلال. وقد تكفي عبارة عابرة، أو وصف قاسٍ يُقال في اجتماع عام، ليقضي على الثقة التي احتاجت تلك النفس سنوات حتى تبنيها.
ولم أفهم يومًا كيف يظن بعض المديرين أن تحقير الناس وسيلة لتعليمهم. فالكرامة ليست مكافأة يمنحها الرئيس لمن يشاء، بل شرط من شروط التعلم نفسه. والإنسان الذي يخشى الخطأ لا يبدع، والذي يخشى السخرية لا يسأل، والذي يخشى الإهانة يفضل الصمت، ولو رأى الخطأ بعينيه.
وهكذا تبدأ المؤسسة في فقدان أثمن مواردها: الكلام الصادق.
فشيئًا فشيئًا، يتعلم الموظفون أن يقولوا ما يُرضي، لا ما يعتقدون. ويصبح نجاح الاجتماع مرهونًا بقلة الأسئلة، لا بجودة النقاش. أما الخبير، فيبدأ بمراجعة نفسه قبل أن يراجع التقرير؛ لا ليتأكد من صحة الفكرة، وإنما ليتأكد من أنها لن تُفهم على أنها اعتراض على رأي الإدارة.
وليس أغرب من ذلك إلا ما يحدث بعد سنوات.
فالطرطنقجي يظن أنه أحكم السيطرة على المؤسسة، بينما يكون قد بدأ، من حيث لا يشعر، في تفكيكها. إذ يغادر أصحاب الخبرة واحدًا بعد آخر، لا بضجيج الاستقالات، وإنما بصمت اليائسين. بعضهم ينتقل إلى مؤسسة أخرى، وبعضهم يعود إلى الجامعات، وبعضهم يقرر أن يحفظ كرامته بعيدًا عن بيئة لا ترى في العلم إلا عبئًا على السلطة.
ويأتي غيرهم.
لكن المؤسسات لا تُبنى بالأرقام، بل بالتراكم. وكل خبير يغادر يحمل معه جزءًا من ذاكرتها، وكل موظف يرحل يأخذ معه درسًا تعلمه من خطأ لن يدوَّن في أي دليل إجرائي. وهكذا تصبح المؤسسة، بعد سنوات، غنية بالملفات، وفقيرة بالتجربة.
وفي هذا الفراغ ينمو أبناء جمهورية الطرطنقجية.
لا يلفتون الأنظار بتميزهم، وإنما بقدرتهم على قراءة المزاج العام. يعرفون متى يوافقون، ومتى يصمتون، ومتى يغيرون قناعاتهم بما ينسجم مع اتجاه الريح. ولا يعدّون ذلك نفاقًا، بل ذكاءً إداريًا. فإذا تبدل الرأي في أعلى الهرم، تبدلت آراؤهم معه، وكأن الحقيقة نفسها قد تغيرت.
وعند هذه المرحلة، تكف المؤسسة عن أن تكون مكانًا لإنتاج الأفكار، وتصبح مكانًا لإعادة إنتاج اليقين. تختفي الأسئلة الكبيرة، وتبقى الإجابات الجاهزة. وتكثر الاجتماعات، بينما يقل الحوار. وتزداد التقارير، بينما تتضاءل المعرفة.
وقد يبدو كل شيء، لمن ينظر من الخارج، على خير ما يرام. فالمشروعات تمضي، والوفود تتنقل، والصور تُلتقط، والتقارير السنوية تزدان بعبارات النجاح. غير أن المؤسسة تكون قد بدأت تخسر شيئًا لا يظهر في المؤشرات: قدرتها على تصحيح نفسها.
وهذه، في تقديري، هي أخطر هزائم الطرطنقجية. فهي لا تُنتج مؤسسات فاشلة بالضرورة، وإنما تُنتج مؤسسات تخشى أن تعترف بأخطائها، فتكررها في هدوء، حتى يصبح الخطأ ثقافة، ويغدو الصمت فضيلة، ويُنظر إلى المجاملة على أنها أعلى درجات الحكمة.
وعندما تبلغ المؤسسة هذه المرحلة، لا يعود السؤال: “من يديرها؟”
بل يصبح السؤال الأهم:
هل ما زالت قادرة على أن تتعلم؟
auwaab@gmail.com
