جمال محمد ابراهيم
إنّ مسيرة “جورج حجّــار” التي تمثلتْ في مشروعاته الاقتصادية والاجتماعية، هي مسيرة وَسَمَتها نظرةُ خيرٍ وإحسانٍ للمجتمعات التي احتضنتْ وساهمتْ وعملتْ لإنجاح تلك المشروعات، سوآءا في بداية انطلاقها في منطقة الاستوائية في جنوب السودان، أو بعد انتقالها إلى مرحلة الانطلاق الأكبر في شمال السودان. إنْ كانت القاعدة هيَ أن ينفر الاستثمار ويرحل عن مناطق الاضطرابات، فإنّ الاحداث التي نشبَتْ في جنوب السودان عام 1955م في مدينة “توريت”، وأدتْ إلى مقتل أعدادٍ من أبناء الشمال وأبناء الجنوب، كانت بداية لنزاع استطال لعقود .
تلك الاضطرابات المأساوية السودان وقد وقعتْ قبل أشهر من تاريخِ نيلِ السودان استقلاله في أوّل يناير 1956م، لم تدفع بجورج حجّــار، المواطن السوداني من أصول شامية ، لمغادرة جنوب السودان إلى منطقة أكثر أماناً لاستثماراته. الذي حدث هو العكس تماماً، إذ استشعر الرّجل أن مشروعاته قد تشكّل عاملاً مساعداً من عوامل الاستقرار، وتساعد على استعادة الثقة والطمأنينة في مناطق الاستوائية، وتسهم في تحسين الأوضاع المعيشية للمجتمعات المحلية، التي أنشأ وأسّس “جورج حجّــار” مزارعه ومصانعه في مناطقها. نظرته الأعمق الرامية لاستعادة الطمأنينة في الجنوب، قابلتها نظرة أضيق من قِـبَل النظام العسكري الحاكم في الخرطوم (1958م-1964م)، الذي شكّك حول مشروعات “جـورج حجّــار”، فظنّها تسهم في دعم وتقوية وتأليب المتمرّدين الخارجين على السلطة المركزية في الخرطوم. إنّ أخْـذَ الناسِ بالظنّ دون تثبّـتٍ، فيهِ بعض إثمٍ وكثير جهالة.
بعد اتساع النزاع في جنوب السودان أوائل ستينيات القرن العشرين، أجبرتْ السلطاتُ الحاكمة “جورج م. حجّار” ليغادر جنوب السودان، فقبِلَ على مضض. ترك الرّجل كلّ شيء وراءه، ولم يكن نادماً أبداً، ثمّ رحل إلى شمال السودان. كانت قناعته أنّهُ عائدُ، طالَ الزمن أم قصرَ، إلى الاستوائية التي أحبّها وأحبته. لم تفطن تلك السلطة المركزية في الخرطوم، كيفَ نال الرّجل قبولاً واحتراماً، من قِبلِ كلِّ المجتمعات المحلية التي عرفته، بل ومن قِبلِ السلطات المحلية التي اختارته عضواً بمجلسها المحليّ في “جـوبا”، عن استحقاقٍ وليس عن مجاملة.
إنّ المعنَى القاموسيّ الذي تحمله كلمة (philanthropy ) هو “مَحبّة البشــر”، وأنّها محبّة الآخر في أسمى حالاتها، هيَ بالتحديد الإحسان إليه ، وتوجيه عمل الخير قصد الارتقاء بحاله، وتحسين معيشته، وتقدير كرامته. ولقد زاد “جـورج حجّـار” إلى هذا المعنى بُعداً إضافياً، تمثل في إخفاء اليـد التي تفعل الخيـر، فأبعد بذلك شـبهات المنِّ والأذى عن مسيرته الخيرية، وإحسانه اللامحـدود، نحو المجتمعات التي احتضنت استثماراته.. هي “يدُ الخير الممـدودة”، والتي صارت شعاراً للمؤسسة الخيرية فيما بعـد.
لقد عرفنا العون الإنسانيّ الذي ابتدرهُ “جـورج حجّــار”، منذ السنوات الوسيطة من القرن العشرين ، وبلغ فيه شـأواً بعيداً. غير أنّ للرّجل أفعالَ خيرٍ، ليس لها طبيعة كِميّة أومادية مباشرة، بل ولم تكن ملفاً من ضمن ملفات “المؤسسة الخيرية”، تُعـدّ لها اعتمادات مالية، ويتولاها فنيون أو مهنيون وإداريون من تلك “المؤسسة”. ذلك أنها الأقرب إلى الإحسان “الناعم”( diplomatic philanthropy)، وربّما لو أحسنّا الوصف، هي “دبلوماسية الخيـر”، ذلك أنها استصحبتْ جهداً لإصلاحٍ بَيْـنِ متخاصمَين، ولفضّ نزاعٍ نشب في جنوب السودان بين أبناء البلد الواحد. هدفها الأسمى هو تحقيق السلام وإعادة الاستقرار. الذي دفع “جورج” لتلك المبادرة قصد احتواء النزاع، هو انتماؤه بالأصل وبالميلاد لذلك البلـد. هو ابن “حجّـار” الأب ، ذلك الرجل الذي وضع لآل “حجّــار” اسما راسخاً في جنوب السودان، منذ عام 1904م. بنى “جورج حجّار” استثماراته في الزِّراعة وفي الصناعة فيما بعد، ليس اقتناصاً لربحٍ مستحق، ولكن لهدف إنسانيٍّ أسمى، ينبع من إيمانه وقناعاته بالعمل من أجل رفعة المجتمعات المحلية في جنوب السودان، حيث ولدت مشروعاته وشهدت بداياتها هناك، ثم اتسع نشاطها من بعد في الشمال. لن يسعد “جورج” بنزاع ينشـب بين إخوة في بلدٍ واحد. بالروح الإنساني الذي ملك عليه وجدانه، ولارتباط حياته وحياة أسرته بتلك البقعة في جنوب السودان، لم يكن لينظر غير عابئٍ بالصِّراع تتصاعد نيرانه بين الإخوة.
برغم نبل المقصد في إعادة الاستقرار، إلا أنّ النزاع استعر بين الشمال والجنوب فأحرق الكثير، وتعقّدت الأمور، وشابتها سلبيات لم تفضِ إلى نجاحٍ يذكر للتفاوض بين الطرفين. سنرى فيما يلي من صفحات كيف اتخذت مبادرة “جورج حجّار” مكانها ، عبر إفادات شهودٍ، شاركوا وتابعوا إقدام الرّجل لبســطِ مبادرته بين طرفي النزاع : الحكومة في الخرطوم، و”الحركة الشعبية لتحرير السودان” في المنفى، وعبر الوسيط المساعد، وهو الرئيس الكيني الرَّاحل “دانيال آراب موي” ورئيس قمة “الإيقـاد” (الهيئة الحكومية للتنمية) حينذاك. رحل الرّجل النبيل “جورج حجار” في عام 1996م، بغصّة بعد أن أجهضتْ مبادرته، وكادت أن تذهب طيّ النسيان. ولكن من يتابع عن قرب، سيرى أن المثلث الذي راهن عليه “جورج حجّار” ، هو الذي أفضى بعد سنوات قليلة، إلى ما عُرف بمفاوضات “نيفاشــا”، والتي أنهَـتْ الحرب وأقرتْ السلام، عبر اتفاقيات عديدة ، توجّت بما عرف تاريخياً بـ”اتفاقية السلام الشامل” في يناير من عام 2005م. لعلّ مبادرة “حجّار” على هذا الصعيد، شكلتْ “تمهيداً خافتاً” للذي أفضى إلى ذلك الاتفاق التاريخي، الذي تمّ في “نيفاشـا” 2005م.
هيلري لوقالي عن مبادرة “جـورج حجّـــار” :
ولنقرأ ما كتبَ قياديّ بارزٌ وحكيمٌ من حكماءِ جنوب السودان، هو الراحل “هيلري باولو لوقالي”، في تأبين الرّاحل “جورج حجّـار” في مايو من عام 1996م، يُحدّث عن “جـورج حجّـار”، الذي عرفه وخبره ولمِسَ محبّة الرّجل لوطنه السودان :
(..لماذا أراد جورج حجّـار السلام ؟ وكيف كان يريد له أن يتحقق في السودان؟ وهل تناول بصورة شاملة مسبّبات عدم الاستقرار في الجنوب..؟ هذه الاسئلة وغيرها ستظلّ محور اهتمام أولئك الذين عرفوا جـورج، وأولئك الذين ربما اختاروا أن يقتدوا بجـورج حجّـار ، اليوم وفي المستقبل (… ) إن جـورج مثله مثل كلّ رجال الاعمال، يريد الاستقرار واستتباب الأمن لأنها تضمن المناخ الأنسب للاستثمار والانتاج. إنّ غريزة رجل الأعمال تنفر من الفوضى لأسبابٍ بينة . . بعد التمرّد في عام 1955م، وخاصَّة خلال الأعوام من 1958م وإلى 1964م، وما تلاها من أعوام ، كانت السياسة العامة في البلاد تقوم على الشِّـدّة والمعاملة القاسية للمعارضين من الأفراد والجماعات. لقد تعاون بعض رجال الأعمال في الجنوب مع السلطات في قهرها للمواطنين، إلا أن “جـورج حجّـار” لم يتخلَ عن مبادرته الراسـخة القائمة على ضرورة سيادة العدالة الاجتماعية للجميع.. وفي سنواته الاخيرة، كانت مبادرته السلمية تقوم على ضرورة تثبيت دعائم المجتمع المدني العادل في البلاد)..
قصَّة مبادرة السلام : رواية “أبيـل أليــر” :
أمّا مولانا “أبيل أليــر” فهو ابن بار من أبناء السودان، وجنوب السودان الذي صار دولة مستقلىة بعد عام 2011م، وَعرفتْ عنه نظافة اليدِ واللسان، وفوق ذلك محبَّته لوطنه السّودان، وتراه في ذلك، يأسى كلَّ الأسى للذي حاق بالسودان. يحدّث مولانا “أبيل أليــر” عن مبادرة السلام التي طرحها السيد “جورج حجّــار” في أخريات أيامه، وهو يكابد علّة جسده التي هانتْ عنده أمام عللِ الوطن ومكابداته. حكى مولانا “أليـر” في حفل تأبين الرّاحل “جورج” في 13 مايو 1996م، بكلِّ شفافية وصدق، تفاصيل تلك المبادرة، التي لم يشـأ لها البعض أن تمضي إلى نهاياتها:
(..جاء جورج حجّــار وزوجته “ألِــس” إلى الخرطوم في يناير 1995م لاجتماع الأسرة السنوي الراتب مع قيادة مؤسسة حجّار الخيرية. لكن هذه المرَّة، كانت لجورج أجندا إضافية ينوي عرضها بصفاء سريرته المعهود. خلال اجتماعات مجلس أمناء المؤسسة ، عبّر عن حلم ظلّ يراوده منذ فترة، يتمثل في طرح مبادرة متينة يمكن أن تفضي إلى تحقيق السّلام وتُنهي الحرب الأهلية في البلاد، ومن ثمّ توفر الظروف الملائمة لتثبيت دعائم سلام عادل واستقرار اجتماعي. لتحقيق هذا الحلم، قرَّر “جورج حجّـار” الالتقاء بالدكتور حسن التُـرابي وبالعقيد جون قرنـق، فهو يعتقد جازماً ، أن الإثنين هما من يملكان مفاتيح حلّ النزاع.
ولقد تمَّ اجتماع مع دالترابي بعونون من الأستاذ التجاني المحامي الكارب. ولقد ظلّ د. غازي صلاح الدين وأســتاذ التجاني الكــارب، يشــكلان حلقـة وصــلٍ بيـن “جـــورج” ود. الترابي، طوال فترة الأربعة أشهر المتفق عليها لتحقيق اللقاء بين “جــورج حجَّــــار” ود. الترابي في منزله . تمّ اللقاء مع الدكتور الترابي في منزل الأخير وعلى مائدة الغداء خلال جلسة استغرقت زهاء الثلاث ساعات، طرح جورج على مضيفه مشروعه للسلام المتمثل أساساً في ضرورة أن يلتقي د. الترابي بالعقيد د. جون قـرنق ليناقشا في سرية تامة مشاكل الحرب والسلام في البلاد، قصد الوصول إلى حلول نهائية لها.. ويمكن أن يتم ترتيب اللقاء داخل أو خارج السودان. وبعد طرح العـديد من الأسئلة والاستفسارات للسيد “جورج حجار” والضيوف الحاضرين، وافق د. الترابي على الاقتراح مبدئياً. لكن عندما اقترح “جورج حجار” جوبا أو الخرطوم مقراً للاجتماع، شكّك د. الترابي في امكانية أن يوافق العقيد قـرنق على الحضور إلى مناطق تسيطر عليها الحكومة، ولم يتحفَّظ على عقد الاجتماع في أيّ مكان آخر، في إسبانيا أو فرنسا أو هولندا، ولربما رغب في أن يتحاشى بريطانيا كخيار للاجتماع ، برغم أنَّ لحجَّــار منزلاً فيها. لم يقترح جورج ولا د. الترابي أي بلدٍ أفريقيّ كخيارٍ لعقد ذلك الاجتماع.
بعد أن حصل “حجّــار” على موافقة د. الترابي على الالتقاء بالعقيد قرنق، غادر إلى لندن باحثاً عن قنوات مناسبة، تؤمِّن اتصالاً آمنـاً مع العقيد قرنق لينقل إليه الملامح الرئيسية لمبادرته. ومرّة أخرى وظف “جورج حجَّــار” لطفه الشخصي وخبراته الواسعة وصداقاته العامرة لتحقيق ذلك الهدف. أقام حفل إفطار بمنزله ناقش تفاصيل المبادرة مع الأســتاذ بونا ملــوال ود. شول داو، اللذين قاما سوياً بتنظيم الاتصال مع العقيد قرنق.
قامَ “جورج حجّــار” بشرح مبادرته في مكالمة هاتفية قصيرة نسبياً، ثم ألحقها بخطابٍ حوى التفاصيل . ولقد أثمر ذلك الاتصال ردَّاً إيجابياً من طرف العقيد قرنق حمله القيادي ومسئول الإعلام وقتــذاك بالحركة الشَّــعبية، “باقـان أمـوم” إلى جـورج حجّـــار في لندن.
وافق العقيد قرنق على الاجتماع مبدئياً واقترح أن يُشرك الرئيس الكيني (وقتذاك) دانيال آراب موي، بصفته رئيس منظمة “الايقـاد”، التي كانت تسعى كذلك للوصول لحلٍّ لمشكلة جنوب السودان، على أنْ يترك له أمر تقرير مكان وزمان الاجتماع لاحقاً. كان على “جورج” أن يتجاوز العقبة الثالثة، وهي ضمان الحصول على موافقة د. الترابي على مقترحات العقـيد د.قرنق. بعد اتصال “جورج” به ، وافـــق د. الترابي على المقترحات.
بدا أن نيروبي ستكون موقعاً مناسباً لعقد الاجتماع، إذ أن قرنق يقيم بها من حين إلى آخر، كما أن د.الترابي كان هناك لشهور خلتْ، للالتقاء بالرئيس الكيني “آراب مـوي”، الذي كان وقتها رئيساً للجنة الأربعة المكوّنة من رؤساء الدول المناط بها مساعدة الأطراف السُّودانية في الوصول إلى حلّ للنزاع، كما أن الرئيس “مـوي” هو أقدم الرؤساء الأفارقة على دست رئاسـة بلاده. بدا حتى ذلك الحين، أنّ كل شيء أعدَّ بصورة جيّـدة.
بقيتْ عقبة رابعة كان على “جورج” أن يتجاوزها، ألا وهي تأمين الاتصال بالرئيس “موي”، للحصول على موافقته للمشاركة في اجتماع قرنق- الترابي، والذي كان “جورج حجّار” يؤمّل أن يتطور إلى حوارٍ مثمرٍ، ومن ثمّ إلى مفاوضات مجدية. ولقد تحقق ظنّ كلّ الأطراف في أن الرئيس “مـوي” سيرحّب باللقاء، وسيعرض على كلّ الأطراف استضافته له. لكن بقي أن يجد “جورج” سبيلاً للاتصال بالرئيس “موي”.
جاء الحلّ على يدِ الأستاذ “التجاني الكارب” المحامي، صديق أسرة حجّـار، ومستشارها القانوني. لقد كان للأستاذ “تجاني الكارب” صديقٌ بريطانيّ على صِلة طيبة بالرئيس “آراب موي”، وعلى أتمّ اسـتعداد لتأمين الاتصال بالرئيس. عبر هذه الصلة كتب “جورج حجّــار” رسالة للرئيس “مــوي” راجياً تفضله بالمشاركة في لقاء الترابي- قرنق، وأن يتفضّل باستضافته. ويبدو أنّ العقيد قرنق كان يتعامل مع مقترح اللقاء المرتقب بمنتهى الجدِّية، وقام من جانبه بالاتصال بالرئيس “مـوي”، راجياً مشاركته واستضافته للقاء.. وكردٍ على هذين الندائين: رجاء قرنق والرسالة التي حملها صديق الأستاذ التجاني الكارب- ردّ الرئيس “موي” سريعاً بالإيجاب لـ”جورج حجَّــار”.
وفي اجتماعٍ انعقد أوائل مارس 1995 في منزل “جورج حجّار” في لندن، حضره كلٌّ من “التجاني الكارب” و”د. شول” و”باقان أموم”، الناطق الرسميّ باسم الحركة الشعبية في نيروبي، تمّ الاتفاق على أن تكون نيروبي هي مكان الاجتماع. حدّد الرئيس “موي” يوم 10 أبريل1995م موعداً لاجتماع قرنق- الترابي، في قصر الرئيس الكيني خارج العاصمة نيروبي . كاد حلـم “جورج حجّــار” أن يتحقـق.
برغم أن “جورج” لم يبدِ أيّ رغبة لحضور الاجتماع المقترح، إلا أنّ الأطراف الثلاثة: “مــوي” و”الترابي” و”قرنق”، قدموا له الدعـوة للحضور. كان “جورج” سعيداً بهذه اللمحة الكريمة. . فمشاركته ستتيح له فرصة التأكُّد من أن مبادرة السّلام، سوف يتم بحثها في ظروف سياسية مواتيـة، وفي الطريق الذي اختطـه لها دون انحراف.
لقد كان هدف “جورج حجّــار” منذ البداية، هوَ التوصُّل إلى قرارٍ بوقف إطلاق النار، يعقبه على الفور أو بعده بقليل، تفاوضٌ يتناول الأمور الأساسية المرتبطة بالنِّزاع. فرّغ “جورج”: نفسه تماماً لمبادرة حلِّ النزاع بين الشمال والجنوب، وتحقيق سلام عادل ودائم. لقد زودتْ بوادرُ التوصّل لسلام دائم بطاقة جديدة لـِ “جورج” ، فكأنّ حيويته تلك، أعادته شاباً فتيأ من جديد . داوم “جورج” على الاتصال والتشاور مع أقرب معاونيه، خاصة السيد سر الختم الخليفة والسيد “هيلري لوقالي” والأستاذ “التجاني الكارب” والسيد “طه علي البشير”، وإلى جانبه بالطبع نجـله “أنـيس”.
في الخرطوم وفي لندن، كان “جورج” يرعى مبادرته للسَّـلام، محاطاً بعددٍ من المقرّبين. كانت “أليـس” دائماً إلى جانبه، مخلصـة ومسـاندة كالعهد بها، تعدّ أكواب الشاي والقهوة حتى يظل الجميع في يقظتهم وانتباههم. لقد كان “جورج” يعمل يومياً لدرجة الإنهـاك، محافظاً على حيويته ومرحه، وبرغم ذلك الجهد العظيم، إلا أنّ المشروع التاريخي لم يكتب له أن يتحقق، ولم يتم الاجتماع المرتقب.. لا زالت أسباب الفشل محل أخذٍ ورد، وأخذ كلُّ طرفٍ يلقي باللوم على الطرف الآخر.
زار الرئيس الأمريكي الأسبق “جيمي كارتر” نيروبي، ثم الخرطوم في أواخر شهر مارس1995م. عقب لقائه ببعض المسئولين الحكوميين، أدلى بتصريحاتٍ صحفية . وفي مؤتمره الصحفي الدوريّ، أجاب “قرنق” على استفسار عابر عن حقيقة وجود اتفاق لعقد اجتماع بين قرنق والترابي، أكد وجود ذلك الاتفاق. عند سماعه بتلك الأخبار الصحفية، اعتبر د. الترابي تصريحات قرنق، تعدَّ خروجاً على مبدأ السِّـرية الذي يقوم عليه كلّ الاتفاق. بنـاءاً على ذلك ، صرّح لكل ّ الأطراف المعنية، أنه لن يحضر الاجتماع. ولقـد جاءتْ كلماته حاســمة ونهائيـة.
لاحقاً صرّح العقيد قرنـق بأنه كان يؤكِّد فقط ما أصبح معروفاً في الخرطوم بسبب تصريحات “كارتر” الصحفية. هكذا يعتقد “قرنق” أنَّ أطرافا في الحكومة هي التي أخبرتْ كارتر بالمعلومات الخاصّة بالاجتماع. إلا أنَّ الحكومة لها رأي آخر. ولقد بذلت المساعي الصادقة لإنقاذ مبادرة السلام الخاصّة هذه ولكنها لم تنجح.
كلّ الذي يمكن قوله ، هو أن ذلك الفشل جاء بسبب اعتبارات سياسية لها علاقة بعملية السلام. منذ انفضاض المحادثات بين الحكومة و”الحركة الشعبية لتحرير السودان” و”حركة استقلال جنوب السودان”، لم تعد إعادة الأمور سهلة بين الأطراف المتنازعة. لم يُخـفِ “جورج حجَّــار” خيـبة أمله، إلا أنَّه حافظ على إصراره على معاودة المحاولة. تلك هي إحدى مظاهر قوة إرادة الرَّجل ، فهو لن يترك العقبات تسدّ عليه الطـريق. ومنذ أبريل 1995م وإلى يناير 1996 م عمل في إصرار في البحث عن سبيل يعيد الحياة لمبادرته السِّــلمية.
قبيل إدخاله غرفة العمليات بقليل، في يوم الجمعة 5 يناير من عام 1996م في اسبانيا، اتصل “جورج حجّــار” بالسيدة “لينا حجّــار” قرينة نجــله “أنـيــس”، طالباً منها أن تبحث عن أصدقائه وتتصل بهم، وهم حسب علمه موجودين ببيت الأستاذ “التجاني الكارب” أو مكتبه في الخرطوم . لما تحقَّق الاتصال حدَّث أحد هؤلاء الأصدقاء، أن الجهود من أجل تحقيق السلام يجب أن تستمر، وأن الحلّ السلميّ للنزاع في السودان، يجب أن يكون هدفاً لكلّ الأطراف.. تلك كانت آخر كلماته عبر مكالمة هاتفية من إســبانيا إلى الخرطوم، في الموضوع الذي ملك عليه شغاف قلبه لعامٍ كامل، منذ أن أعلن عن حلمه. لقد رحل عن أسرته وأصدقائه ووطنـه في سـلام يوم 6 يناير من عام 1996م. .
ولمحبته لجنوب السودان، في إطار السودان العريض، آثر أن يوارى الثرى في البلد الذي أحب في “ايواتوكـا” و”كبنجري”، في مركز نهـر”يـاي”. ولقد احترمت الأسرة رغبته، وسيتم تحقيقها حال عودة السَّـلام لتلك البـقـعة.
لقد كان السلام والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، هي هموم “جورج حجّار” وشغله الشاغل، وعند فراش موته رحل وحديث السلام في وطنه على شـفتيه. .
التجاني الكارب: ما بعد إجهاض مبــادرة “حجّـــار” :
أوضح الأستاذ “التجاني الكارب” كيفَ أنهم – وهم مجموعة الاستشاريين- كانوا مُشـفقين على “جورج حجّــار”، ولم يكونوا على ذات التفاؤل الذي دفع “جورج” لطرح مبادرة السلام تلك ، وكانت لهم أسبابهم:
- أنّ الرجل بلغ الثمانيــن من العمر، وهي سِنٌّ تستوجب الرَاحة والانتباه للصِّحــة ،
- أنّهُ في السنوات الأخيرة، ظلّ بعيداً عن السودان، ولم تعد له معرفة بالأجيال الجديدة التي تدير الصراع في السودان،
- أنّ النزاع الذي وصل لدرجات من التعقيد، وتصاعدتْ خلاله المواجهات العسكرية، أخفق الطرفان في التوصّل خلالها إلى تفاهم مشترك، في أكثر من أربع محاولات. للتفاوض.
عليه لم يتحمّس مستشارو “جورج حجّـار ” لمبادرته تلك، لكنهم حفظوا تقديراً كبيراً للرّجل وهو في تلك السِّن، يطحنـه الأسَى، بل وعلى سرير المرض، يكتب رسالة للشيخ حسن الترابي، يحثّـه لنفـخ الروح في المبادرة، وإحياء اجتماع نيـروبي.
كتب “جورج حجّار” رسالة أخيرة بتاريخ 4 يناير 1995م، مُخاطباً الرّجل الذي كان يُمسك بملفاتِ البلاد وقتذاك:
(عزيزي الدكتور حسن،
لقد أحزنني وآلمني غاية الألم أن سمعتُ من التيجاني، أنك لن تذهب إلى الاجتماع الذي تقرّر عقده في العاشر من أبريل 1996م في نيروبي.
مولانا: إنني لا أصدق مطلقاً أن قائداً في مثل قامتكم يسمح بأن يغيّر رأيه مثل ذلك السبب الزهيد. إنكم لا شك تذكرون الحلم الذي أفضيتُ به إليكم عندما التقينا أول مرّة. ذلك الحلم الذي جمعني بكم، ثم سعيتُ بشأنه لدى الدكتور قرنق، حيث رأيتكما الإثنين تنجزان ما عجز عن تحقيقه قادة آخرون، على مدى مئات السنين في الماضي. إنّ ما قادني إلى هذه الدرجة من اليقين، هو أنني رجلٌ مؤمنٌ بالله تعالى ومؤمنٌ بأنك رجلُ فكرٍ واستقامة ومُحبٌّ للسلام.
دكتور حسن : اسـمح لي بأن أتجاسَـر- جسارة يخوِلَّني إياها مجرّد تقدُّمي في السِّـن- لأتوسّل إليكَ أن تتوجّه إلى هذا الاجتماع. أنت رجلٌ مؤمن بالله تعالى، فأرجو أن لا تسمح لأيّ عائقٍ أن يقف في طريق هذا الجهد المبذول من أجل السلام.
إنني لعلى ثقة من أنك لا ترضى لي أن أبدو منكسراً أمام الرئيـس موي عندما يسمعني أنبئه بأن الدكتور الترابي لن يحضر إلى نيروبي.
في انتظار استجابتكم الكريمة.
مخلصكم جورج م. حجّار
إنتـــهـــــى
نهاية مبادرة صادقة النوايا :
فيما يبدو أن تلك المبادرة التي صدرتْ بنيّة صادقة، عن قلب رجل أحبّ بلاده، قد أجهضتها أسبابٌ أعمق ممّـا بدت للمراقبين في تلك الفترة. ولقد ألمح من وردتْ شهاداتهم في الصفحات السابقة، من أن النزاع قد تعقّد بصورة استعصتْ معها الضغوط، مِن قِبل أطرافٍ كثيرة، لإحداث اخـتراقات، يقدّر لها أن تفضي إلى تفاوضٍ مُثمر .
غير أن الضغوط الأمريكية على طرفي النزاع، كادتْ أن تحدث تلييناً في مواقفهما، بعد أن شهدتْ تلك الفترة، فرض عقوبات أحادية على الحكومة السودانية، تضاف إلى ضغوط المجتمع الدولي- ممثلاً بمجلس الأمن- للدفع بجهود الحوار من أجل السلام.
من ناحية أخرى، بدأت جهود “الإتحاد الأفريقي” ومنظمة “الإيقاد”، تأخذ طابعاً جدياً. تلك عوامل وأصابع خارجية مهمة، كان لها أبلغ الأثر على مسارات النزاع في السودان، ولكن أغفلتها مبادرة “جورج حجّــار”.
على الصعيد الداخلي، فقد أسفرت الانتخابات الرئاسية في السودان عام 1996م، عن فوز الرئيس البشير، بنسبة تزيد قليلاً عن 60%، مِمّا بشّر بتغييرات قادمة باتجاه فرص التفاوض مع “الحركة الشعبية لتحرير السودان”. أما بالنسبة للشيخ الدكتور حسن الترابي، فقد كانت الإرهاصات تشير إلى أنه سيقود السلطة التشريعية في البلاد ويتولّى رئاسة البرلمان. من غرائب الأقدار، أنه وبعد أن نفض يده أوائل عام 1995م عن مبادرة “جورج حجّار” التي حددت العاشر من أبريل عام 1995م، موعداً للقاء الترابي- قرنق في نيروبي، برعاية من الرئيس الكيني. خلال تلكم الفترة كان الرئيس الأمريكي الأسيق “جيمي كارتر” يبذل مساعٍ قوية ومؤثرة لإحداث اختراق بين طرفي الصراع. نجحت تلك المساعي في قبول الطرفين على وقف إطلاق النار.
فيما بدا أن الضغوط من قبل أطراف مؤثرة مثل الإدارة الأمريكية ، ومن مركز الرئيس الأمريكي الأسبق “جيمي كارتر” ، أعلى صوتاً من أيّ طرفٍ آخر يسعى لدفع الطرفين للجلوس إلى مائدة التفاوض، فقد كان التراجع عن مبادرة “جورج حجّــار” ، أمراً متوقّعاً. إنَّ مساعي السيد “حجّــار” لن تكون ، بوزن المبادرة والجهود التي كان يقودها السيد “كارتر” وقـتـذاك.
إنه من المهم الإشارة إلى الدور الذي قام به كلٌّ من مولانا “أبيل أليــر” والسيد “أنيس حجّــار”، خلال مفاوضات “نيفاشــا” في كينيا والتي اطلقت بعد ذلك ، بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير، وأفضت في النهاية إلى اتفاقية السلام الشامل في السودان في عام 2005م ، وهي التي أنهتْ الحرب الأهلية في السودان. إنَّ الرّوح التي تركها الأبُ المؤسّس وراءه والتي رعَتْ استثمارات آل حجّــار وتفرَّعتْ عنها “مؤسّسة حجّـار الخيرية” ، وتجسّدتْ أيضاً في مبادرته للسلام بين طرفي النزاع في جنوب السودان، هي ذات الرّوح التي ألهمت كلاً من مولانا “أبيل أليـر” رئيس مجلس أمناء تلك “المؤسّسة الخيـرية” ، والسيد “أنيس حجّـار”، نائب رئيس مجلــس الإدارة، إلى المُضي لاستكمال ذلك الدور التاريخي الذي ابتدره الأبُ المؤسّس. لعب “ألـيـر” و”أنـيس” دورهما كاستشاريين خلال جولات التفاوض الطويلة في ضاحية نيفاشـا بكينيا..
• فصل من مخطوطة كتاب توثيقي: “حجَّــار: استثمار في بناء الخيـر : سيرة غيرية” ، 2017م (قيد الطبع).
jamalim@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم