عدتُ إلى الجامعة، وإلى مقاعد التدريس، بعد غياب خمسة أعوام قضيتها في موسكو، مبعوثاً هناك لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة الصداقة.
الشوقٌ القديم والحنين إلى القاعة 102، وإلى شارع المين، وإلى شجر اللبخ العجوز الذي كبر معنا في صمت، وحتى لتلك القرود التي كانت تشاركنا طعامنا وونسنا، اشتقتُ إليها.
اشتقتُ لشاي عم طاهر، الساموطي كثير السكر، في سطوح شعبة الجغرافيا، وتاقت روحي إلى برامج جمعية الفلسفة، وإلى شغب حاتم… حاتم “سقراط”، الطالب العجيب الذي حفظ حوارات سقراط عن ظهر قلب، وأحب الفلسفة، لكنها لم تحبه. كان رسوبه المتكرر كافياً لرفده—أحد أهم قوانين الجامعة. يومها تغيّر حاتم. انكسر شيء فيه، ولم يعد كما كان.
لم أجد أحداً ممن تركتهم خلفي. قيل لي إن البنات والأولاد تفرقوا في دروب الحياة. سألت عن شلتي القديمة: مازن، حسن حب، نادية، صلاح فندقه، وزبيدة حمد النيل… تلك الثلة التي جمعتنا محبة الأدب، خاصة الرواية. تل الثلة كنتُ واحداً منهم. ولطالما عُرف عني ولعي بالأدب الروسي، وتخصصي في أعمال دوستويفسكي، وقد أتاحت لي البعثة أن أغوص أكثر في عوالمه، حتى صرت أراه في كل شيء. ليصبح عندي كالشيخ وانا حواره..
دخلتُ القاعة 102 قبل الموعد بعشر دقائق. كانت القاعة فارغة… على غير عادتها. لا ضجيج، لا همس. وقفتُ عند الباب لحظة، كأنني أستأذن ذاكرة المكان قبل أن أدخله.
تقدمتُ ببطء، مررتُ بيدي على سطح تلك المنضدة الخشبية، فتركت أصابعي خطاً خفيفاً في طبقة غبار. ابتسمتُ في حزنٍ خفيف… حتى هذه القاعة لم تعد كما تركتها. جلستُ، ثم وقفتُ. لم أعرف كيف ياترى ابدأ ثم طفقت اسال ، أأنا العائد ياترى؟ أم الغريب؟
دخل الطلاب تباعاً، في صمتٍ غير معتاد. وجوه جديدة بالكامل. لا أثر لمازن، ولا نادية، ولا حتى شبيه بعيد لحاتم “سقراط”. ألقيتُ التحية… فجاء الرد خافتاً. ثم بعد شويه كتبتُ اسمي على السبورة، ثم قلت:
— أنا دكتور سمير صالح بيومي، أنا سعيد ان عدتُ إليكم بعد غياب طويل.
لكن ولدهشتي لم يسأل أحد: من أين؟ ولا لماذا الآن.
كان يدو لي ان في العيون شيء آخر… شيء يشبه الترقب. بعضهم كان ينظر إلى هاتفه خفية، كأنه يتابع أمراً لا يحتمل التأجيل. ثم فجاة سألت:
— من منكم يقرأ الرواية؟
لم تُرفع إلا يد واحدة مترددة. لكن قبل ان تتحدث تلك الفتاة لتجاوب على سوالي.. ابتسمتُ، لكن الابتسامة لم تكتمل. في الخارج، مرّ صوت هتاف بعيد. توقفتُ لحظة… ثم رفعتُ رأسي نحو النافذة. بعدها عدتُ إلى الدرس، كأن شيئاً لم يكن.
لكنني أدركتُ، في تلك اللحظة، أن القاعة 102 لم تعد معزولة عن العالم… وأن شيئاً ما—أكبر من الأدب—بدأ يكتب نصه هناك، في الخارج.
ثم فُتح الباب فجأة. وقف عنده رجل نحيل، كان يبدو انه متعب الملامح، بعينين حادتين كأنهما لم تنما منذ زمن. وقد عرفته فوراً. انه حاتم… أو ما تبقّى منه.
قال بصوت أجش:
— “أخيراً… رجعت يا دكتور.”
قلتُ بصعوبة:
— “حاتم…؟”
ابتسم:
— “اهو لسه فاكر؟ كويس.”
نظر إلى الطلاب، ثم إليّ:
— “بتسألهم يقرأوا رواية؟… بس يادكتور البلد كلها بقت رواية… لكن الفرق إنو الرواية دي بتتكتب بالناس.”
ارتفعت همهمة في القاعة. ثم ومن الخلف جاء صوت:
— “الكلام ده ما شغلنا… نحن جينا نتعلم.”
ردّ آخر:
— “نتعلم شنو؟ والناس برا بتموت؟” اما انك واحد كوز معفن..
احتدمت الأصوات. فحاولتُ السيطرة:
— “دي قاعة علم—”
قاطعني أحدهم:
— “العلم ذاته بقى سلاح يا دكتور!”
توقف حاتم، وقال بهدوء:
— “هم محتاجين موقف… ما درس.”
ثم قرر الجميع الخروج إلى الشارع
وهناك في الخارج، ارتفع الهتاف:“حرية… سلام… وعدالة…” “والثورة خيار الشعب!”
ثم وقف طالب، ثم آخر.
— “أنا ما بقعد هنا.”
— “ولا أنا.”
تحركت الكراسي، وبدأت القاعة تفرغ. نظر إليّ حاتم:
— “جاي؟… ولا لسه عندك محاضرة؟”
ثم نظرتُ إلى السبورة… وهنا كان اسمي ما زال مكتوباً عليها.
ثم ساقتني قدماي إلى الباب… ومشيت. اما هناك في الخارج، كان الصوت أعلى… أوضح… حيّاً.
الوجوه كثيرة… والعيون تلمع بشيء لم أره من قبل.
حاتم وسطهم… يردد الهتاف، بصوت ممتلئ، كأنه وجد أخيراً ما كان يبحث عنه في كتب الفلسفة.
اقترب مني أحد الطلاب:
— “شايف يا دكتور؟… دي حياة.”
رفعتُ صوتي معهم:
— “حرية… سلام… وعدالة…”
ثم… حدث شيء. فالصوت الذي كان يهتف قبل قليل انكسر فجأة. كأن أحدهم أطفأه بيده. ثم ارتبك الناس، وتحركوا بلا اتجاه. هناك رأيتُ حاتم. كان قريباً… أكثر مما ينبغي. نظر إليّ، وكان في عينيه شيء هادئ… على غير عادته. كأنه… لم يعد يبحث عن إجابة.
خطوتُ نحوه. أو حاولت. لكن الأرض لم تعد كما كانت.
لا أعرف كم مضى من الوقت، لكنني رأيت القاعة 102 بوضوح. السبورة. اسمي…وما زال مكتوباً عليها.
تذكرتُ سؤالي:
— “من منكم يقرأ الرواية؟”
هذه المرة… لم أنتظر إجابة. ربما… هذه المرة… نحن من كُتبنا.
عثمان يوسف خليل
osmanyousif1@icloud.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم