حارسةُ النيرانِ وسيدةُ الصبر.. المرأة السودانية.. قديسةُ الشقاءِ والرجاء

محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com

بينما كانت نيرانُ الحرب تلتهمُ الأخضر واليابس وتقلبُ موازين الطمأنينة في القلوب وقفت المرأة السودانية كجدارٍ أخير يحمي ما تبقى من قدسية “البيت” وروح “العائلة” هي لم تكن مجرد شاهدة على المأساة بل كانت البطلة التي تمسكُ بزمام الروح وسط الانهيار والقابضة على جمرِ الحفاظ على الكرامة في زمنِ الشتات.
منذُ الوهلة الأولى للأزمة تجلت المرأة السودانية كقوةٍ ناعمة وجبارة في آنٍ واحد هي التي تدبرت شؤون البقاء بأقل القليل وهي التي حولت “مراكز النزوح” بلمساتها الحانية إلى أمكنةٍ صالحة للحياة إنها “الكنداكة” التي لم تكتفِ بهتافات الشوارع بل خاضت معركة “البقاء اليومي”؛ فصنعت من العدم زاداً ومن الخوفِ أماناً لأطفالها كاتمةً أنينها خلف ابتسامةٍ صابرة تطمئن بها القلوب المرتجفة.
لم تنكسر المرأة السودانية رغم فداحة الفقد؛ فقد كانت هي المواسية وهي المكلومة، وهي المدبرة وهي المحرومة. في المنافي والنزوح برزت كمنتجة وكعاملة وكمعلمة ترفضُ أن تمدَّ يد المسألة مفضلةً الكدح بكرامةٍ تليقُ بميراث جداتها العظيمات. إنها “ملح الأرض” الذي يمنعُ المجتمع من التحلل والانهيار وهي الخيط المتين الذي يربطُ شتات الأسر السودانية المبعثرة في بقاع الأرض.
في عينيها تلمحُ حزن النيل لكن في وقفتها تجدُ ثبات الجبال هي التي تحفظُ اليوم هوية السودان في وجدان الأجيال الجديدة؛ تحكي لهم عن “الوطن” الذي سيعود وتغرس فيهم قيم “العز” و”النفير” التي نشأت عليها. إنها لا تحمي الأجساد فحسب بل تحمي “الذاكرة السودانية” من الاندثار وسط ركام الحرب وغبار الاغتراب.
إنَّ انحناء التاريخ تقديراً للمرأة السودانية ليس تفضلاً بل هو استحقاقٌ لمن جعلت من صدرها درعاً للوطن ومن حجرها ملاذاً للهاربين من جحيم الواقع. هي باقيةٌ ما بقيَ النيل شامخةٌ لا تزيدها الخطوب إلا ألقاً وقابضةٌ على جمرِ الأمل حتى ينبلج فجر الخلاص.

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

تحت ركام الذاكرة… أنتِ نبضٌ يأبى التفحم

محمد صالح محمدتتصاعدُ أعمدةُ الدخان لتطمس ملامح السماء وتتشقق الأرضُ تحت وطأة الحديد والنار حتى …