إن فوكس
نجيب عبدالرحيم
najeebwm@hotmail.com
حرب السودان العبثية المدمرة، التي دخلت عامها الرابع، لم تعد مجرد صراع مسلح بين أطراف متنازعة، بل تحولت إلى مأساة وطنية شاملة تتآكل فيها الدولة، ويُستنزف فيها الإنسان، وتُهدر فيها كل مقومات البقاء. وإذا كان طرفا الحرب يظنان أن إطالة أمد الصراع تصب في صالحهما، فإن الوقائع على الأرض تثبت أن الخسارة جماعية، وأن الضحية الحقيقية هي المواطن والوطن معاً.
أربع سنوات من الحرب كانت كفيلة بأن تأكل الأخضر واليابس، وتكشف عن تخبط واضح في إدارة الأزمة، وغياب رؤية استراتيجية تضع مصلحة السودان فوق حسابات القوة والنفوذ. وفي ظل هذا الانهيار، يدفع المواطن السوداني فاتورة باهظة لحرب لم يكن طرفًا فيها، حرب فرضت عليه واقعًا قاسيًا من النزوح، وفقدان الأحبة، والانهيار الاقتصادي، وانعدام الأمن.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة، أن ما يُسوَّق له تحت مسمى (الكرامة) لا يمكن أن يُبنى على أنقاض بيوت الفقراء وآلام البسطاء. الكرامة الحقيقية لا تُصنع بالحرب، ولا تُستمد من معاناة الأبرياء، بل تُبنى على حفظ الإنسان وصون كرامته وحماية حقوقه. والمسؤولية في هذه المأساة لا تقع فقط على من يحمل السلاح، بل تشمل كل من أسهم في إشعال الحرب أو التحريض عليها أو تبريرها، بالكلمة أو بالفعل.
عن أي كرامة نتحدث، وأبناء السودان مشردون في الداخل والخارج، يواجهون الجوع والخوف والمرض، ويعيشون في ظروف إنسانية بالغة القسوة؟ عن أي انتصار يُعلن، بينما الواقع يؤكد أن الحرب لم تنتهِ إلا في الخطاب الإعلامي، لكنها لا تزال مستعرة في الميدان، تحصد المزيد من الأرواح وتبدد ما تبقى من آمال العودة والاستقرار؟
ما يحدث في مدن مثل الكرمك وغيرها ليس إلا دليلًا على أن هذه الحرب تتجدد بأشكال أكثر شراسة، حاملة معها موجات جديدة من الموت المجاني والمعاناة. وفي ظل هذا المشهد، يصبح الحديث عن (الحسم) أقرب إلى الوهم، إذ لا توجد مؤشرات حقيقية على إمكانية انتصار حاسم لأي طرف، بقدر ما يبدو أن الهدف الضمني هو إعادة تشكيل المشهد السياسي بما يسمح بعودة قوى قديمة في ثوب جديد، بما يحمله ذلك من استقرار هش أو صراع مؤجل.
ولا ينبغي أن نغفل أن الحرب لا تُخاض بالبندقية وحدها، بل بالكلمة أيضًا. فالكلمة التي تحرض، وتبث الكراهية، وتبرر العنف، قد تكون أشد فتكًا من الرصاص، لأنها تهيئ العقول لقبول القتل وتطبيع الدماء. وكما قيل:
جراحاتُ السنانِ لها التئامُ
ولا يُلتامُ ما جرحَ اللسانُ
لقد أصبح الحسم العسكري مستحيلاً، لأن كلفة الاستمرار تفوق أي مكسب متوهم، ولأن السودان لم يُخلق ليكون ساحة لتصفية الحسابات، ولا ميدانًا لمغامرات عسكرية، ولا منصة لصراعات إقليمية ودولية.
لقد فقدنا خيرة الشباب، وشُرِّدت الأسر، ودُمِّرت المدن، وأُحرقت البيوت، في ظل غياب دولة القانون وانهيار منظومة العدالة. ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية والتاريخية تفرض على من بيدهم القرار أن يضعوا حدًا لهذه الحرب، وأن يعملوا على إعادة الأمن والاستقرار، والحفاظ على ما تبقى من الوطن.
إن وقف الحرب لم يعد خيارًاً، بل ضرورة وجودية. وإحياء مسارات الحلول السياسية، مثل المبادرات الإقليمية والدولية، يمثل نافذة أمل حقيقية، يجب التمسك بها للخروج من هذا النفق المظلم.
ستظل ثورة ديسمبر حاضرة في وجدان الشعب السوداني، ولن تمحوها أصوات البنادق، لأنها تعبير صادق عن إرادة الحرية والكرامة والسلام.
لا للحرب… نعم للسلام.
لا للانقسام… نعم لوحدة السودان.
نقول بلغة الديسمبريون سلم .. سلم حكم مدني .. وتنتهي الأزمة التي صنعتوها بأيديكم
المجد والخلود للشهداء،
ولك الله يا وطني… فغدًا، رغم كل شيء، ستشرق شمسك
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم