جمال محمد ابراهيم
فيما نتابع مجريات الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية، منذ صبـيحـة اليــوم الأخيرمن شهر فبراير/شباط 2026، تذكّرت تعلـيقـاً قـرأته قـبل سـنوات، جـاء عـلـى لـســان الزَّعيم اللبناني الرّاحل رياض الصُّلح ، أول رئيس وزراء في لـبـنان. تقـول القصّة انّ الزَّعيم الصُّلح قـرأ تحليـــلاً كتبه الدكتور شارل مالك عام 1947، حـول قضية فـلسطيـن وقرار التقسـيم، جاء فـيـه : “إنْ لم نقبل بما بين أيدينا (يقصد قرار تقسيم فلسطين) خلال سـبعة أشـهـر، سـتكون تلك خسارتنا الأولى ( وقد وقعت بالفعل نكبة 1948) ، فإن لم نقـبل خــلال ســـبـعـة أعوام، ستكون خسارة ثانية (وقد وقع العدوان الثلاثي عام 1956) ، وإن رفضنا للمرّة الثالثة ، فقد تكون بعد سبعين عاما ، بقي منها عشرة أعوام، (وقعـت حربٌ بالفعـل في يونيو/حزيران 1967).
قال الرَّاحلُ رياض الصُّلح : “هـذا الرّجل (ويقصد شــارل مالـك): إمّــا نـبي أو غـبي. . !” ولقد كان الفيلسوف شارل مالك غبياً ، كما ترى ونحن في عام 2026 ، بعد سـبعين عاماً من مقولته ، والشــرق الأوسـط مشتعلٌ في حرائقـه، وكـلا الرّجلـيــن – الصّلح ومالك- في ذمّـة الله، و لم يشهدا هذا الخـراب الماثل.
(2)
للتاريخ البشري دوراته بين اختلافات وتوافـقات، بين اهتزازات واسـتقـرار،
بين حـربٍ وسـلام. ودون الولوج إلى صفحــات الـتاريخ المـلـيء بأمثـلة لا تعـدَّ ولا تُحصى، عن ظاهرة الاستعمار الكولونيالي، والتي رســم جغرافـيتها متنفِّذون منــذ أكثر مـن قـرنيـن من الزمان، فإن التاريخ القـريب يُحــدّث أيضاً عن إخـفاقاتٍ لا تعـدّ ولا تحصى. ثمّـة كبــار استكبروا على ضعـفاءـ العـالـم، وانداحـــت دوائر الظــلــم والمظلوميات الانسـانية من حقبة إلى حقـبة ، حتى وصلنا للحــربيـن الأولـى والثانيــة . توافق العالم على ضرورة الحفاظ على السِّــلم والأمـن لينعـم بهما المجتمع الدولــي بكامله، تحت ظلال عيش مشترك. ولإنجاز تلك المباديء والأهــداف السـامية ، صِـيغ ميثاق الأمـم المتحـدة، وأنشـئت المنظمة الأممية لترعاه. غير أن ما أنشيء لم يكن مثالياً خرجت تلك المنظمـة قاصـرة مبتورة اليـد. في واقـع الأمـر، ظـلَّ التـوافـــق مُختـلاً فتحولـت الحــروب السّاخنة إلى أخرى باردة . تمــدّدت حقـبة الحرب الـباردة لعـقــودٍ طوال ، وما انطوتْ صفحـاتها إلا في نهـايات القـرن العشـرين، وبعـدها حـلـتْ حـقـبـة الاستخفاف بالمباديء والقيَم الدولية.
(3)
ظلت مباديء العيش المشترك بين شعوب الأرض تواجه تحدّيات عدالة التنفيذ، إذ حفظُ الأمنِ والسلم ، يستوجب أن تكون لتلك المنظمة أسنانٌ تكبح جمـاح الظــالميـن والمستعمرين القـُدامَى، وتحمي في ذات الوقـت، حـقـوق المستضعـفـيـن الطامعيـن في عــدالـة الأرض.. إلا أن الظلم تواصل وبقي العالم في أطـرافـه، غـارقاً في خـلافاتٍ وصراعاتٍ وحروبٍ لعقودٍ تتالتْ.
ما أكثر ما ردّد السياسيون والأكاديمون والمفكرون وعلماء الجغـرافيا السـياســية ، ينبِّهون للتنوير حول مآلات البشرية، وقد تعاظمت أمامها تحديات ومهــدّدات الوجود البشري أمام الانفجار السكاني وتناقص المـوارد وقضايا الطاقة والمناخ والاستحرار وغيرها مما ضاعف من أزمات وعقابيل .
(4)
لقد تواصل استعار الصَّراعات والحروب، فيما بقي الطامعون الكبار على حالهم يناورون، والمستضعفون على قلة حيلهم منتظرون. “روبرت كابلان” مفكِّر أمريكي متخصّص في العلاقات الدولية ، نشر كتاباً عنونه “انتقام الجغرافيا”، صدر في عام 2012، حدث عن الصراعات المتوقعة في السَّاحة الدوليـة. جراء الاعتلالات والاختلالات في مصائر البلدان والشعوب ، خاصّة تلك الناتجة من تصرّفات جرتْ خلال الحقب الكولونيالية، وما حملت من عشوائيةِ تقسيمات الدول والبلدان، والتي لم تكن لها معــايير تراعي طبيعة المجتمعات ، وتباين إثنياتها وألسـنتها وعـقــائدها. من إفرازات ذلك التاريخ، ما نشهد الآن من نزاعاتٍ وصراعات ، فصار الحال كأنَّه حال حرب عالمية ثالثـة. . ليسَ كما قال “كابلان” هـو انتقام الجغرافيا وحدها ، بل انتقام الجغرافيا والتاريخ معـاً.
(5)
ليس لنا أن نجزع من نبوءات مُفكّرين نابهين، مثل “هنتنجتن” أو “فوكوياما” أو “كابلان” أو “شـارل مالـك”، إنّما المخيف بالفعل، أن يبرز في السّـاحة الدولـية وأنْ يعتلى منصاتها ، سياسـيون لا يأبهون لحركة التاريخ، ولا ينظرون في دروسـه وعبره . هُـم مُتنفّـذون ليس لهم صبرٌ للاستماع لمن يستشار أو يستنصح. رجالٌ ورؤساء من نوع رئيس الولايات المتحدة: دونالد ترامب ، من يندفعون لتغيير التاريخ والجغرافيا، ببصيرة غائبة وبصر قصير. رئيس يغيّر وزارة الدفاع عنده إلى وزارة للحرب ، ثم ينشيء منصّـة للسـلام، وبعدها يسـارع ليشعل حرباً عـالمية ثالـثـة ليدخل التاريخ. ليذهب المفكرون والأكاديميون- في ظنّه السّــقيم – إلى غيابة جُبٍ عميـق، والبقاء في شرعته مستحقٌ لشراذم المحتالين وتجّـار الصفقات ومحترفي البلطجـة بامتياز ، من أتباع لعيـنٍ إسـمه “إبســـتين”. هُم من يزيِّنون للأمريكي المندفع ليرهن إرادته لرئيس إسرائيل “نتنياهو” الحالم زوراً بالسيطرة على كامل الشرق الأوسط بقعة توراتية . يذهب الظلم الإسرائيلي جُفاءاً والذي يمكث في الأرض هو الحقُّ الفلسطيني.
رحم الله رجالا كباراً مثل الزعيم الصُّلح والحكيم شارل مالـك ، هم من رجال كُثر احترموا تاريخهم واحترمهم التاريخ.
القاهرة – 4/3/2026
jamalim@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم