محمد صالح محمد
هناك تفاصيل في الحياة نمرّ بها عابرين وهناك تفاصيل تمرّ بنا فتستوطننا وتُعيد تشكيل خارطة قلوبنا من جديد. ومن بين كل الأشياء التي انطبعت في جدار ذاكرتي وثُبّتت في عمق روحي و ستظل عيناها هي الحقيقة الوحيدة التي لا يطالها النسيان. إنها ليست مجرد ملامح بل هي وطنٌ رُسِم من فيض الحب ونُحت بأزاميل الشجن وبات مستحيلاً… مستحيلاً أن أنسى عيونها.
لغة الضوء والدمع :
كانت عيناها هما الملاذ. كنت أقرأ فيهما قصائد لم تُكتب بعد وأرى في عمقهما امتداداً لكونٍ موازٍ مليء بالدفء والسلام. كانت لغة عيونها تتجاوز حدود الحروف البسيطة؛ ففي بريقها فرح طفولي يمحو عن كاهلي تعب الأيام وفي التفاتتها حنان يضمد جراح الروح التي لم يلحظها أحد سواها.
كم كان جميلاً ذلك الغرق الاختياري في بحر تلك النظرات حيث يتحول الوقت إلى محض وهم وتصبح النبضات هي المقياس الوحيد للزمن. لقد أحببتها بكل ما أوتيت من قدرة على النبض وكانت عيناها هما المحرّاب الأول والأخير لهذا العشق الطاهر.
حين غمرنا الشجن :
لكن الحياة في تقلباتها القاسية لا تترك الفرح مكتملاً. سرعان ما تسلل الشجن ليرسم ظلالاً داكنة حول تلك الواحةو تحولت تلك العيون التي كانت تشع أملاً إلى مرايا تعكس حزناً عميقاً حزناً رقيقاً يشبه غيوم الخريف قبل المطر.
أصبح لكل نظرة قصة مغلفة بالدموع العالقة ولكل رفة جفن غصة صامتة تعجز الكلمات عن شرحه و يؤلمني أن أحس الحزن يسكن العيون التي علمتني الفرح ويحرقني عجزي أمام خطوط القدر التي بدأت تأخذني في مسارات متباعدة. ومع ذلك حتى وهي مثقلة بالانكسار كانت أجمل ما رأت عيناي.
الوداع والذاكرة الأبدية:
رحلتْ هي أو ربما رحلتْ بها الأيام و لكنها تركت خلفها إرثاً من الحنين لا يفنى. غابت التفاصيل الصغيرة، بهتت الأصوات، وتلاشت الأماكن مع مرور الوقت إلا تلك العيون. إنها تلاحقني في عتمة الليل وتشرق عليّ مع خيوط الصباح الأولى.
“يقولون إن النسيان نعمة لكنني أرى في نسيان عيونها خيانة لكل لحظة حب عشناها”
مستحيل أن أنسى عيونها؛ لأنها لم تكن مجرد جزء من وجه بل كانت النافذة التي رأيت منها أجمل نسخة من نفسي والباب الذي دخلت منه إلى عالم العشق الحقيقي. واليوم يتنازعني حب جارف لما كان وحزن مقيم على ما ضاع وشجن يرافقني كظلي… مستسلمًا لحقيقة واحدة أنني سأظل أذكر تلك العيون حتى يغلق الموت عينيّ.
أقف اليوم على أطلال ذلك الحب و يحاصرني صمت المكان وتخنقني عبرات الحنين. لقد انطفأت من حولي كل الأنوار و غابت الوجوه و تلاشت ملامح هذا العالم و لم يتبقَ في عتمة أيامي سوى طيف عينيها؛ ينظر إليّ بعتابٍ صامت ويمطر روحي بوجعٍ لا يهدأ.
أغمض عينيّ هرباً من الواقع فـأجدهما شاخصتين في قلبي وكأن القدر قد حكم عليّ أن أعيش بقية عمري مسجوناً في زنزانة الذاكرة.
كم هو مرعب ومبكي أن أدرك بأنني سأقضي ما تبقى من سنواتي أبحث عن وجهها في وجوه العابرين وأفتش عن بريق نظرتها في كل عين تلتقي بعيني وأنا علم اليقين أن الزمن لن يجود بمثلها أبداً.
حبيبتي الراحلة في غيابات الغياب يا من أخذتِ معكِ ضحكتي وتركتِ لي جحيماً من الأشواق… سأبكي عيونكِ وسأظل أحبكِ بهذا الانكسار وبهذه اللوعة وبهذا الوفاء اليتيم.
وإذا كان اللقاء في الدنيا مستحيلاً فإني أرجو الله أن تكون عيناكِ هي أول ما تقع عليه عيني في عالمٍ آخر، عالمٍ لا يعرف الفراق ولا يوجع القلوب. وحتى ذلك الحين سأبقى أقتات على ذكراكِ وأموت في كل يومٍ تموت فيه الكلمات على شفتيّ وأنا أردد بحرقة مستحيل أن أنسى عيونك ياحبيبتي.
binsalihandpartners@gmail.com
