حلايب وشلاتين وأبو رماد: نصٌّ لمصر وإدارةٌ للسودان وسيادةٌ تنتظر قاضيًا. كيف صنع خطّا 1899 و1902 مثلثًا بلا حكم، ولماذا تدفع الحدودُ الرخوة ثمنها اليوم ذهبًا ودماءً؟
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
ينطلق المقال من أن نزاع حلايب وشلاتين وأبو رماد نموذج مكثف لمشكلة الحدود الأفريقية الموروثة عن الإدارة الاستعمارية، وأن أيًّا من الطرفين لا يستند إلى دعوى بلا أساس. ويرى أن الترجيح بينهما يتوقف على سؤال سابق: هل السند هو نص اتفاقية 1899 أم الخط الإداري لعام 1902 وما ترتب عليه من إدارة ممتدة؟ ولأن أي هيئة قضائية لم تنظر هذا السؤال، يبقى النزاع معلّقًا بين حجج متكافئة نسبيًا، ويدفع الناس ثمن ذلك في الواقع. وتجمع الدراسة في تحليل واحد النصوص والخرائط والممارسة والقواعد القانونية والأحداث الأحدث، وتحدد ما ينقص الملف من أدلة. وقد رُتبت الفصول على نحو يبدأ بالسياق، ثم مصادر الحق، ثم القواعد الحاكمة، ثم تطبيقها على الأدلة، ثم الاستشراف والتوصية. واعتمد المقال منهجًا وثائقيًا عقائديًا يجمع النصوص التعاقدية ووثائق الأمم المتحدة وأحكام محكمة العدل الدولية وهيئات التحكيم والدراسات الأكاديمية وتقارير مراكز الفكر والوكالات والصحافة. وتقرّ الدراسة بحدودها: لم تُراجَع ملفات الأرشيف البريطاني وأرشيف دورهام مباشرة، وأُخذت تفاصيل بعض الرسائل الدبلوماسية عبر وسيط صحفي، وبعض الوقائع الحديثة بقيت ادعاءات لم يتأكد منها مصدر مستقل، ولا تدّعي الدراسة اختصاص الفصل في النزاع.
يتناول المقال أولًا جغرافيا المثلث وسكانه وموارده. تتراوح مساحته بين نحو 18 ألفًا و25 ألف كم² بحسب التعريف، وأكثر التقديرات تداولًا 20,580 كم². وتضم المنطقة بلدات حلايب وأبو رماد وشلاتين ورأس الحدربة ومرسى حميرة وأبرق، ويقدَّر سكانها بنحو 27 ألف نسمة من البشاريين والعبابدة وهم من البجا، ومعهم نوبيون. وتشير دراسة سودانية إلى أن البجا أكبر المجموعات في شرق السودان، وتخلص إلى أن بعض مجموعاتهم لم تكن تاريخيًا جزءًا من مصر. ويقابل ذلك أن العبابدة ينتشرون على الجانب المصري أيضًا، فالحجة الإثنية سلاح ذو حدين ولا تحسم السيادة، لكنها تُبقي حاجة السكان إلى حرية الحركة والرعي والتجارة قائمة. وتزيد قيمة المنطقة بما فيها من فوسفات ومنغنيز وذهب وإمكانات نفطية. وقد توالت امتيازات التنقيب عام 1978 وعام 1992، ونشرت وزارة الطاقة السودانية خريطة امتيازات أدرجت المثلث للمزايدة. وفي ظل الحرب السودانية منذ أبريل 2023 اتسع التعدين الأهلي وتهريب الذهب إلى مصر، ونُسب إلى مركز تشاتام هاوس تقدير بأن نحو 60% من صادرات الذهب غير الرسمية تنتهي هناك. ويتصل بالمثلث بعد بحري يتعلق بالحدود مع السعودية وبقناة السويس، وقد قال الرئيس المصري إن بلاده خسرت نحو 9 مليارات دولار من عائدات القناة خلال عامين من اضطراب البحر الأحمر. ويتصل النزاع كذلك بملف مياه النيل واتفاقية 1959.
ثم يفحص المقال الصكين الاستعماريين. وقّعت اتفاقية الحكم الثنائي في القاهرة في 19 يناير 1899 بعد سنة من هزيمة الدولة المهدية، وعرّفت مادتها الأولى «السودان» بأنه الأراضي جنوب خط 22° شمالًا وفق شروط ثلاثة، فوقعت حلايب شمال الخط ضمن مصر نصًّا. غير أن النص تعريفي لإقليم الإدارة المشتركة ولا يتضمن ترسيمًا ميدانيًا، وكان السودان كيانًا تحت سيادة مشتركة تهيمن عليها بريطانيا لا دولة مستقلة، وهو ما يجعل سؤال الخلافة معقدًا. وتبقى مسألة أثر اتفاقية 1953 على تعريف الإقليم بحاجة إلى فحص نصها الأصلي. أما قرارات 1902 فقد صدرت لمعالجة تقسيم الخط للقبائل وعزل البشاريين عن مياه حلايب. وتتعدد الروايات في تاريخها بين يونيو ويوليو ونوفمبر 1902 وفي الجهة المصدِرة بين الداخلية والحربية، وتتفق على أنها وضعت نحو 7 آلاف ميل مربع تحت الإدارة السودانية وألحقت بير طويل بالإدارة المصرية. وترى مصر أن القرار الإداري لا يلغي معاهدة ولا يتضمن تنازلًا عن السيادة، وأن الحيازة تتطلب أن تكون سلمية ودون احتجاج. ويرى السودان أنه حاز المنطقة وأدارها بقرار من داخل الدولة المصرية نفسها ومارس فيها مظاهر السيادة. ويرفض المقال خطاب الطعن في أصل الاتفاقيات لأنه الاستعمار، إذ إن مبدأ استقرار الحدود الأفريقية جاء لقطع هذا الباب.
وفي الخرائط، تُظهر الوثائق البريطانية حضور الخطين معًا. ففي 1979 طلب الخبير الهيدروغرافي المصري حذف الخط الإداري، فرفضت لندن إلا بطلب مشترك مصري وسوداني، وأوصت دراسة الحدود الدولية الأمريكية رقم 18 عام 1962 بإعطاء الأولوية للخط الإداري في التلوين. وفي المقابل أدرجت الخرائط المصرية المثلث داخل مصر قبل الاستقلال وبعده، وأعادت وزارة الدفاع المصرية تأكيد خط 1899 في يناير 2020. وأعاد احتجاج السودان على خريطة الاتحاد الأفريقي في فبراير 2021 النزاع إلى الواجهة. ووفق قضاء المحكمة في قضيتي بوركينا فاسو/مالي ومعبد برياه فيهيار، لا تُعدّ الخرائط سندًا بذاتها بل أدلة مؤيدة، ويكون لها وزن حين تصدر ضد مصلحة صاحبها أو يُسكت عنها طويلًا. ولذلك يضعف وزن الخرائط المصرية لأنها ذاتية، ويقوى دليل الخرائط البريطانية والأمريكية على الاعتراف العملي بالخط الإداري.
ثم يتتبع المقال ممارسة الطرفين منذ الاستقلال في 1956. ففي 1958 أرسلت مصر مذكرة اعتراضًا على قانون الانتخابات السوداني، وحشدت قوات، فشكا السودان إلى مجلس الأمن في 20 فبراير 1958. وانتهت الأزمة بتهدئة سياسية، وجرت الانتخابات السودانية في 27 فبراير 1958. وتحتج مصر بأن احتجاجها يثبت أنها لم تقبل بالتصرف السوداني، ويحتج السودان بأنها لم تحتج قبل ذلك طوال أكثر من نصف قرن. وفي 1978 أثار امتياز «تكساس إيسترن» اعتراضًا مصريًا وانتهى بتفاهم بين السادات ونميري يحفظ نصيب مصر من أي نفط شمال الخط. وتدل وثائق بريطانية على أن رخص التعدين كانت تصدر من الحكومة المصرية رغم الإدارة السودانية، وأن الشركة المصرية للفوسفات عملت نحو خمسة وسبعين عامًا. وفي 1992 و1993 منح السودان امتيازًا لشركة كندية، وشكا في 31 ديسمبر 1992 من توغل مصري، وتبع ذلك اشتباك محدود وإغلاق متبادل للقنصليات. وأحكمت مصر سيطرتها بعد محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا عام 1995، وانسحبت القوات السودانية عام 2000. واستمر الاحتجاج السوداني بتجديد الشكوى سنويًا، مع تذبذب عملي كما في انتخابات 2010، بينما أجرت مصر انتخابات 2011 شاملة المنطقة.
أما القواعد القانونية، فتتقاطع فيها قاعدتان. الأولى استقرار الحدود التعاقدية، وتستدل بها مصر بالاستناد إلى 1899 وإلى المادة 11 من اتفاقية فيينا لخلافة الدول لعام 1978. والثانية حيازة الحدود الموروثة، ويستدل بها السودان بالاستناد إلى قرار منظمة الوحدة الأفريقية في القاهرة عام 1964 وإلى الميثاق التأسيسي للاتحاد الأفريقي، ويقول إن الحد القائم فعلًا في 1956 هو الخط الإداري. وتعترض مصر بأن المبدأ يفترض تقسيمًا استعماريًا إداريًا لا حدًّا بين دولة مستقلة وكيان آخر. ويطرح المقال حجة قابلة للتطوير هي أن الممارسة اللاحقة بين 1902 و1956 قد تُقرأ تفسيرًا لمعنى «السودان» في المادة الأولى. ويُقيَّم أثر أعمال الإدارة وفق القانون وقت وقوعها، أي بوصفها أعمالًا للحكم الثنائي الذي كانت مصر طرفًا فيه. وتُرجَّح الفعالية الإدارية حيث لا سند، ويُرجَّح السند إن تعارض معها، فيتوقف أي تقدير على تحديد السند أولًا. وقد قطع الطرفان قرينة السكوت بالاحتجاج. ويُتناول التقرير المنسوب إلى مجلس السيادة عام 2025 بأنه ادعاء غير مؤكد وضعيف الأثر القانوني حتى لو صح، لأن التصريحات الأحادية لا تلزم إلا إذا صدرت عن جهة مختصة بقصد الالتزام. ويقيّد الدستور المصري التنازل عن الإقليم في مادته 151.
وتكشف مفارقة بير طويل انتقائية الصكوك، إذ يطالب كل طرف بالمثلث الأكبر ويتخلى عن الأصغر، فلا تُرجى تسوية قائمة على خط واحد دون فتح مطلب في الأرض الأخرى. ويتشابك البحر باليابسة، فقد اعترض السودان على نقاط الأساس في الاتفاقية المصرية السعودية لعام 2016، وردّت مصر بإعلان إلى الأمم المتحدة في ديسمبر 2017، وأودع السودان خطوط أساسه البحرية في 2017. ويرى خبير سوداني أن محاكم قانون البحار لا تختص ما دام نزاع السيادة البري قائمًا، وهو ما يتفق مع قرار تحكيم تشاغوس. ويستذكر المقال اتفاقية السودان والسعودية لعام 1974 بشأن المنطقة المشتركة في أعماق البحر الأحمر سابقةً في الاستغلال المشترك.
وفي مسارات الفصل، يشير المقال إلى أن القضاء يحتاج إلى رضا الطرفين، وأن السودان يدعو إلى التفاوض أو التحكيم على غرار طابا وتيران وصنافير، وأن مصر ترفض وتؤكد أن المنطقة مصرية. وتفسر هذا الرفض اعتبارات منها القيد الدستوري وحساسية الرأي العام، بينما يتردد السودان لانشغاله بالحروب الداخلية وتفاوت مواقف مؤسساته. ويبقى وجود الشكوى على جدول مجلس الأمن حافظًا للحق لا فاصلًا فيه. وتذكر تقارير مراكز الفكر أن حكومة ما بعد البشير أبدت اهتمامًا بإعادة تأكيد حقوقها الإقليمية.
وفي الأحداث الأحدث، شكّل احتجاج السودان على خريطة الاتحاد الأفريقي في 2021 والتقرير غير المؤكد في 2025 حلقتين في نزاع الخرائط. ثم وقعت في 10 أكتوبر 2026 غارة جوية على منجم ذهب قرب الحدود قتلت 72 عاملًا على الأقل بحسب «محامي الطوارئ»، ونسبتها المنظمة إلى الطيران المصري وقالت إنها وقعت داخل الأراضي السودانية. وسبقتها غارات في يونيو قتلت 23 عاملًا وأعقبتها حملة أمنية مصرية اعتُقل فيها المئات. وقالت «رويترز» إنها لم تتحقق من النسبة، ولم يعلّق الجيش المصري، ولم تحمّل الحكومة السودانية مصر مباشرة، ونقلت عن مسؤولين مصريين أن الضربة هدفت إلى إنهاء «الفوضى». وتتباين التقارير في تحديد الموقع داخل المثلث أو جنوبه، وهو تباين مهم لتكييف الواقعة. وشكّل مجلس السيادة لجنة لتقصي الحقائق، وتبحث القاهرة والخرطوم إطارًا أمنيًا مشتركًا، وسط غضب شعبي في السودان وحادثة قتل انتقامي لمصريين في الخرطوم. وتدل هذه الوقائع على أن النزاع تحول من خرائط إلى أمن بشري وحوكمة موارد.
وتقدم الدروس المقارنة عدة خلاصات. فطابا تُظهر أن التحكيم يتم باتفاق خاص يحدد المسألة بدقة. وتُظهر قضية أبيي أن محكمة التحكيم الدائمة اعتدّت عام 2009 بنقل إداري استعماري لعام 1905 مرجعًا للحدود، وهو ما يدعم منطقيًا حجة السودان مع اختلاف أن أبيي نزاع داخلي. وتُظهر برياه فيهيار أن السكوت قد يحسم، وكاسيكيلي/سيدودو أن المعاهدات الاستعمارية تُفسَّر بالقواعد المعتادة، وقرارات إريتريا وإثيوبيا أن الحكم القانوني بلا إرادة تنفيذ لا ينهي النزاع. وتُبرز قضية الفشقة تداخل المعاهدات الاستعمارية مع الواقع الزراعي. ويخلص المقال إلى أن الحسم يتطلب إرادة سياسية بالإحالة إلى هيئة محايدة، وملفًا وثائقيًا متماسكًا، وتحديدًا دقيقًا لما يُعرض.
وفي المقاربات المبتكرة، يدعو المقال إلى استثمار مقترحات سابقة بالاستغلال المشترك والحل التكاملي، ضمن ترتيبات لا تمس السيادة وتتضمن بند عدم الإخلال بالمواقف القانونية، وإلى مقاربة الحدود بوصفها عملية تضع البجا والعبابدة فاعلين. ويقترح لجنة توثيق مشتركة وآلية حدودية بوساطة أفريقية وقاعدة بيانات سكانية وخدمية محايدة. وللسودان خاصة يقترح بناء ملف قانوني موحد يختار أساس المطالبة بوضوح ويتجنب الطعن في أصل الاتفاقيات، وحصر وثائق الإدارة السودانية بين 1902 و1992 وحمايتها، ومواصلة تجديد الشكوى والرد على إعلان مصر لعام 2017، وضبط التعليمات الرسمية المتعلقة بالخرائط عبر القنوات الدستورية، والتفاوض مع السعودية بصيغ عدم الإخلال، وفتح تحقيق مستقل وشفاف في مقتل عمال المنجم وتنظيم التعدين الأهلي، وعرض اتفاق تحكيم خاص على مصر في وقت هدوء.
وتخلص الدراسة نقديًا إلى أن لحجة مصر قوة في النص واستقرار الحدود التعاقدية والفعالية منذ التسعينيات، وضعفًا في أن الترتيب الإداري صدر عن الدولة المصرية ولم تحتج عليه قبل 1958. ولحجة السودان قوة في الإدارة المستمرة منذ 1902 وبقاء الخط الإداري في الخرائط ورفض لندن حذفه، وضعفًا في إدارية القرارات وعدم وجود دولة سودانية وقتها وتذبذب السلوك العملي. وتتحدد النتائج في أن النزاع غير محسوم قضائيًا وأن الترجيح يتوقف على تحديد السند، وأن الاحتجاجات المتبادلة تنفي قرينة التنازل، وأن الخرائط ليست حاسمة لكنها تدل على اعتراف عملي بالخط الإداري، وأن بير طويل تكشف انتقائية الصكوك، وأن الوقائع الأخيرة تجعل الإدارة المشتركة والتعاون الحدودي أقرب من التحكيم. وتقيّد هذه الخلاصات حدود الدراسة: وساطة الأدلة الوثائقية، واصطفافات الروايات، وطابعها التحليلي غير الملزم، واحتمال أن يمزج القضاء بين السند والفعالية وتوقعات السكان. ويؤكد المقال أن الحدود الرخوة تدفع الإنسانية ثمنها قبل الدبلوماسية، وأن الأولوية الواقعية قبل أي حل قضائي ترتيبات مؤقتة لا تمس الحقوق، وتحمي السكان وتنظم الموارد. ويدعو البحث اللاحق إلى مراجعة الأرشيفات الأصلية في بريطانيا ومصر والسودان، وإجراء دراسة ميدانية للسكان، وتحليل مقارن أوسع، وتقصٍّ مستقل لحوادث أكتوبر 2026.
النص الكامل للمقال
مثلثٌ بلا حَكَم: السؤال المركزي والحجة الأساسية وحدود الدراسة ومنهجية ترتيب الفصول
لا يمثل نزاع حلايب وشلاتين وأبو رماد خلافًا على خطٍّ في الصحراء فحسب. إنه نموذج مكثّف لمشكلة أوسع هي الحدود الأفريقية الموروثة عن الإدارة الإمبراطورية، حيث تتجاور في وثائق الأرشيف الواحد خطوط سياسية وخطوط إدارية رُسمت لأغراض عملية، ثم تتحول لاحقًا إلى حدود بين دول ذات سيادة. وتنطلق هذه الدراسة من حجة مركزية مفادها أن أيًّا من الطرفين لا يستند إلى دعوى بلا أساس، وأن الترجيح بينهما يتوقف على سؤال سابق: أيُّ الصكّين هو السند الذي يُقاس به الحق، نص اتفاقية 1899 أم الخط الإداري لعام 1902 وما ترتب عليه من إدارة ممتدة؟ ولأن هذا السؤال لم يُعرض على أي هيئة قضائية، فإن النزاع يبقى معلّقًا بين حجج متكافئة نسبيًا، ويدفع الناس ثمن هذا التعليق في الواقع، كما أظهرت أحداث أكتوبر 2026. وتضيف الدراسة إلى الأدبيات القائمة أنها تجمع في تحليل واحد النصوص والخرائط والممارسة والقواعد القانونية والأحداث الأحدث، وتحدد ما ينقص الملف من أدلة، وتقترح خطوات قابلة للتنفيذ لا سيما من جهة السودان.
تتجاور في أقصى جنوب شرق مصر وشمال شرق السودان ثلاث بلدات كبرى هي حلايب وأبو رماد وشلاتين (الجزيرة نت، 2009أ). تدير مصر المنطقة فعليًا، وتؤكد سيادتها عليها استنادًا إلى الحدود السياسية عند خط عرض 22° شمالًا. وتتمسك الخرطوم بخط إداري رُسم عام 1902، وتجدد شكواها أمام مجلس الأمن منذ 1958 (Sudan Tribune, 2011). وتسأل الدراسة عمّا تقوله الاتفاقيات والخرائط والأدلة الوقائعية، وكيف تقيّمها قواعد القانون الدولي كما طبّقتها المحكمة والتحكيم الدوليان. وللإجابة تتتبّع الدراسة مسارًا منطقيًا يحكي القصة من أولها: لماذا يهمّ هذا المثلث؟ ثم ما الصكوك التي أنشأت الخطين؟ ثم ماذا قالت الخرائط؟ ثم كيف مارس الطرفان السيادة والاحتجاج منذ 1956؟ ثم ما القواعد القانونية التي تحكم تقييم هذه الأدلة؟ ثم كيف تتشابك اليابسة بالبحر؟ ثم ما المسارات المتاحة للفصل؟ ثم ما أحدث الأزمات؟ ثم ما الدروس المقارنة؟ وأخيرًا ما الذي يمكن للسودان أن يفعله عمليًا.
اعتمد المقال منهجًا وثائقيًا عقائديًا. فحص النصوص التعاقدية كما تنقلها المراجع الموثوقة، ووثائق الأمم المتحدة، وأحكام محكمة العدل الدولية وهيئات التحكيم، والدراسات الأكاديمية، وتحقيقًا صحفيًا استند إلى ملفات الأرشيف الوطني البريطاني (يوسف، 2021)، وتقارير الوكالات الدولية والصحافة العربية والأفريقية، وتقارير مراكز الفكر والسياسات، ومنها مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (Carnegie Endowment, 2021)، ومجموعة الأزمات الدولية (Crisis Group, 2021)، والمعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس» (Chatham House, 2023)، ومرصد الشفافية والسياسات السوداني (Sudan Transparency and Policy Tracker, 2025). وقد جرى ترتيب الفصول على نحو يحاكي أفضل ممارسات الكتابة في القانون الدولي والتاريخ الوثائقي، أي الانتقال من وقائع السياق إلى مصادر الحق، ثم إلى القواعد الحاكمة، ثم إلى تطبيقها على الأدلة، ثم إلى الاستشراف والتوصية. وهو يجمع بين تسلسل «المسألة فالقاعدة فالتطبيق فالنتيجة» المعروف في التحليل القانوني، والبنية العلمية المألوفة التي تبدأ بالمقدمة والمنهج وتمر بالنتائج والمناقشة وتنتهي بالخاتمة. واتُّبع التسلسل الزمني داخل الفصول التي تروي الوقائع، والتسلسل الموضوعي داخل الفصول التي تحلل القواعد.
وللدراسة حدود ينبغي ذكرها. فلم تُراجَع ملفات الأرشيف البريطاني ولا أرشيف السودان في دورهام مراجعة مباشرة، ولذلك أُخذت تفاصيل بعض الرسائل الدبلوماسية عن تحقيق «العربي الجديد» وصُنّفت وسيطة. ولم يُعتمد من الصحافة والمواقع إلا ما أمكن إسناده إلى جهة أو وثيقة قابلة للتحقق، واستُبعد ما سواه، ولم تُعتمد منصات الرأي غير الموثقة. ولم تتح قواعد البيانات الأكاديمية المدفوعة للمراجعة المنهجية الشاملة، ولذلك فإن حصر الأدبيات هنا انتقائي لا استقصائي. وبعض الوقائع الحديثة، وبخاصة الخريطة المنسوبة إلى مجلس السيادة السوداني عام 2025 وحصيلة ضحايا أكتوبر 2026 ونسبتها، لم يتأكد بعد من مصدر مستقل، فقُدّمت بوصفها ادعاءات. ولا تدّعي الدراسة اختصاص الفصل في النزاع، فمهمتها تقدير وزن الأدلة لا إصدار حكم.
ساحل ثمين وقبائل عابرة للخطوط: جغرافيا الأرض والسكان والموارد التي جعلت المثلث يستحق النزاع
تقدَّر مساحة المثلث بنحو 20,580 كم² في أكثر التقديرات تداولًا (Sudan Tribune, 2017a). وتتفاوت التقديرات بتفاوت التعريف. فقد أوردت وثيقة بريطانية نحو 7 آلاف ميل مربع، أي ما يقارب 18 ألف كم² (يوسف، 2021)، بينما ذكر وربورغ (Warburg, 1994) نحو 25 ألف كم²، ويكتفي بعض التقارير بالقول إنها نحو 20 ألف كم² (Egyptian Streets, 2022). وهذا التفاوت مؤشر على أن حدود الإقليم المتنازع عليه لم تُرسَّم بدقة في أي وثيقة مشتركة، وأن كل رواية تحسبه بمعيار مختلف، فبعضها يقيسه بالخط الإداري وبعضها بالمثلث الجغرافي الأوسع.
تضم المنطقة بلدات أبرزها حلايب وأبو رماد وشلاتين ورأس الحدربة ومرسى حميرة وأبرق (Egyptian Streets, 2022)، ويقدّر بعض التقارير عدد سكانها بنحو 27 ألف نسمة من النوبيين والقبائل الرعوية، وأهمها العبابدة والبشارية (Egyptian Streets, 2022). ويسكنها بدو من البشاريين (البجا) والعبابدة، وهي جماعات رعوية عبرت خط 22° حرةً قبل 1899 (Warburg, 1994؛ يوسف، 2021). وتقول دراسة مرصد الشفافية والسياسات السوداني (Sudan Transparency and Policy Tracker, 2025) إن البجا أكبر المجموعات الإثنية في شرق السودان، وإن الهدندوة منهم في ولايتي البحر الأحمر وكسلا، والأمرأر والبشاريين في البحر الأحمر، وإن عدد سكان شرق السودان يقارب أربعة ملايين نسمة بحسب آخر تعداد أشار إليه التقرير. وتذهب الدراسة نفسها إلى أن مجموعات البجا الصغيرة التي تسكن شمال شرق ساحل البحر الأحمر، أي حلايب وشلاتين وأبو رماد، لم تكن «تاريخيًا ولا أنثروبولوجيًا» جزءًا من مصر (Sudan Transparency and Policy Tracker, 2025). وهذا رأي يخص مُعدّي التقرير ويحتاج إلى موازنة بحقيقة أن العبابدة ينتشرون على الجانب المصري من خط 22° أيضًا، وأن القبائل نفسها كانت تتحرك على جانبيه، كما يوضح الجدل حول قرارات 1902. وتعني هذه الازدواجية أن الحجة الإثنية سلاح ذو حدين، لا تحسم السيادة لأحد الطرفين، لكنها تُبقي حاجة السكان إلى حرية الحركة والرعي والتجارة عنصرًا لا يمكن تجاهله في أي تسوية.
وتكتسب المنطقة أهميتها من ساحلها البحري ومن معادن الفوسفات والمنغنيز والذهب وإمكانات النفط. فقد سجّلت وثائق بريطانية عام 1977 اهتمامًا مصريًا بمعادن المنطقة ونفطها (يوسف، 2021). ثم جاءت امتيازات التنقيب المتتالية، ومنها امتياز شركة «تكساس إيسترن» الأمريكية عام 1978 وامتياز شركة كندية عام 1992، لتجعل من الموارد محرّكًا متكررًا للتصعيد (Warburg, 1994). وتذكر مؤسسة كارنيغي أن المنغنيز بخاصة دافع رئيسي للنزاع، وأن الأرض غنية بالمعادن والذهب (Carnegie Endowment, 2021). ومن الوقائع اللافتة أن وزارة الطاقة والنفط السودانية نشرت في العام السابق لمارس 2022 خريطة امتيازات محدَّثة أدرجت مثلث حلايب وشلاتين منطقةً متاحة للمزايدة أمام المستثمرين الدوليين (Egyptian Streets, 2022)، وهو سلوك سيادي يكرر نمط 1992. وتضيف حرب السودان منذ أبريل 2023 بعدًا جديدًا، إذ دفع انهيار سبل العيش آلاف الأسر إلى التعدين الأهلي للذهب في الصحراء الشرقية، وتصف دراسة المرصد السوداني كميات كبيرة من الذهب السوداني تُهرَّب إلى مصر عبر المنطقة، وأن كبار التجار الناقلين للذهب من السودان إلى مصر عصابات مسلحة من العبابدة والرشايدة والبشاريين (Sudan Transparency and Policy Tracker, 2025). وقد نُسب إلى «تشاتام هاوس» تقدير بأن نحو 60% من صادرات الذهب غير الرسمية تنتهي في مصر (Eastleigh Voice, 2026)، وهو رقم يُؤخذ بوصفه تقديرًا لا إحصاءً رسميًا.
وللنزاع بعد بحري كذلك، إذ يؤثر موقع الساحل في خطوط التحديد البحري مع السعودية، وقد أضافت اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية في أبريل 2016 بعدًا جديدًا للنزاع (Gulf News, 2016). وتزداد الحساسية الاستراتيجية مع اضطراب الملاحة في البحر الأحمر. فقد ذكر الرئيس السيسي في يناير 2026 أن مصر خسرت نحو 9 مليارات دولار من عائدات قناة السويس المباشرة خلال عامين من اضطراب البحر الأحمر (BBN Times, 2026)، مما يضاعف أهمية الساحل المطل على الممر. وقد ظلت العلاقة بين البلدين مرتبطة كذلك بملف مياه النيل. فاتفاقية 8 نوفمبر 1959 للانتفاع الكامل بمياه النيل (Agreement between the Republic of the Sudan and the United Arab Republic, 1959) وتهديدات 1992 باستخدام مياه أكثر مما تتيحه الاتفاقية (Warburg, 1994) تُظهران أن النزاع الحدودي كان دائمًا جزءًا من حزمة أوسع من الأوراق التفاوضية بين الدولتين.
خطّان استعماريان لا خطٌّ واحد: اتفاقية 1899 وترتيبات 1902 والسؤال عن طبيعة كل منهما قانونيًا
نص 1899 الذي يميل لمصر شكلًا ويلتبس بصفة الحكم الثنائي
وقّع بطرس غالي عن مصر واللورد كرومر عن بريطانيا اتفاقية الحكم الثنائي في القاهرة في 19 يناير 1899 (نون بوست، 2014). وجاءت الاتفاقية بعد سنة من هزيمة الدولة المهدية في أم درمان (1898) وبعد ست عشرة سنة من الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، فكانت في جوهرها ترتيبًا لإدارة السودان المستردّ تحت راية مصرية وبريطانية معًا، تهيمن عليه بريطانيا في الواقع (Daly, 1986؛ Collins, 2008). وعرّفت مادتها الأولى «السودان» بأنه الأراضي الواقعة جنوب خط 22° شمالًا، متى كانت القوات المصرية لم تخرج منها منذ 1882، أو كانت تُدار من حكومة الخديوي قبل الثورة المهدية واستُرجعت لاحقًا، أو استُرجعت بعد ذلك باتفاق الحكومتين (Anglo-Egyptian Agreement, 1899؛ يوسف، 2021). ويجعل هذا الوصف خط 22° الحد الأدنى لإقليم الحكم الثنائي، فتقع حلايب شمال الخط ضمن مصر نصًّا (Warburg, 1994؛ الجزيرة نت، 2014).
على أن النص تعريفي لإقليم الإدارة المشتركة ولا يتضمن تخطيطًا ميدانيًا أو لجنة ترسيم. وكان السودان آنذاك كيانًا تحت سيادة مشتركة، تُمارَس عمليًا بهيمنة بريطانية، وليس دولة ذات شخصية دولية مستقلة (Daly, 1986؛ Abdel Rahim, 1969). وهذه الخصوصية أساس لكثير من الجدل القانوني اللاحق، لأن «الحد» بين مصر والسودان لم يكن حدًّا بين دولتين ذات سيادة، بل خطًّا يفصل بين مصر الأصلية وإقليم يُدار بصفة ثنائية تتشارك فيها مصر نفسها. وسيرد لاحقًا أن مصر صارت دولة مستقلة نسبيًا بعد 1922، وأن السودان لم يستقل إلا في 1 يناير 1956 (Daly, 1991)، مما يجعل سؤال «ما الدولة التي ورثت أي حدّ؟» أدق من أن يُجاب بجملة واحدة. وتجدر الإشارة إلى أن تقدير أثر اتفاقية 12 فبراير 1953 بشأن الحكم الذاتي وتقرير المصير على تعريف إقليم السودان عند الاستقلال، وهل أحالته إلى اتفاقية 1899 أم إلى الأراضي الخاضعة للإدارة القائمة، مسألة لم تُحسم في المراجع التي أمكن الاطلاع عليها، وتتطلب فحص النص الأصلي (Abdel Rahim, 1969).
قرارا 1902: ترتيب إداري لحاجة القبائل أم تحوير لحدود السيادة؟
قسّم خط 22° قبائل العبابدة والبشاريين، وعزل جماعة البشاريين عن موارد المياه في حلايب (يوسف، 2021). وكانت القبائل رعوية تنتقل شمالًا وجنوبًا ولا تعرف ما يُسمى بالحدود السياسية (اليوم السابع، 2017). ولمعالجة ذلك شُكّلت لجنة فنية، بحسب الرواية المصرية، برئاسة مدير أسوان وعضوية مفتشين من الداخلية المصرية وممثل عن حكومة السودان وآخر عن خفر السواحل. وانتهى تقريرها إلى أن أراضي حلايب تسكنها قبائل مرتبطة بالسودان، فأصدر ناظر الداخلية المصري قراره (قاسم، 2016). وتشير بعض الروايات إلى أن وزير الداخلية آنذاك مصطفى باشا فهمي، وأن القرار صدر في نوفمبر 1902 لتعديل الحدود تصحيحًا لأوضاع معيشة القبائل بما سماه «الأصوبية الإدارية»، فتصبح قبائل البشارية ضمن السودان وقبائل العبابدة ضمن مصر (رصيف22، 2025). وتحدد الوثائق البريطانية المتداولة تاريخ القرارين في 25 يوليو و4 نوفمبر 1902، وتقول إنهما أنشآ حدًّا إداريًا بحكم الأمر الواقع وضع نحو 7 آلاف ميل مربع تحت الإدارة السودانية (يوسف، 2021). وينسب وربورغ (Warburg, 1994) الترتيب في 4 نوفمبر إلى «وزير الحربية» لا إلى الداخلية، وهو اختلاف في الرواية يستحق التحقيق في الأرشيف الأصلي، كما تقول الرواية المصرية إن القرار صدر في يونيو 1902 (قاسم، 2016)، فتتعدد التواريخ بين يونيو ويوليو ونوفمبر.
وبموجب هذا التعديل انتقل مثلث جبل علبة، أي حلايب، إلى إدارة الحكم الثنائي ومنه إلى السودان، كما انتقل جبل بارنازوجا، أي بير طويل، إلى الإدارة المصرية (رصيف22، 2025). وللخلاف أصلٌ في طبيعة القرار لا في تاريخه. فمصر ترى أن القرار الإداري لا يلغي معاهدة دولية بأي حال (نون بوست، 2014)، وأنه لم يتضمن تنازلًا عن السيادة (Warburg, 1994). وترى أن المصدر الرسمي الوحيد المتعلق بالسيادة هو اتفاقية 1899 (Warburg, 1994). وتضيف الدراسة القانونية المصرية التي أجراها أستاذ القانون الدولي أيمن سلامة أن الأصل تطابق الحدود الإدارية للدولة مع حدودها السياسية، لكن يجوز أن يختلفا كما في هذه الحالة التي تنازلت فيها مصر للسودان عن إدارة جزء من إقليمها، وأن إدارة السودان للمثلث لفترة عارضة لا تمنحه سيادة، وأن الحق القانوني التاريخي لمصر تحدد بموجب اتفاقية 1899 (سلامة، 2013). أما السودان فيتمسك بأنه حاز المنطقة حيازة فعلية وأدارها بقرار صدر من داخل الدولة المصرية نفسها (قاسم، 2016)، وأنه مارس عليها مظاهر السيادة كمدّ الخدمات العامة ومشاركة السكان في الانتخابات، حتى إن أحد مشايخ القبائل كان عضوًا في مجلس النواب السوداني (رصيف22، 2025).
وتقابل ذلك حجة مصرية أخرى مفادها أن الحيازة المكتسبة للسيادة يجب أن تتم سلميًا ودون احتجاج من الغير (قاسم، 2016؛ سلامة، 2013). ويضيف التحليل القانوني نقطة جوهرية: إن مصدر القرار هو الجهة المصرية ذاتها، وكانت مصر شريكًا في السيادة على السودان، فهل يُقرأ تصرفها ترتيبًا لتسهيل حركة القبائل أم تقييدًا لحقها الأصلي؟ وما تصنيف أعمال الإدارة بين 1902 و1956، وهل هي أعمال دولة سودانية لم تكن موجودة، أم أعمال الحكم الثنائي الذي كانت مصر طرفًا فيه؟ هذه المسائل هي لبّ الاستدلال القانوني في الفصول التالية. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الساسة السودانيين ذهبوا إلى رفض اتفاقية 1899 وتعديلات 1902 كلتيهما بدعوى أنها صيغت بضغط الاستعمار (رصيف22، 2025)، وهو موقف سياسي لا يستند إلى قاعدة قانونية، لأن القانون الدولي لا يبطل الحدود الموروثة بحجة أصلها الاستعماري، بل جاء مبدأ استقرار الحدود الأفريقية لقطع هذا الباب تحديدًا (Organization of African Unity, 1964؛ Shaw, 1996).
وللترتيب نفسه وجه آخر أغفلته الروايات الشعبية. فالإجراء الذي ألحق حلايب بإدارة الخرطوم ألحق في المقابل منطقة بير طويل جنوب خط 22° بإدارة القاهرة، تلبيةً لحاجة العبابدة في الرعي. وهذه المقابلة هي أصل «مفارقة بير طويل»، فلا تطالب دولة بأرضٍ يترتب عليها التنازل عن أرضها الأثمن (Brownlie, 1979؛ United States Department of State, 1962).
الخرائط شاهدٌ لا حَكَم: ما قالته الخرائط والدراسات الرسمية وما يعنيه ذلك قضائيًا
تشير الوثائق البريطانية إلى حضور الخطين في الكارتوغرافيا الرسمية. ففي رسالة مؤرخة 1 يونيو 1979 سأل خبير الحدود والمياه الإقليمية في وزارة الدفاع البريطانية، بيتر بيزلي، وزارة الخارجية عمّا إذا كانت بريطانيا تمانع في حذف الحدود الإدارية من الخريطة بناءً على طلب الخبير الهيدروغرافي المصري. وذكر أن الطلب معلَّل بأنها حدود تعود إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى. وأشار إلى أن دراسة الحدود الدولية رقم 18 الصادرة عن الخارجية الأمريكية عام 1962 تعدّ الحدين ساريي المفعول وتجيز تمثيل كليهما (يوسف، 2021؛ United States Department of State, 1962). وجاء رد الخارجية البريطانية في 2 يوليو 1979 رافضًا الحذف، وموضحًا أن التغيير لا يتم إلا بطلب كتابي مشترك من السلطتين المصرية والسودانية (يوسف، 2021). كما تفضّل الرسالة اتباع توصية الدراسة 18 بإعطاء أولوية للحدود الإدارية في التلوين، وإظهار الحدود السياسية خطًّا منقطًا (يوسف، 2021). ويفسّر أحد الخبراء ذلك بأن مؤلف الدراسة ربما رأى أن الحدود الإدارية تمثل الأمر الواقع، وأنه بانتظار حل المطالبات المتنافسة كان من المنطقي إظهارها بوصفها الأهم (يوسف، 2021). وتضيف الرسالة البريطانية أنه لم يُطرح في المؤتمر المشترك الأول لمجلسي الشعبين المصري والسوداني عام 1977 أي سؤال عن الحدود المشتركة شرقًا، وأن البلدين اعتبرا على الأرجح الوضع الحدودي في تلك المنطقة بلا تغيير منذ وضع الحدود الإدارية عام 1902 (يوسف، 2021).
في المقابل، يؤكد وربورغ (Warburg, 1994) أن الخرائط المصرية كلها، قبل الاستقلال السوداني وبعده، أدرجت حلايب شمال 22° داخل الحدود الدولية لمصر. وقد أعادت وزارة الدفاع المصرية تأكيد أن الحدود تتطابق مع خط 1899 في يناير 2020 (Carnegie Endowment, 2021). وأحيا النزاع في فبراير 2021 قبولُ مفوضية الاتحاد الأفريقي، بحسب تحقيق «العربي الجديد»، خريطة تضم المثلث إلى مصر، فاحتج رئيس المفوضية القومية للحدود السودانية معاذ تنقو (يوسف، 2021). وقال تنقو إن المفوضية اعتمدت مذكرة مصرية «خاطئة ومضللة»، ودعا إلى اعتماد خرائط مصر عند انضمامها إلى الأمم المتحدة عام 1945 وإلى منظمة الوحدة الأفريقية عامي 1963 و1964 (عربي21، 2021). ولم يُطَّلع على نص قرار الاتحاد ولا على الخرائط المصرية الرسمية لتلك التواريخ، وهما ما ينبغي أن يكونا في مقدمة البحث الأرشيفي.
والمبدأ القضائي في حجية الخرائط واضح. فالدائرة في قضية بوركينا فاسو/مالي رأت أن الخرائط لا تعدو قيمتها قيمة الأدلة المؤيدة، ما لم تكن مرفقة بمعاهدة أو مُعتمدة منها (Frontier Dispute, 1986). وفي قضية معبد برياه فيهيار، التي قضت فيها المحكمة في 15 يونيو 1962، عدّت المحكمة خريطة مرفقة عُرضت على الطرف المعني فلم يعترض عليها، ومرّ زمن طويل على ذلك، دليل قبول (Temple of Preah Vihear, 1962). فالخريطة التي تصدرها الدولة ضد مصلحتها أو التي تسكت عنها طويلًا لها وزن، لا الخريطة التي تعدّها لنفسها. وبهذا المعيار تضعف قيمة الخرائط المصرية بحدّ ذاتها لأنها ذاتية المصدر، لكن الخرائط البريطانية والأمريكية التي أبقت الخطين، ورفض لندن الحذف، دليل على أن الخط الإداري كان معترفًا به عمليًا. ويقابل ذلك أن الخرائط المصرية قبل 1956 وبعده، إن ثبت أن السودان لم يحتج عليها زمنًا طويلًا، قد تُعدّ في حق الخرطوم قرينة سكوت، وهو ما يجعل رصد السلسلة الكاملة للخرائط الرسمية السودانية والمصرية واحتجاجات كل طرف عليها المهمة الأولى لأي فريق قانوني.
من استقلال 1956 إلى إدارة مصرية كاملة: سبعة عقود من الممارسة المتبادلة والاحتجاج المتواصل
أزمة 1958: أول احتجاج وأول تهدئة
نال السودان استقلاله في 1 يناير 1956. ويروي وربورغ (Warburg, 1994) أن عبد الله خليل، رئيس الوزراء من 5 يوليو 1956، اصطدم بالرئيس عبد الناصر، لأن خليلًا رفض فكرة الوحدة العربية وفكرة «الحياد الإيجابي» وتحالف مع الولايات المتحدة ودعم مبدأ آيزنهاور. وأرسل ناصر قوات إلى المنطقة بحجة أنها شمال 22° فلا يجوز إدراجها دائرةً انتخابية سودانية، بينما يرى وربورغ أن الدافع الحقيقي كان استياء ناصر من سياسات حزب الأمة (Warburg, 1994). وتشير الرواية المصرية إلى مذكرة مصرية تعترض على قانون الانتخابات السوداني (Daily News Egypt, 2017). وتصف الرواية المصرية نفسها المذكرة بأن القانون خالف اتفاقية 1899 بإدخاله مناطق شمال خط 22° في الدوائر الانتخابية السودانية، وأنها كانت أول مرة يُعلن فيها نزاع على الحدود بين البلدين (سلامة، 2013؛ Daily News Egypt, 2017).
وفي 20 فبراير 1958 أرسل ممثل السودان رسالة إلى رئيس مجلس الأمن يذكر فيها أن مصر أرسلت مذكرة في 1 فبراير تطالب فيها بالسيادة على مناطق سودانية، وأن قوات مصرية تتحرك نحو الحدود (United Nations Security Council, 1958). وتختلف الروايات في تاريخ المذكرة المصرية بين يناير ومطلع فبراير 1958، وتقول الرواية التي أوردتها الجزيرة نت إن ناصر أرسل قوات إلى المنطقة في 18 فبراير 1958 وكاد الخلاف أن يصير نزاعًا مسلحًا (الجزيرة نت، 2014). وتصاعدت الأزمة حين تكدّست القوات على جانبي الحدود، وحذّر خليل ناصر من أنه سيشكو إلى مجلس الأمن (Warburg, 1994). وانتهت الأزمة بتهدئة سياسية، إذ أقنع وزير الخارجية السوداني محمد أحمد محجوب الرئيس المصري بأن المسألة ستوحّد السودان كله ضد مصر، وذكر وربورغ (Warburg, 1994) أن ناصر عبّر بعبارة عاطفية مفادها استعداده لترك حلايب وأسوان في سبيل عدم إراقة الدم العربي. وجرت الانتخابات السودانية في 27 فبراير 1958 (Daily News Egypt, 2017). ويضيف الباحث المصري جمال معوض، في بحثه عن أزمة حلايب عام 1958، تفاصيل عن الخلفية الإدارية للنزاع (رصيف22، 2025).
وفي هذه الواقعة جوهر التقابل القانوني. فمصر ترى أن احتجاجها عام 1958 يثبت أنها لم تقبل بالتصرف السوداني، وأن وضع السودان يده على المنطقة لا يكسبه حقًا من حقوق السيادة مهما تقادم الزمن (رصيف22، 2025). والسودان يرى أن مصر لم تحتج على الإدارة السودانية قبل 1958، وأن شكواه الفورية إلى مجلس الأمن حفظت حقه (Sudan Tribune, 2011). ويضاف إلى ذلك أن الشكوى السودانية ما زالت مدرجة بحسب المسؤولين السودانيين منذ 20 فبراير 1958 وتُجدَّد سنويًا، وفي ذلك إبقاء للنزاع حيًّا في المنظومة الدولية (Sudan Tribune, 2011).
مرحلة الامتيازات والتوتر المتدرج (1978–2000)
في عام 1978 أثار منح وزير الطاقة السوداني شريف التهامي امتيازًا لشركة «تكساس إيسترن» يشمل مناطق شمال 22° اعتراضًا مصريًا. وحُلّت الأزمة بتفاهم بين نميري والسادات يتيح للشركة مواصلة التنقيب على أن تُعطى مصر نصيبها إن اكتُشف نفط شمال الخط، وانسحبت الشركة عام 1983 دون اكتشاف تجاري (Warburg, 1994). والتفاهم يوحي بتسوية عملية مع حفظ الحقوق، لا اعترافًا بالسيادة لأيٍّ من الطرفين. وتكشف وثائق بريطانية أن الدبلوماسيين البريطانيين لاحظوا خلال الحكم الثنائي أن رخص التعدين في حلايب كانت تصدر من الحكومة المصرية، رغم ممارسة السودان السيادة الإدارية، وأن وزير الخارجية المصري نبيل العربي كان يعمل عام 1977 على مقترح استغلال مشترك (يوسف، 2021). وقد اشتغلت الشركة المصرية للفوسفات في المنطقة نحو خمسة وسبعين عامًا بلا انقطاع حتى أوقفتها الخرطوم في أوائل التسعينيات (Warburg, 1994).
ثم عادت المسألة بحدة بين 1992 و1993. فقد منحت الحكومة السودانية امتيازًا لشركة نفط كندية دون التشاور مع القاهرة، وحاولت استبدال الهويات المصرية بسودانية لدى المقيمين، فاحتجت مصر ودفعت الشركة إلى الانسحاب (Dunn, 1993؛ Warburg, 1994). وفي 31 ديسمبر 1992 شكا السودان إلى مجلس الأمن من توغل قوات مصرية قرب حلايب، وذكر في شكواه أن قوات مصرية توغلت على مسافة نحو ثمانية وعشرين كيلومترًا جنوب حلايب في 9 ديسمبر وقطعت الطريق الذي يربطها ببورتسودان (Warburg, 1994). وتلا ذلك اشتباك محدود في 8 مايو 1993، وإغلاق السودان للقنصليتين المصريتين في بورتسودان والأبيّض في 25 يونيو 1993 وردّ مصر بإغلاق القنصليتين السودانيتين في الإسكندرية وبورسعيد، واتهام سوداني لمصر بانتهاج سياسة استيطانية في المنطقة لإقامة أغلبية مصرية فيها (Warburg, 1994). وتشير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن مصر دخلت حلايب وشلاتين في تلك المرحلة بينما كان البشير مشغولًا بحربه مع الحركة الشعبية لتحرير السودان ولم يردّ (Crisis Group, 2021).
وتجمع المصادر المصرية على أن محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا عام 1995 كانت نقطة التحول في إحكام السيطرة المصرية (Al Jazeera Net, 2014 بالنص العربي: الجزيرة نت، 2014)، وأن القوات السودانية انسحبت عام 2000، فتقول الجزيرة نت إن مصر فرضت سيطرتها منذ ذلك الحين (الجزيرة نت، 2014). ويعدّ بعض التقارير عام 1995 بداية الدخول المصري وعام 2000 بداية الانسحاب السوداني، وتتفق الروايات على أن الإدارة المصرية الكاملة قائمة منذ مطلع القرن (Sudan Tribune, 2011؛ الجزيرة نت، 2014). وفي عام 2010 تجنبت الخرطوم تسجيل ناخبين داخل حلايب في الانتخابات، بينما أعلن البشير في خطاب ببورتسودان في يوليو من العام نفسه أن «حلايب سودانية وستبقى سودانية» (Sudan Tribune, 2011).
الإدارة المصرية الكاملة والاحتجاج السوداني المتواصل
منذ ذلك الحين تمارس مصر إدارة تامة. ففي انتخابات 2011 نُقلت صناديق المنطقة جوًّا إلى الغردقة لفرز الأصوات (الجزيرة نت، 2014). ولم يتوقف الاحتجاج السوداني. فقد قال مسؤول سوداني في فبراير 2011 إن الشكوى المعلقة لدى المجلس منذ 1958 تُجدَّد سنويًا، وطالب بأن يخلي الجيش المصري مناطق حلايب «فورًا» (Sudan Tribune, 2011)، ودعا في 2009 إلى التحكيم الدولي على غرار طابا (Sudan Tribune, 2009). ومع ذلك فقد عرف الموقف السوداني تذبذبًا، فقد تجنب المسؤولون السودانيون منذ زمن إثارة المسألة علنًا خشية إغضاب القاهرة (Sudan Tribune, 2011). وفي العلاقة المتقلبة بين الخرطوم والقاهرة تتناوب لحظات القرب والتباعد، وتصفها «الوسط» بأنها تاريخ يحدده ملفا الأمن والسيادة (الوسط، 2026).
أيُّ صكٍّ هو السند؟ قواعد اكتساب الإقليم وحيازة الحدود الموروثة والفعالية والسكوت وتطبيقها على أدلة الطرفين
السند التعاقدي أم الحدود الموروثة
تتقاطع في النزاع قاعدتان. الأولى استقرار الحدود التعاقدية. فبحسب المحكمة في قضية ليبيا/تشاد، التي قضت فيها في 3 فبراير 1994، متى اتُّفق على حد فإنه يبقى قائمًا، لأن غير ذلك يهدم مبدأ استقرار الحدود (Territorial Dispute, 1994؛ Kaikobad, 1983). وتنص اتفاقية فيينا لخلافة الدول في المعاهدات لعام 1978 في مادتها الحادية عشرة على أن الخلافة لا تمس بحد ثبت بمعاهدة (United Nations, 1978). وبهذه القاعدة تستدل مصر بأن 1899 معاهدة بين دولتين ثبّتت الحد عند 22°. وتقرّ المحكمة نفسها بأن تفسير المعاهدات يخضع للقاعدة العرفية التي تعكسها المادة 31 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (Territorial Dispute, 1994؛ United Nations, 1969)، ومنها الاعتداد بالممارسة اللاحقة التي تثبت اتفاق الأطراف على تفسير المعاهدة. وهنا تبرز حجة سودانية قابلة للتطوير: فإن كان الطرفان في اتفاقية 1899، أي مصر وبريطانيا، قد اتفقا بقرارات 1902 على إدارة المثلث من الخرطوم، ثم استمرت هذه الممارسة أربعة وخمسين عامًا دون اعتراض، فقد يُقرأ ذلك ممارسةً لاحقة تحدد معنى «السودان» في المادة الأولى. وترد مصر بأن ذلك كله ترتيب إداري صريح الوصف، وبأن بريطانيا نفسها وصفته كذلك (يوسف، 2021).
والثانية حيازة الحدود الموروثة، أي أن تتحول حدود الإدارة الاستعمارية إلى حدود دولية عند الاستقلال. فقد أكدت الدائرة في قضية بوركينا فاسو/مالي، التي قضت فيها في 22 ديسمبر 1986، أنها مبدأ عام ينطبق على الحدود الإدارية الداخلية لسلطة استعمارية واحدة (Frontier Dispute, 1986؛ Shaw, 1996). وقد كرّس القرار 16(1) لمنظمة الوحدة الأفريقية في القاهرة عام 1964 احترام الحدود القائمة عند الاستقلال (Organization of African Unity, 1964)، وأعاد ذلك الميثاق التأسيسي للاتحاد الأفريقي في مادته الرابعة (African Union, 2000). والمفارقة أن مصر ذاتها كانت مضيفة القرار وموقّعة عليه. ومن هنا يستدل السودان بأن الحد القائم فعلًا في 1956 هو الخط الإداري لعام 1902.
وعلى هذا الأساس يتضح موضع الثقل. فمصر تحتج بأن «حيازة الحدود الموروثة» تفترض تقسيمًا استعماريًا إداريًا لا حدًّا بين دولة مستقلة وكيان آخر، وبأن قرارًا إداريًا لا يمثل تنازلًا عن السيادة (نون بوست، 2014؛ سلامة، 2013). والسودان يحتج بأن الوثائق الأمريكية والبريطانية اعتبرت الخط الإداري ساريًا، وبأن الإدارة التي مارسها بين 1902 و1956 هي الواقع الذي ورثه (United States Department of State, 1962؛ يوسف، 2021). ومبدأ القانون الواجب التطبيق زمنيًا، كما أرسته قضية جزيرة بالماس التي صدر فيها قرار التحكيم في 4 أبريل 1928، يقضي بتقييم أثر التصرف وفق القانون السائد وقت وقوعه (Island of Palmas, 1928). وهذا يعني أن قيمة أعمال الإدارة بين 1902 و1956 تُقيَّم بوصفها أعمالًا للحكم الثنائي، وأن مصر كانت طرفًا فيه. وهو ما يحمل حجة للطرفين: لمصر لأن أعمال الإدارة لم تكن بالضرورة أعمال سيادة سودانية مستقلة، وللسودان لأن الدولة المصرية هي التي رتّبت التنازل الإداري بنفسها. وتحتاج مسألة خلافة السودان إلى الحكم الثنائي إلى معالجة وفق نظرية نشأة الدول وقيامها بتقرير المصير (Crawford, 2006)، فالسودان لم يرث إقليمه من مصر ولا من بريطانيا بالمعنى التعاقدي، بل نشأ دولةً مستقلة على الإقليم الذي كان يُدار باسمهما.
الفعالية الإدارية: متى تُرجَّح الممارسة على السند؟
صنّفت الدائرة في قضية بوركينا فاسو/مالي الفعالية الإدارية في ثلاث حالات: موافقة للسند، أو مكملة له حيث لا سند، أو مخالفة له، ويُرجَّح في الأخيرة السند (Frontier Dispute, 1986). وأكدت المحكمة ذلك في قضية الكاميرون ونيجيريا، التي قضت فيها في 10 أكتوبر 2002 (Land and Maritime Boundary, 2002)، وعدّت في قضية سيبادان وليجيتان، التي قضت فيها في 17 ديسمبر 2002، أن الفعالية تكون مهمة حين يغيب السند (Sovereignty over Pulau Ligitan, 2002). وقضت دائرة المحكمة في قضية بنين/النيجر في 12 يوليو 2005 بأن النصوص الإدارية الاستعمارية والممارسة الإدارية للإدارة الاستعمارية المشتركة هي الأساس في تحديد الحدود الموروثة (Frontier Dispute (Benin/Niger), 2005). وإذا طُبّق ذلك على النزاع، فإن كان السند هو 1899 فالإدارة المصرية الحالية موافقة للسند والإدارة السودانية السابقة مخالفة له أو ضعيفة الوزن. وإن كان السند هو الخط الإداري الموروث فالإدارة السودانية موافقة للسند والسيطرة المصرية منذ 1995 مخالفة له وضعيفة الأثر. ومن هنا أن أيَّ تقدير للأدلة يتوقف على تحديد السند أولًا، وهو ما لم يقرره قضاء.
السكوت والاحتجاج وأثرهما في بقاء الحق
أما قرينة السكوت فتعمل ضد من لم يحتج في الوقت المناسب (Temple of Preah Vihear, 1962؛ Crawford, 2019). وقد قطع الطرفان القرينة بالاحتجاج: احتجّت مصر عام 1958 على القرارات الانتخابية السودانية، وواصل السودان الشكوى لدى مجلس الأمن منذ 1958 (Sudan Tribune, 2011). وبذلك تتعادل الحجة في هذا الباب نسبيًا. ويضعف الموقف السوداني تذبذبه العملي في 2010 وبعده، كما أن السيطرة المصرية منذ التسعينيات تنشئ واقعًا يتراكم بمرور الزمن. وتعدّ مصر بعض المسلكيات السودانية، مثل رفض التفاوض أو التحكيم من جانبها، موقفًا قانونيًا مشروعًا لأن التحكيم يتطلب رضا الطرفين (Njaaga, 2025).
وتتصل بهذا الباب مسألة التقرير المنسوب إلى موقع «ريزو إنترناسيونال» الفرنسي، الذي قال إن مجلس السيادة السوداني وجّه المفوضية القومية للحدود في 11 مايو 2025 إلى اعتماد خريطة تُدرج المثلث ضمن مصر، بعد تفاهم بين السيسي والبرهان (Njaaga, 2025؛ The Reporter Ethiopia, 2025). وتضيف التقارير أن الصحيفة الإثيوبية نشرت ذلك في أغسطس 2025، وأن البرهان طلب في أكتوبر 2025 إرجاء المسودة النهائية للاتفاق مع السعودية إلى حين التشاور مع مصر، وأن اللجنة السودانية السعودية المشتركة اجتمعت في 20 سبتمبر 2025 برئاسة الأمين محمد بنقا (EU Reporter, 2026). ولم تؤكد السلطات في الخرطوم أو القاهرة التقرير، وقد نفى مسؤولون سودانيون في السابق الاعتراف بالسيادة المصرية (Njaaga, 2025). وحتى لو صح، فإن التصريحات الأحادية لا تُلزم الدولة إلا إذا صدرت عن جهة مختصة في الشؤون الدولية بقصد الالتزام (Legal Status of Eastern Greenland, 1933؛ Nuclear Tests, 1974)، وتعليمات داخلية لهيئة وطنية، مطعون في صلاحية صدورها، ضعيفة في هذا المعنى. ويضاف أن الدستور المصري لعام 2014 ينص في المادة 151 على منع إبرام أي معاهدة تؤدي إلى التنازل عن جزء من إقليم الدولة (Constitution of the Arab Republic of Egypt, 2014)، وهو قيد داخلي يُضعف أي تصور لتسوية بالتنازل من الجانب المصري، ويجعل الحلول الأقرب هي التي لا تمس السيادة. ويبقى التقرير مؤشرًا سياسيًا يحتاج إلى توثيق.
مفارقة بير طويل وبحر الحدود: حين تكشف الانتقائية تناقض الصكوك ويتشابك البحر باليابسة
لو عُدّ خط 1899 هو الحد، لحصلت مصر على حلايب وحصل السودان على بير طويل، ولو عُدّ خط 1902، حدث العكس. وكل طرف يطالب بالمثلث الأكبر ويتخلى عن الأصغر، بما يعني أنه ينتقي الصكّ الأنفع لكل منطقة. وتعني هذه الانتقائية أن أي اتفاق تسوية قائم على خط واحد قد يمنح الطرف الآخر حقًّا في الأرض الأخرى، وهو ما يفسر الإحجام عن المطالبة ببير طويل (Brownlie, 1979؛ United States Department of State, 1962). ويصبح بير طويل في الممارسة أرضًا لا تطالب بها دولة، وهي حالة نادرة في القانون الدولي تؤكد أن الخلاف ليس على تفسير نص واحد بل على الاختيار بين صكّين. وفي أي تسوية متكاملة ينبغي أن يُبحث الأمران معًا لا كلٌّ على حدة.
اتفاقية 2016 بين مصر والسعودية دفعت السودان إلى طلب الاطلاع على نصها لتقدير أثرها في سيادته على حلايب (Sudan Tribune, 2016)، ونقلت الصحافة عن السفير السعودي في القاهرة أن الرياض تعدّ حلايب جزءًا من مصر (Sudan Tribune, 2016). وقد اعترض السودان لدى الأمم المتحدة بأن سبع نقاط أساس على الخط المصري السعودي تتعدى على مياه مرتبطة بحلايب، وردّت مصر في إعلان إلى الأمم المتحدة في ديسمبر 2017 بأن الادعاء لا أساس له، مؤكدة سيادتها على اليابسة شمال خط 22° والبحر المجاور (EU Reporter, 2026). وفي مايو 2017 أودع السودان خطوط الأساس البحرية لدى الأمم المتحدة، وتحدثت تقارير عن مسار تحكيم بحري (Sudan Tribune, 2017a). غير أن أحد خبراء القانون السودانيين رأى أن محاكم قانون البحار لا تختص بالمنطقة البحرية لحلايب ما دام نزاع السيادة البري قائمًا (Sudan Tribune, 2017b)، وهو ما يتفق مع قرار هيئة التحكيم في قضية محمية تشاغوس البحرية في 18 مارس 2015، الذي رفض النظر في نزاع يتطلب البتّ أولًا في السيادة على اليابسة (Chagos Marine Protected Area Arbitration, 2015).
ولا يغيب عن الصورة التاريخ البحري السوداني السعودي. فقد بدأت المحادثات في جدة في يوليو 1973، ووُقّعت في الخرطوم في مايو 1974 اتفاقية سُجّلت لدى الأمم المتحدة تمنح كل دولة حقوقًا حصرية قرب ساحلها وتنشئ منطقة مشتركة في عمق البحر الأحمر الأوسط للاستغلال المشترك (EU Reporter, 2026)، وذلك بعد اكتشاف رواسب معدنية غنية في قاع البحر، منها حوض أتلانتس الثاني بين جدة وبورتسودان، وهو من أكبر الرواسب المعروفة من الزنك والنحاس والفضة والذهب (BBN Times, 2026). وتؤكد هذه السابقة أن السودان يمتلك خبرة في صيغ الاستغلال المشترك دون المساس بالسيادة، وهي خبرة يمكن توظيفها في المثلث. وتشير تقارير 2025 إلى أن الاتصالات السودانية السعودية لتحديد الحدود البحرية تسارعت أثناء الحرب، وأن لجنة فنية من المفوضية القومية للحدود والبحرية شُكّلت لمراجعة الخرائط والوثائق القانونية وصياغة خطة ترسيم (EU Reporter, 2026). وأي خط سوداني سعودي ينتهي عند 22° يتسق مع الخط المصري السعودي، لكن استخدام الخرطوم المحادثات للضغط على مطلبها في حلايب قد يحيي النزاع (EU Reporter, 2026).
بين الحوار والتحكيم والمجلس: لماذا تظل مسارات الفصل مغلقة وما الذي قد يفتحها؟
أما الفصل القضائي فيحتاج إلى رضا الطرفين. وقد دعا السودان مرارًا إلى التحكيم أو التفاوض (Sudan Tribune, 2009؛ Gulf News, 2016)، مستشهدًا بتجربة مصر في طابا مع إسرائيل، حين أبرم الطرفان اتفاق تحكيم في سبتمبر 1986 وأصدرت هيئة التحكيم قرارها في 29 سبتمبر 1988 لصالح مصر (Location of Boundary Markers, 1988)، وبالتفاوض الثنائي في تيران وصنافير (Gulf News, 2016). وقد أعلنت وزارة الخارجية السودانية في 17 أبريل 2016 أنها تطالب بمفاوضات مباشرة على غرار ما جرى مع السعودية، وردّت وزارة الخارجية المصرية بأن المنطقة «أرض مصرية» وأنه لا تعليق إضافي لديها (Aswat Masriya, 2016). ورفضت مصر عام 2016 التفاوض على السيادة أو الإحالة إلى التحكيم (Middle East Eye, 2018). ويحث ميثاق الأمم المتحدة على التسوية السلمية وإحالة النزاعات القانونية إلى المحكمة (United Nations, 1945)، لكن ذلك لا يغني عن الرضا. ويبقى وجود الشكوى على جدول مجلس الأمن حافظًا للحق لا فاصلًا فيه.
وتعمل على جانب الرفض المصري اعتبارات متعددة، منها القيد الدستوري المذكور في المادة 151 وحساسية الرأي العام المصري تجاه أي تنازل بعد جدل تيران وصنافير، حين ألغت محكمة مصرية الاتفاقية في يناير (Alnaser, 2026 للسياق العام؛ Mada Masr كما نقله Daily News Egypt, 2017). وتعمل على جانب التردد السوداني اعتبارات أخرى، منها انشغال الحكومات المتعاقبة بالحروب الداخلية، وتفاوت المواقف داخل المؤسسة الواحدة بين التصعيد والتهدئة. وتوضح قضية الفشقة بين السودان وإثيوبيا أن القضايا الحدودية السودانية تتشابك مع ملفات أخرى مثل سد النهضة، وأن الاعتبارات الإقليمية تؤثر في قرار التصعيد (Chatham House, 2023؛ Crisis Group, 2021). وقد أفاد مصدر سوداني مدني رفيع لمجموعة الأزمات بأن الخرطوم مهتمة باستعادة السيادة على حلايب وشلاتين (Crisis Group, 2021)، وتخلص ورقة تشاتام هاوس إلى أن حكومة ما بعد البشير أبدت اهتمامًا أوسع بإعادة تأكيد الحقوق الإقليمية شمل حلايب وشلاتين (Chatham House, 2023).
من خريطة الاتحاد الأفريقي إلى غارة المنجم: أزمات 2016–2026 والتحول من نزاع الخرائط إلى نزاع الأمن والذهب
أظهر احتجاج الخرطوم على خريطة الاتحاد الأفريقي في فبراير 2021 أن الخرائط ما زالت ساحة نزاع (عربي21، 2021). وفي 2025 أثار التقرير المنسوب إلى مجلس السيادة جدلًا لم يُحسم (Njaaga, 2025). وفي مارس 2021 وقّعت مصر والسودان اتفاقية تعاون عسكري (Crisis Group, 2021)، مما أوحى بتقارب أمني لا يعني بالضرورة تسوية الملف الحدودي. ثم جاء أكتوبر 2026 بتطور أخطر. فقد أفادت منظمة «محامو الطوارئ» السودانية بأن غارة جوية صباح السبت 10 أكتوبر 2026 على منجم ذهب قرب الحدود قتلت 72 عاملًا على الأقل، ونسبتها إلى الطيران المصري، وقالت إنها وقعت داخل الأراضي السودانية (Al Jazeera, 2026a؛ AFP, 2026). وذكرت المنظمة أن غارات مماثلة في يونيو قتلت 23 عاملًا (Al Jazeera, 2026a)، وأعقبت غارات يونيو عملية أمنية مصرية واسعة اعتُقل فيها المئات، بينهم أجانب، بتهمة التعدين غير المشروع والتهريب (Eastleigh Voice, 2026). وحذّرت شبكة أطباء السودان من أن عدد الضحايا مرشح للارتفاع بسبب شدة الإصابات وصعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية، وأفاد أحد الناجين بوجود آلاف العاملين في الموقع وقت الضربة (Eastleigh Voice, 2026).
وقالت «رويترز» إنها لم تتحقق من نسبة الغارة، وإن الجيش المصري لم يعلّق، وإن الحكومة السودانية أفادت باتصال بين قيادتي البلدين دون أن تحمّل مصر المسؤولية مباشرة. ونقلت عن مسؤولَين أمنيَّين مصريَّين أن الضربة هدفت إلى إنهاء حالة «الفوضى» على الحدود (Reuters, 2026). وتتباين التقارير في تحديد الموقع. فتضعه «الجزيرة» في منطقة وادي الشمال بجبل العقيلات (Al Jazeera, 2026b)، وتذكر الوكالة الفرنسية أن ناجيًا وصف السوق الذي لجأ إليه بأنه جنوب مثلث حلايب مباشرة (AFP, 2026)، بينما تصفه «مدى مصر» بأنه منجم في مثلث حلايب (Alnaser, 2026). وهذا التباين مهم قانونيًا، لأن الموقع داخل المثلث أو خارجه يغير التكييف: هل هو استخدام للقوة في إقليم متنازع عليه، أم على أرض سودانية متفق عليها؟ ويظل الجزم بالمسؤولية مؤجلًا حتى يتوافر تحقق مستقل.
وبعد يومين من الحادث أعلن مجلس السيادة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وأفادت «مدى مصر» بأن القاهرة والخرطوم تبحثان إطارًا أمنيًا مشتركًا على الحدود الشرقية وسط غضب شعبي في السودان (Alnaser, 2026). وذكرت الصحيفة نفسها في نسختها العربية أن غضب الشارع تجلّى في إطلاق مسلح سوداني النار على مصريَّين في سوق جنوب الخرطوم، وهو ما وصفه مسؤولون أمنيون سودانيون بأنه هجوم انتقامي (مدى مصر، 2026). ويجري ذلك في سياق حرب أهلية سودانية خلّفت أكثر من 200 ألف قتيل منذ أبريل 2023 ودفعت كثيرين إلى التعدين الأهلي (Al Jazeera, 2026a)، حيث يُموِّل الذهب أطراف الحرب. وتفيد هذه الوقائع بأن النزاع الحدودي لم يعد مسألة خرائط فقط، بل صار مسألة أمن بشري وحوكمة موارد، وأن الإبقاء على وضع قانوني غامض في منطقة غنية بالمعادن وشديدة الهشاشة الأمنية يفتح الباب أمام تكرار الحوادث.
دروس مقارنة من أفريقيا والعالم: ما الذي تقوله قضايا طابا وأبيي والفشقة وبرياه فيهيار لحلايب؟
تقدّم تجربة طابا نموذجًا مصريًا في قبول التحكيم حين يكون الحق ثابتًا في الوثائق، ففي ظل اتفاق خاص حُدِّد موضوع التحكيم بمواقع العلامات الحدودية، وحسمت الهيئة النزاع بناء على اتفاقية 1906 وتتبع علامات الحدود (Location of Boundary Markers, 1988). والدرس أن التحكيم لا يتحقق إلا بإرادة الطرفين وبنص خاص يحدد المسألة المعروضة، وأن الدولة تقبله عادةً حين تثق بقوة ملفها. وتقدّم قضية أبيي، التي أصدرت فيها محكمة التحكيم الدائمة قرارها النهائي في 22 يوليو 2009 بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان، سابقة سودانية بالغة الصلة. فقد حددت المحكمة منطقة أبيي بالرجوع إلى النقل الإداري لعام 1905 لزعامات دينكا نقوك من بحر الغزال إلى كردفان (Abyei Arbitration, 2009)، فاعتدّت بقرار إداري استعماري بوصفه مرجعًا قانونيًا للحدود. وهذا يدعم منطقيًا حجة السودان بأن القرار الإداري لعام 1902 قد يكون هو المرجع الذي يُحتكم إليه، وإن كانت الظروف تختلف لأن أبيي نزاع بين أقاليم داخل دولة واحدة وقضية حلايب نزاع بين دولتين.
وتقدّم قضية معبد برياه فيهيار درسًا في أن سلوك الدولة اللاحق، كالسكوت على خريطة أو قبولها، قد يحسم نزاعًا بُني على وثيقة غير حاسمة (Temple of Preah Vihear, 1962). وتقدّم قضية كاسيكيلي/سيدودو بين بوتسوانا وناميبيا، التي قضت فيها المحكمة في 13 ديسمبر 1999، درسًا في أن تفسير المعاهدات الاستعمارية يعتمد على قواعد التفسير المعتادة (Kasikili/Sedudu Island, 1999). وتقدّم قرارات لجنة الحدود بين إريتريا وإثيوبيا الصادرة في 13 أبريل 2002 تحذيرًا من أن الحكم القانوني دون إرادة سياسية للتنفيذ قد لا ينهي النزاع، فقد رفضت إثيوبيا تنفيذ قرار اللجنة بشأن بادمي (Eritrea–Ethiopia Boundary Commission, 2002). وتقدّم قضية الفشقة بين السودان وإثيوبيا، وهي استنادًا إلى معاهدة 1902 البريطانية الإثيوبية، مثالًا على نزاع سوداني آخر تتداخل فيه المعاهدات الاستعمارية مع الواقع الزراعي (Crisis Group, 2021؛ Chatham House, 2023).
ويستخلص من هذه الأمثلة أن النزاعات الحدودية الأفريقية تُحسم عادةً حين تتوافر ثلاثة شروط: إرادة سياسية بإحالة المسألة إلى هيئة محايدة، وملف وثائقي متماسك يعتمد على صك واحد يمكن الدفاع عنه، وتحديد دقيق لما يُعرض على الهيئة. وتفتقر قضية حلايب اليوم إلى الشرط الأول، وتعاني من اضطراب الشرط الثاني، فالسودان يتأرجح بين الاستناد إلى 1902 وبين خطاب سياسي لا يوضح الأساس القانوني، كما أن مصر تعتمد على 1899 وتتجنب نقاش طبيعة قرارات 1902. وفي الحالتين تظل الحاجة قائمة إلى تحضير فني يتجاوز الشعارات.
مقاربات مبتكرة وخريطة طريق سودانية قابلة للتنفيذ: من الاستغلال المشترك إلى ملف قانوني متماسك
يبرز في ممارسات الطرفين أنفسهما عدد من المخارج التي لم تُستثمر. فقد اقترحت القاهرة في 1977 استغلالًا مشتركًا لموارد المنطقة (يوسف، 2021). واقترحت الخرطوم في 2009 «حلًّا تكامليًا» (الجزيرة نت، 2009ب)، وأشار مسؤولون إلى اتفاق على جعل حلايب منطقة تكامل وتنمية (Sudan Tribune, 2011). وتتيح أدبيات التنمية المشتركة للموارد في المناطق المتنازع عليها بناء ترتيبات لا تمس السيادة، بشرط اشتمالها على بند عدم الإخلال بالمواقف القانونية (Ong, 1999). وتتوافر للسودان سابقة عملية في الاتفاق مع السعودية عام 1974 على منطقة مشتركة في عمق البحر الأحمر (EU Reporter, 2026). ويمكن أن تُوازي ذلك مقاربة «الحدود بوصفها عملية» لا خطًّا (Newman, 2003)، تضع البجا والعبابدة فاعلين لا موضوعًا، وتؤسس لنظام تنقل ورعي ومنافع مشتركة تحميه آلية حدودية مشتركة، وهو ما يتقاطع مع الإطار الأمني الذي تبحثه الدولتان بعد أكتوبر 2026 (Alnaser, 2026). وتؤيد ذلك أن قبائل العبابدة والبشارية والنوبة على جانبي الحدود ضغطت باستمرار من أجل فتح المعابر لتحسين المعيشة وتعزيز التجارة الثنائية (Egyptian Streets, 2022).
ويقترح المقال ثلاث خطوات تكميلية تستند إلى الأدلة. الأولى لجنة توثيق مشتركة تفتح الأرشيف البريطاني والسوداني والمصري وتحسم نقاطًا واقعية محددة: نص قراري 1902 وصفتهما، وتاريخ أول احتجاج مصري، وسلسلة الخرائط الرسمية المصرية، وقوائم الدوائر الانتخابية في 1953 و1958، وسجل رخص التعدين. والثانية آلية حدودية بوساطة أفريقية في إطار برنامج الحدود للاتحاد الأفريقي تقدّم دعمًا فنيًا لا يشترط حكمًا. والثالثة قاعدة بيانات سكانية وخدمية محايدة تقيس واقع السكان واحتياجاتهم، لأن غيابها يترك السكان خارج الحسابات. وهذه الاقتراحات رأي تحليلي للكاتب، لا نتيجة وثائقية.
وللسودان خاصة، تتبلور من التحليل السابق مجموعة خطوات واقعية قابلة للتنفيذ. أولها بناء ملف قانوني موحد تتولاه المفوضية القومية للحدود بالتنسيق مع وزارتي الخارجية والعدل، يختار الأساس القانوني للمطالبة بوضوح، فإما حيازة الحدود الموروثة بالاستناد إلى الخط الإداري، أو الاحتجاج بتعديل 1899 بالممارسة اللاحقة، ويتجنب الخطاب الذي يطعن في أصل الاتفاقيات الاستعمارية لأنه يضعف الاستناد إلى حيازة الحدود الموروثة نفسها (Shaw, 1996؛ رصيف22، 2025). وثانيها حصر الوثائق الداخلية التي تثبت الإدارة السودانية للمنطقة بين 1902 و1992، ومنها سجلات الإدارة الأهلية والمجالس المحلية وقوائم الناخبين عام 1953 والجريدة الرسمية للحكومة السودانية والمسوحات الخرائطية، وإيداعها في أرشيف محمي ومرقمن. وثالثها مواصلة تجديد الشكوى أمام مجلس الأمن والرد المكتوب على إعلان مصر لدى الأمم المتحدة في ديسمبر 2017 حفظًا للحق ومنعًا لقرينة السكوت (EU Reporter, 2026؛ Sudan Tribune, 2011). ورابعها ضبط الاتصالات التي تُنسب إلى مؤسسات الدولة بحيث لا تصدر تعليمات رسمية بشأن الخرائط أو الحدود إلا عبر القنوات الدستورية المختصة وبالتوثيق، تجنبًا لسوابق كالتقرير المنسوب إلى مجلس السيادة عام 2025 (Njaaga, 2025). وخامسها التفاوض مع السعودية على الحدود البحرية بصيغ «عدم الإخلال» التي تحفظ الموقف السوداني من حلايب دون عرقلة الترسيم (EU Reporter, 2026). وسادسها فتح تحقيق مستقل وشفاف في مقتل عمال المناجم في أكتوبر 2026، وتوثيق موقع الغارة بإحداثيات دقيقة، وتوفير الحماية القنصلية والمساعدة لأسر الضحايا، وإشراك المجتمع المحلي في تنظيم التعدين الأهلي قانونيًا. وسابعها تطوير اتفاق خاص للتحكيم يُعرض على مصر في مرحلة هدوء سياسي، يحدد المسألة بدقة ويقبل بنتيجة مبنية على مجموعة الوثائق المتفق عليها، على غرار طابا.
خاتمة نقدية: ما الذي يقوله الملف حقًا، وما الذي لا يستطيع قوله، وما العمل؟
يعرض الملف الوثائقي حجتين متقابلتين، لكلٍّ منهما نقطة قوة ونقطة ضعف. فحجة مصر تقوم على نص 1899 وعلى استقرار الحدود التعاقدية وعلى الطبيعة الإدارية المعلنة لقرارات 1902، وعلى الفعالية العملية منذ التسعينيات. وتضعفها أن الدولة المصرية هي مصدر الترتيب الإداري، وأن مصر لم تحتج عليه قبل 1958 فيما يُعرف. وحجة السودان تقوم على الإدارة المستمرة منذ 1902، وعلى بقاء الخط الإداري في الخرائط الرسمية، ورفض لندن حذفه عام 1979، وعلى مبدأ احترام الحدود القائمة عند الاستقلال. وتضعفها أن القرارات إدارية في ظاهرها، وأن السودان لم يكن دولة وقت صدورها، وأن سلوكه العملي تذبذب في العقود الأخيرة.
وتتحدد النتائج في خمس. الأولى أن النزاع لم يُحسم قضائيًا ولا يمكن الجزم بنتيجته، إذ يتوقف الترجيح على سؤال سابق هو: هل السند هو المعاهدة أم الحد الإداري الموروث؟ والثانية أن الاحتجاجات المتبادلة منذ 1958 تنفي قرينة التنازل الصريح عند الطرفين. والثالثة أن الخرائط ليست حاسمة بذاتها، غير أن بقاء الخطين فيها ورفض الحذف دليل على الاعتراف العملي بالحد الإداري. والرابعة أن مفارقة بير طويل تُظهر انتقائية الصكوك وتحذّر من أن أي تسوية قائمة على خط واحد تفتح مطلبًا في الأرض الأخرى. والخامسة أن الوقائع الأخيرة، من تقرير 2025 غير المؤكد إلى ضربة أكتوبر 2026، تضع المسألة في سياق أمني واقتصادي يجعل الإدارة المشتركة والتعاون الحدودي أقرب من التحكيم، مع بقاء السيادة موضع تحفظ متبادل.
ولا بد من نقد الدراسة نفسها كي لا تتحول خلاصاتها إلى يقين زائف. فأول القيود أن جزءًا مهمًا من الأدلة الوثائقية يصل عبر وسيط صحفي أو بحثي، كتحقيق «العربي الجديد» الذي يلخص رسائل الأرشيف البريطاني، وأن الأرشيفات الأصلية لم تُراجَع، ولذلك قد تتغير بعض التفاصيل عند فحص النصوص. وثاني القيود أن كثيرًا من الروايات المصرية والسودانية صدر في سياق سياسي متنافس، وأن مصادر كعربي21 ومصراوي والجزيرة نت ومدى مصر ومواقع صحفية أخرى تعكس اصطفافات مختلفة، فتعامل الدراسة معها بوصفها أدلة على مواقف الأطراف لا على الوقائع المجردة. وثالث القيود أن الاستدلال القانوني هنا تحليلي لا ملزم، فالمحكمة لم تنظر النزاع، وقد تعطي وزنًا مختلفًا لما رجحته هذه الدراسة. ورابعها أن مقاربة «النص أم الإدارة» نفسها قد تكون مختزلة، لأن قضاء المحكمة في قضايا أفريقية عدة مزج بين السند والفعالية والتوقعات المعقولة للسكان، وقد يفعل ذلك هنا. وخامسها أن التركيز على الحجج القانونية يخفي أحيانًا الحقيقة الأقسى، وهي أن سكان المنطقة من البجا والعبابدة هم أول من يتحمل كلفة الغموض، سواء في الخدمات أو في الأمن أو في فرص التعدين الآمن، كما أظهرت مأساة المنجم.
ويبقى الدرس الأعمق أن الحدود الرخوة تدفع ثمنها الإنسانية قبل الدبلوماسية. فالغموض القانوني في منطقة غنية بالذهب وعصية على الرقابة يفتح الباب لاقتصاد التهريب وللعنف الأمني، وهو ما تنبئ به الشواهد الأخيرة. وعليه فإن الأولوية الواقعية، إلى أن يُتاح حل قضائي، هي ترتيبات مؤقتة لا تمس الحقوق القانونية وتحمي الناس وتنظم الموارد، مع بناء ملف سوداني متماسك وفتح باب للتحقيق المشترك في الوقائع الأمنية الأخيرة. ويحتاج البحث اللاحق إلى مراجعة الأرشيفات الأصلية، ومنها الأرشيف الوطني البريطاني وأرشيف السودان في دورهام ودار الوثائق القومية المصرية والسودانية، وإلى دراسة ميدانية تقيس واقع السكان واحتياجاتهم، وإلى تحليل قانوني مقارن أوسع للعلاقة بين الحدود الإدارية والسيادة في أفريقيا، وإلى تقصٍّ مستقل لحوادث أكتوبر 2026.
المراجع
المراجع الإنجليزية
- Abdel Rahim M. Imperialism and nationalism in the Sudan: a study in constitutional and political development, 1899–1956. Oxford: Clarendon Press; 1969.
- Abyei Arbitration (Government of Sudan v Sudan People’s Liberation Movement/Army). Final Award. Permanent Court of Arbitration; 2009 Jul 22.
- AFP. Dozens killed in airstrike on gold mine in Sudan. Taipei Times. 2026 Oct 13:5 [cited 2026 Oct 16].
- African Union. Constitutive Act of the African Union. Lomé; 2000.
- Agreement between the Republic of the Sudan and the United Arab Republic for the Full Utilization of the Nile Waters. Cairo; 1959 Nov 8. United Nations Treaty Series, vol 453, p 51.
- Al Jazeera. At least 72 Sudanese miners killed in air strike: rights monitor. 2026 Oct 11 [cited 2026 Oct 16].
- Al Jazeera. Deadly gold mine air strikes highlight Egypt–Sudan border insecurity. 2026 Oct 12 [cited 2026 Oct 16].
- Alnaser H, Alagra M, Salah E. Sudan, Egypt to pursue joint border security, as public tensions flare after deadly mine bombing. Mada Masr. 2026 Oct 14 [cited 2026 Oct 16].
- Anglo-Egyptian Agreement relative to the Future Administration of the Soudan. Cairo; 1899 Jan 19.
- Aswat Masriya. Egypt responds to Sudanese remarks on disputed border area, says Halayeb is ‘Egyptian land’. 2016 Apr 18 [cited 2026 Oct 16].
- BBN Times. Beyond the Sudan–Saudi dispute: Egypt’s pivotal maritime border agreement and its regional consequences. 2026 [cited 2026 Oct 16].
- Brownlie I. African boundaries: a legal and diplomatic encyclopaedia. London: C. Hurst; 1979.
- Carnegie Endowment for International Peace. The Egypt–Sudan border: a story of unfulfilled promise. 2021 Jan [cited 2026 Oct 16].
- Chagos Marine Protected Area Arbitration (Mauritius v United Kingdom). Award. PCA Case No 2011-03; 2015 Mar 18.
- Chatham House. Coordinating international responses to Ethiopia–Sudan tensions. London: Royal Institute of International Affairs; 2023 Apr [cited 2026 Oct 16].
- Collins RO. A history of modern Sudan. Cambridge: Cambridge University Press; 2008.
- Constitution of the Arab Republic of Egypt. Cairo; 2014.
- Crawford J. Brownlie’s principles of public international law. 9th ed. Oxford: Oxford University Press; 2019.
- Crawford J. The creation of states in international law. 2nd ed. Oxford: Oxford University Press; 2006.
- Crisis Group. Containing the volatile Sudan–Ethiopia border dispute. Brussels: International Crisis Group; 2021 Jun 24 [cited 2026 Oct 16].
- Daily News Egypt. Promoting Sudanese sovereignty over Hala’ib Triangle is “unfounded and meaningless”: Egypt’s former foreign minister. 2017 Feb 7 [cited 2026 Oct 16].
- Daly MW. Empire on the Nile: the Anglo-Egyptian Sudan, 1898–1934. Cambridge: Cambridge University Press; 1986.
- Daly MW. Imperial Sudan: the Anglo-Egyptian Condominium, 1934–1956. Cambridge: Cambridge University Press; 1991.
- Dunn MC. Egypt, Algeria and Tunisia accuse Sudan, as Halaib dispute flares up. Wash Rep Middle East Aff. 1993 Feb:33.
- Eastleigh Voice. 72 gold miners killed in air strikes on disputed Sudan–Egypt border, rights group says. 2026 Oct [cited 2026 Oct 16].
- Egyptian Streets. Halayeb and Shalateen: caught in the crossfire of Egyptian–Sudanese relations. 2022 Mar 6 [cited 2026 Oct 16].
- Eritrea–Ethiopia Boundary Commission. Decision regarding delimitation of the border between Eritrea and Ethiopia. 2002 Apr 13. Reports of International Arbitral Awards. 2002;25:83.
- EU Reporter. The Red Sea border question: Sudan, Saudi Arabia and Egypt’s interests. 2026 Sep 24 [cited 2026 Oct 16].
- Frontier Dispute (Benin/Niger). Judgment. ICJ Reports 2005:90.
- Frontier Dispute (Burkina Faso/Republic of Mali). Judgment. ICJ Reports 1986:554.
- Gulf News. Sudan asks Egypt to hold talks over disputed Halayeb area. 2016 Apr [cited 2026 Oct 16].
- Island of Palmas Case (Netherlands v United States of America). Reports of International Arbitral Awards. 1928;2:829–71.
- Kaikobad KH. Some observations on the doctrine of continuity and finality of boundaries. Br Yearb Int Law. 1983;54(1):119–41.
- Kasikili/Sedudu Island (Botswana/Namibia). Judgment. ICJ Reports 1999:1045.
- Kohen MG, Hébié M. Territory, acquisition. In: Max Planck Encyclopedia of Public International Law. Oxford: Oxford University Press; 2011.
- Land and Maritime Boundary between Cameroon and Nigeria (Cameroon v Nigeria: Equatorial Guinea intervening). Judgment. ICJ Reports 2002:303.
- Legal Status of Eastern Greenland (Denmark v Norway). PCIJ Series A/B No 53; 1933.
- Location of Boundary Markers in Taba between Egypt and Israel. Award of 29 September 1988. Reports of International Arbitral Awards. 1988;20:1.
- Middle East Eye. Sudan turns to UN over territory dispute with Egypt. 2018 Jan [cited 2026 Oct 16].
- Newman D. On borders and power: a theoretical framework. J Borderl Stud. 2003;18(1):13–25.
- Njaaga D. French site reports Sudan map order on disputed Red Sea area. The Standard (Kenya). 2025 Sep 15 [cited 2026 Oct 16].
- Nuclear Tests (Australia v France). Judgment. ICJ Reports 1974:253.
- Ong DM. Joint development of common offshore oil and gas deposits: “mere” state practice or customary international law? Am J Int Law. 1999;93(4):771–804.
- Organization of African Unity. Border disputes among African states. Resolution AHG/Res.16(I). Cairo; 1964.
- Reporter (Ethiopia). Sudan notifies its committees of including Hala’ib in Egypt ahead of border demarcation talks with Saudi Arabia. 2025 [cited 2026 Oct 16].
- Reuters. At least 72 Sudanese artisanal miners killed in strike, rights monitor says. 2026 Oct 12 [cited 2026 Oct 16].
- Shaw MN. The heritage of states: the principle of uti possidetis juris today. Br Yearb Int Law. 1996;67(1):75–154.
- Shaw MN. International law. 9th ed. Cambridge: Cambridge University Press; 2021.
- Sovereignty over Pulau Ligitan and Pulau Sipadan (Indonesia/Malaysia). Judgment. ICJ Reports 2002:625.
- Sudan Transparency and Policy Tracker. Regional and international dimensions of conflicts in eastern Sudan. 2025 Aug [cited 2026 Oct 16].
- Sudan Tribune. Sudan calls for international arbitration over border dispute with Egypt. 2009 Oct 20 [cited 2026 Oct 16].
- Sudan Tribune. Sudan official demands Egypt to vacate Halayeb “immediately”. 2011 Feb 17 [cited 2026 Oct 16].
- Sudan Tribune. Sudan wouldn’t abandon sovereignty over Halayeb triangle: FM. 2016 [cited 2026 Oct 16].
- Sudan Tribune. Sudan seeks to take Egypt to “binding arbitration” over Halayeb: expert. 2017 May 5 [cited 2026 Oct 16].
- Sudan Tribune. Sudan cannot resort to maritime arbitration over Halayeb dispute: expert. 2017 May [cited 2026 Oct 16].
- Temple of Preah Vihear (Cambodia v Thailand). Merits. ICJ Reports 1962:6.
- Territorial Dispute (Libyan Arab Jamahiriya/Chad). Judgment. ICJ Reports 1994:6.
- United Nations. Charter of the United Nations. San Francisco; 1945.
- United Nations. Vienna Convention on Succession of States in respect of Treaties. United Nations Treaty Series, vol 1946, p 3; 1978.
- United Nations. Vienna Convention on the Law of Treaties. United Nations Treaty Series, vol 1155, p 331; 1969.
- United Nations Security Council. Letter dated 20 February 1958 from the representative of Sudan addressed to the President of the Security Council. UN Doc S/3963; 1958 [cited 2026 Oct 16].
- United States Department of State, Bureau of Intelligence and Research, Office of the Geographer. Sudan–United Arab Republic (Egypt) boundary. International Boundary Study No 18. Washington, DC; 1962.
- Warburg G. Hot spot: Egypt and Sudan wrangle over Halayib. Middle East Q. 1994;1(2) [cited 2026 Oct 16].
المراجع العربية
- الجزيرة نت. القاهرة: لا أزمة بسبب حلايب. 2009 أكتوبر 21 [تاريخ الوصول: 16 أكتوبر 2026].
- الجزيرة نت. الخرطوم تقترح حلا تكامليا لحلايب. 2009 نوفمبر 1 [تاريخ الوصول: 16 أكتوبر 2026].
- الجزيرة نت. حلايب (موسوعة). 2014 نوفمبر 14 [تاريخ الوصول: 16 أكتوبر 2026].
- رصيف22. حلايب وشلاتين… ماذا فعلت السياسة بالهوية؟ 2025 [تاريخ الوصول: 16 أكتوبر 2026].
- سلامة أ. النزاع المصري السوداني حول حلايب وشلاتين. العربية نت. 2013 أبريل 12 [تاريخ الوصول: 16 أكتوبر 2026].
- عربي21. غضب سوداني من قرار الاتحاد الأفريقي بتبعية حلايب لمصر. 2021 فبراير 18 [تاريخ الوصول: 16 أكتوبر 2026].
- قاسم م. حلايب وشلاتين.. 58 عاما من النزاع المصري السوداني. مصراوي. 2016 أبريل 18 [تاريخ الوصول: 16 أكتوبر 2026].
- مدى مصر. بعد قصف منجم حلايب وشلاتين.. القاهرة والخرطوم تبحثان تنسيق أمني حدودي مشترك مع تصاعد التوترات الشعبية. 2026 أكتوبر 14 [تاريخ الوصول: 16 أكتوبر 2026].
- نون بوست. مصر والسودان .. ما وراء نزاع حلايب وشلاتين. 2014 ديسمبر 3 [تاريخ الوصول: 16 أكتوبر 2026].
- الوسط. العلاقات المصرية السودانية: تاريخ من التقارب والتباعد تحدده ملفات الأمن والسيادة. 2026 أكتوبر [تاريخ الوصول: 16 أكتوبر 2026].
- يوسف ك. أسرار النزاع المصري السوداني في الأرشيف البريطاني. العربي الجديد. 2021 يونيو 20؛ العدد 2484: 13.
- اليوم السابع. حلايب وشلاتين.. القصة من البداية للنهاية «2 – 4». 2017 مايو 21 [تاريخ الوصول: 16 أكتوبر 2026].
