حوار د. ناهد: بدلا من أين ذهب الرفاق، انما أستدعي متي يرجع الرفاق؟

صديق الزيلعي
كتبت خمس مقالات في الحوار مع مقال دكتورة ناهد الهام: أين ذهب الرفاق؟ وهذا هو المقال الأخير. ورغم احساسي بان ما طرحته ناهد، من قضايا هامة، يحتاج الى المزيد من النقاش، الا انني سأتوقف، بسبب ارتباطات عاجلة وضاغطة. اقدم هنا وكخاتمة رؤيتي، حول مجمل القضية المطروحة. قدمت في المقالات السابقة، اتفاقا عاما، مع أطروحات ناهد، واختلافنا في بعض القضايا. وكان اسهامي نقدا لواقع اليسار الماركسي. ولكيلا أكون عدميا، بمعنى التركيز على النصف الفارغ من الكوب، اطرح هنا رؤيتي للخروج من ازمة اليسار الحالية. هذا الموقف ينطلق من حقيقة، افخر بها، وهي انتمائي لليسار، واهتمامي المخلص، بأن يأخذ مكانه الهام والضروري، في الفضاء العام السوداني.
المسألة المحورية اننا نحتفل بذكري، مرور ثمانية عقود من الزمن، على تأسيس الحزب الشيوعي، وهو قلب اليسار السوداني. وأدعو لأن نجعل من هذه المناسبة، وقفة جادة مع النفس، وقراءة التجربة، بذهن مفتوح، ورؤية نقدية. القصد ليس تجريح الذات، ولكن استخلاص للدروس، بمنهج علمي جاد، يقرأ التجربة بصدق.
انطلاقا من هذه الوقفة الجادة مع النفس، علينا أن نركز على بعض المحاور. أول تلك المحاور هو، تأثير انهيار التجربة السوفيتية علينا. وتحديد أثر الماركسية اللينينية على فكرنا السياسي، وبرامجنا وأساليب عملنا. وهذه سيتفرع منها محاور فكرية تتعلق بالاقتصاد، والقوميات، والتحالفات، وجهاز الدولة، وغيرها كثر. هذه ليست تمرينا اكاديميا بحتا، وانما جهد جاد للتعلم من دروس انهيارها ومن العوامل التي أدت لذلك.
طالب المؤتمر الرابع، الذي انعقد في 1967، بالدراسة الباطنية للواقع السوداني. الآن، بعد مرور نصف قرن على ذلك، صدور وثيقته الماركسية وقضايا الثورة السودانية، نحتاج أن ننكب على إنجاح هذه المهمة الملحة، التي صارت أكثر الحاحا. فقد شهدت بلادنا، تحولات كبيرة ومؤثرة، خلال تلك الفترة الطويلة. كما قامت سلطة الاسلامويين، خلال أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، بفرض تغييرات ضخمة، شملت كافة مناحي الحياة في السودان. تم خلالها إعادة تشكيل السودان في الكيفية التي يريدونها له. وتشكل دراسة واقع السودان الخطوة الأولى، في صياغة برنامج التغيير، الذي تتكون سماته من احتياجات الواقع الحقيقي لبلادنا.
تحديد أولويات المرحلة التي تمر بها بلادنا حاليا، مهمة وضرورية. فهي تبدأ بإيقاف الحرب، ومعالجة أسبابها، وتحديد ملامح وأسس العملية السياسية التأسيسية، ومن ثم شكل الانتقال الديمقراطي الكامل. هذه تحديات كبيرة، وتحتاج لعمل جماعي، ورؤية مشتركة. وان تستصحب في ذلك الاستفادة من أخطاء المرحلة الانتقالية السابقة. والاقتناع الواضح والمعلن، ان بلادنا لن يخرجها من أزمتها المستحكمة، حزب واحد او طبقة واحدة، او أثنية واحدة. واننا نحتاج لمشروع وطني جامع يوحد رؤيتنا في كيف يحكم بلدنا، وتحديد الإصلاحات المطلوبة في دولة ما بعد الاستعمار. وان يتم التركيز على قضيتي اقتسام الثروة والسلطة، بين كافة مكونات الدولة السودانية.
هذه محاور عامة، ولكنها تتكون من عدد من المحاور الفرعية، ليس هنا المجال لتفصيلها، وتحتاج لجهد كبير ومستمر ومتقن لإنجازها. و تقتضي زمنا ، لإكمال نسبة لتعقدها، وللتحولات المستمرة، بوتائر مختلفة، في واقع بلادنا في جميع النواحي: السياسية والفكرية والثقافية، والاقتصادية والاجتماعية والاثنية. ولن يتم إنجازها الا بحزب من نوع جديد، كما اعلن دستور المؤتمر الرابع. وهذا التجديد هو ما سأناقشه في الفقرات القادمة.
كل هذه المحاور العامة والفرعية، لا يمكن إنجازها، بدون اجراء عملية تجديد للحزب. في تزامن مع الدعوة لتجديد كل الأحزاب وتطويرها كشرط أساسي لاي عملية انتقال ديمقراطي، وديمقراطية مستديمة. الآن ما هي مطلوبات التجديد، في الحالة المحددة التي نناقشها هنا؟
اجملها في: الانفتاح على الرؤى والتجارب العالمية المختلفة، استخدام المناهج العلمية في اعداد الدراسات حول القضايا الوطنية المختلفة، تطبيق ديمقراطية حزبية حقيقية.
قضية الانفتاح على رؤى وتجارب العالم من حولنا، ضرورية وحاسمة في اجراء أي تغيير اجتماعي حقيقي في بلادنا. فالعالم يتغير، باستمرار، والأفكار تتجدد بشكل حثيث. والشعوب تراكم تجارب مهمة لنا. لذلك الانغلاق على مصدر فكري واحد، مهما كان، مضر بتطور أي حزب أو مؤسسة، وقد فصلت بعض ذلك في المقالات السابقة. فمثلا قضية الانتقال الديمقراطي، فهناك تجارب متعددة ومتنوعة، لكن بها سمات عامة. اننا لا نطالب بنسخها حرفيا، ولكن ندعو للتعلم منها. وأيضا قضية أنشاء جيش قومي، ليست مسألة شعارات مجردة، وانما عملية معقدة، تستلزم جهدا وصبرا ووعيا بكيفية تحقيقها. وكما كررت، هي تجارب للتعلم من دروسها.
القضية الأخرى، هي الخروج من الخطاب العام، الذي يشبه الدعوات الشعبوية. واستخدام العلم والعلماء، بإنشاء مراكز البحوث والدراسات، التي يجب ان تتمتع بالاستقلالية. هذه الحرية الفكرية ضرورية لإنجاز بحوث ودراسات ومشاريع عمل، تتميز بالجودة والاصالة. تقدم لك الدراسات والمشاريع للقيادة الحزبية لتحدد كيفية تقديمها في خطابها العام.
القضية الأخيرة، وهي الأهم، والأعظم تأثيرا، في تطور أي حزب، هي قضية الديمقراطية الحزبية. فوجود حزب يتميز بالديمقراطية الداخلية، والتجديد الدوري للقيادة، وحيوية النقاش، وحرية التفكير، وشفافية الممارسة، هي الخطوة الأولى والاساسية لإنجاز كافة المهام والمحاور التي ذكرناها في هذا المقال.
فما هي أسس هذه الديمقراطية الحزبية:
• وجود مركز قيادي واحد، والقيادة المنتخبة هي من يحدد خطاب الحزب العام.
• السماح بوجود تيارات داخل الحزب، بسبب تعدد الرؤى، واختلاف وجهات النظر. الحوار بين هذه التيارات ينعش فكر الحزب ويجدده باستمرار.
• تفتح المجلات الداخلية للنقاش بحرية، والتداول حول كافة القضايا الفكرية والبرامجية والتنظيمية. وتأسيس مجلات علنية تفتح أبوابها للحوار الفكري، وتلاقح الرؤى.
• استخدام وسائل متعددة في حالة القضايا الكبرى، مثل الاستفتاء العام للعضوية، المؤتمرات الاستثنائية، والمؤتمرات القطاعية والمناطقية في حالة القضايا الخاصة بها.
• تحديد سقف زمني لتبوأ المناصب القيادية، حتى يتم تجديد القيادة دوريا وباستمرار.
• الصراع الفكري ليس انعكاسا ميكانيكا للصراع الطبقي.
• يحق سحب الثقة من القيادي الذي يفشل في أداء المهمة التي كلف بها.
• تمليك الأعضاء مداولات القيادة، حول القضايا المهمة.
حسب عنوان المقال، اننا لسنا منشغلين بسؤال أين ذهب الرفاق؟ ولكنا مهمومين، حقيقة وبجدية تامة، بإرجاع الرفاق لمنصة التأسيس وتجديد المؤسسة الحزبية، لتواكب واقع قرننا الحالي، ولتكون في قلب معركة إعادة بناء السودان، التعددي الديمقراطي والسلمي. سودان العدالة وسيادة حكم القانون، والمشروع الوطني الجامع.

siddigelzailaee@gmail.com

عن صديق الزيلعي

صديق الزيلعي

شاهد أيضاً

الحوار مع د. ناهد: الطليعية والمركزة المطلقة

صديق الزيلعييتواصل الحوار مع المقالات القيمة للدكتورة ناهد محمد الحسن بعنوان أين ذهب الرفاق؟ وقد …