تأمُلات
كمال الهِدَي
غريبٌ جداً أمرُ بعض الأهلة الناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي.
فالفئة التي أعنيها تجدها تمجّد الصحفيين الذين يساندون مجلس الإدارة في مرحلةٍ ما، بينما تسبّ وتشتم وتهاجم كل من ينتقد هذا المجلس.
فهذا “مفتن” ولا يريد للهلال الخير، وذاك يبحث عن المال، ويسخرون منه بمناشدة إدارياً ما بأن يرسل له مبلغاً! والعجيب أن من يشتمون منتقدي مجالس الإدارات يشيدون بكل من يثني على هذه المجالس، بل ويوجدون الأعذار لكل عضو فيها، خاصة لو كان ثرياً.
وحتى لا نبدو كمن يلقي بكل اللوم على أعضاء المجلس الحالي، فلا بد من التأكيد على أن هذه الظاهرة قديمة ومتجددة، وليست مرتبطة بإدارة بعينها.
وعن تجربتي الشخصية، أقول إن الخلاف كان، ولا يزال، مبدئياً، ومرتبطاً بالطريقة التي تُدار بها شؤون الهلال. ففي زمنٍ مضى، انتقدت كثيراً من سياسات صلاح إدريس، وقد تفهم موقفي عدد كبير من الأهلة، لكن آخرين ظنوا أن لدي مشكلة شخصية معه، مع أنني لم ألتقه حتى يومنا هذا.
ثم جاءت فترة البرير، وحين مارست النقد نفسه الذي رأيته موضوعياً، وجدت تأييداً من كثيرين، لكن كانت هناك قلة تفترض أنني أنتقد البرير بسبب قربي من صلاح إدريس.
وبعد انتهاء فترة البرير، التي شهدت أزمة قائد الفريق هيثم مصطفى، ووصول الكاردينال إلى رئاسة النادي عبر العملية الانتخابية الصورية ذاتها التي لم تقتنع بها نفسي يوماً، توهّم قلةٌ من الناس أنني محسوب على جماعة البرير. وبلغ الأمر أن كتب أحد كتّاب الرأي، من أولئك الذين يحشدون كل مفردات العاطفة لإيهام القراء بعمق عشقهم للأزرق، ما مفاده أن شخصي الضعيف يستهدف هيثم مصطفى لأنني ممن تكسبوا من البرير.
وبطبيعة الحال، لم أرد على مثل هذا الهراء آنذاك، وتركت كاتبه لربه، فهو سبحانه العليم ببواطن الأمور. غير أنني أشير إلى ذلك اليوم لتذكير الأهلة بأن ليس كل من يزخر مقاله بعبارات عاطفية عاشقاً ولهاناً للكيان، وليس كل من ينتقد إدارياً يسعى إلى أن يكون من أصحاب الحظوة أو الباحثين عن المكاسب.
فبيننا، كأهلة، من لا يغريهم بريق المال، ولا السلطة، ولا الجاه؛ فلا تظلموا الجميع بأحكام متعجلة.
وضمن هذا السياق، كم صُدمت بكاتب أو كاتبة تقرأ سطورهم المتقدة حماساً، وتلمس في كلماتهم عداءً وتحريضاً علي كل ما هو مريخي، ثم تكتشف لاحقاً أنهم الأقرب، علاقة وودًا، إلى أبرز كُتاب المريخ! فأي نفاق يُمارَس على القراء؟ وأي خداعٍ وتضليلٍ يُراد لهم أن يصدقوه؟
بل إن بعضكم قد يذهب إلى حد ترشيح أحدهم لعضوية مجلس إدارة الهلال، ظناً منه أنه يقاتل من أجل الكيان ويدافع عن مجلسه، بينما لا يعدو الأمر أن يكون استدراراً لعواطف البسطاء، وتوظيفاً للمشاعر لتحقيق مصالح لا علاقة لها بالهلال.
وأؤكد أنني أستعرض هذه الخلفية لا لسببٍ يخصني شخصياً، فأنا أترك لكل شخص كامل الحرية في التعبير عن رأيه تجاه ما أكتب، سواء وافقني أو خالفني. لكن موقفي يظل راسخاً رسوخ الجبال، لا يبدّله رضا فئة، ولا يزعزعه غضب أخرى، لأنني أكتب وفق ما يمليه عليّ ضميري وقناعتي، لا وفق ما يرضي هذا الطرف أو ذاك.
ولو تناولنا ما حدث مؤخراً مع كاتب الرأي نادر عطا، لوجدنا أن الكيل بمكيالين بلغ مداه لدى بعض الأهلة. فقد وجّه نادر نقداً قاسياً إلى نائب رئيس الهلال، مستخدماً مفردات أختلف معه فيها شخصياً، لكن ماذا حدث بعد ذلك؟
لجأ العليقي إلى القانون، وهذا حق أصيل لا يجادل فيه عاقل. غير أن المؤسف هو ما أعقب ذلك، إذ بدا المشهد وكأنه يحمل قدراً من التشفي. فبحسب ما تداولته الأخبار، اقتيد نادر من أم درمان، حيث قُيّدت الشكوى، إلى عطبرة، ليقضي فيها عدة أيام رهن الحبس، قبل أن يُرحّل إلى بورتسودان، حيث أودع الحراسة مع المتهمين في قضايا جنائية.
وفي المقابل، يتذكر كثيرون أن الصحفية رشان أوشي، عندما صدر بحقها حكم في وقت سابق، قيل إنها أُودعت في مكتب أحد الضباط داخل سجن النساء، ولم تُعامل بالطريقة ذاتها. وهنا لا أتحدث عن الأشخاص بقدر ما أتحدث عن مبدأ المساواة في المعاملة.
لكن اللافت أن بعض من كتبوا عن الظروف غير الإنسانية التي تعرض لها نادر، قوبلوا بتعليقات من شاكلة:” يستاهل، حتى لا يسيء إلى الآخرين مجدداً.” وهنا يتجلى الكيل بمكيالين بأوضح صوره؛ فمن يرفض الإساءة أو الظلم يجب أن يكون مبدئياً في موقفه، فلا يقبل من العليقي ما يرفضه من نادر، ولا يبرر لأي طرف ما يدينه عند الطرف الآخر. فالمبادئ لا تتجزأ، والعدالة تفقد معناها عندما تُقاس بالأسماء والانتماءات لا بالأفعال.
ما يدهشني حقاً، ويستحق الوقوف عنده، هو هذا التناقض الصارخ في مواقف البعض تجاه الصحافة والصحفيين.
فمن يرون أن جميع الصحفيين مجرد متكسبين ينتظرون الهبات من الإداريين، ينبغي أن يطبقوا هذا الحكم على الجميع، لا أن يستثنوا منه من يناصرون مجلساً بعينه، ويزيّنون أخطاءه، ويضخّمون إنجازاته، ويتغاضون عن كل ما يسيء إلى الهلال بوصفه كياناً كبيراً ومؤسسة عريقة.
هذا التناقض، في تقديري، يعكس انتهازية في الموقف، ولا يليق بهلالي أصيل أن يكون انتهازياً في تعامله مع ناديه.
فإما أن نرفض كل ما يصدر عن الصحفيين، مؤيدين كانوا أم معارضين لمجلس معين، وإما أن نترك مساحة للرأي الآخر، وألا نتوقع أن يتفق الجميع على إداري، مهما بلغت مكانته في نظر البعض.
كما أن هجوم بعض الأهلة، واستخدامهم لعبارات مثل:”الجيب سخن، والكاتب يحتاج دعماً مالياً ليصمت”، إذا تأملناه جيداً، سنجده اعترافاً ضمنياً بأن بعض الإداريين فاسدون، وأنهم يدفعون الأموال لتحفيز أقلام وإسكات أخرى. وإلا فمن أين جاءت هذه الافتراضات؟
ولست ممن يحاولون التغطية على أزمات صحافتنا الرياضية ومشكلاتها، بل كثيراً ما مارست نقداً ذاتياً، وأشرت إلى هذه الاختلالات دون مواربة. لكن ألا تتفقون معي في أن كثيراً من جماهير الهلال شركاء، بدرجة أو بأخرى، في تكريس هذه المشكلات؟
والأعجب من ذلك أن بعض الصحفيين الذين ينتقدهم القراء اليوم هم أنفسهم من ساعدوا إداريين بالأمس على الوصول إلى كرسي رئاسة الهلال.
لكن في ذلك الوقت كانوا، في نظرهم، مخلصين للكيان، وسيوفاً مسلولة للدفاع عن مكتسباته. لكن ما إن يتحولوا إلى مربع النقد حتى يصبحوا “مفتنين” ولا يريدون للهلال الاستقرار! إنه موقف يفتقر إلى الاتساق، أعزائي الأهلة.
والأجدر بنا، دائماً، بوصفنا أنصاراً لأعرق أندية البلاد، أن نتبنى موقفاً مبدئياً مما يحدث داخل نادينا، وأن نرفض حكم الأفراد، ونسعى إلى أن يكون هذا الكيان جامعاً بالفعل لا بالقول. ولن يتحقق ذلك إلا عبر عضوية واسعة وواعية، تختار الأكفأ والأصلح لإدارة النادي، وإلا فلن نستطيع إعفاء أنفسنا من المسؤولية عن الأزمات التي نشكو منها.
إن إغلاق الباب أمام صحيفة تبيع ملايين النسخ و تتكسب من اسم الهلال، أو أمام صحفي ينظر إلى جيوب الإداريين، لن يتحقق بالسباب والشتائم، وإنما باعتماد الكفاءة والنزاهة، لا المال، معياراً للوصول إلى رئاسة الهلال. وعندها ستُغلق هذه الأبواب تلقائياً.
kamalalhidai@hotmail.com
