د. أسامة محي الدين خليل
أعلنت فيه مباحث التموين وحماية المستهلك بولاية الخرطوم عن تفكيك شبكة إجرامية تصنع أواني الطهي “التمبل بي” من مخلفات المعادن في قرية الهدلاب بكرري، محذرة من أخطارها الجسيمة على الصحة العامة. وكعادة الشارع السوداني الذي يمتلك مناعة عالية ضد الأزمات وروحاً فكاهية لا تهزم، قوبل الخبر بسخرية واسعة وتعليقات ساخرة؛ فـ”التمبل بي” وأواني الألمنيوم اليدوية ليست وليدة اليوم، بل هي جزء مألوف من إرثنا الشعبي وصناعاتنا التقليدية التي عاشت عليها أجيال وأجيال.
سخرية الناس لم تكن تشكيكاً في العلم، بل هي انعكاس لحالة من الدهشة والواقعية المرة؛ فهذه الأواني كانت لقرون خياراً اقتصادياً شعبياً متاحاً، ولم يكن في ذهن البسيط أن ما أُلف واستُخدم طويلاً قد يحمل طابعاً خطيراً. وفي ظل ظروف الحرب القاسية والضغوط المادية الهائلة التي تُثقل كاهل الأسر السودانية، حيث يبحث الأب عن لقمة العيش وسبل النجاة بكل ما أوتي من عزم، يصبح أي خبر يتناول إغلاق منافذ الرزق أو تجريم الحرف اليدوية البسيطة مثاراً للقلق والامتعاض.
لكن الوجه الآخر للحقيقة، بعيداً عن العاطفة، وبمنظور علمي بحت، فإن تحذيرات جهات الرقابة والمواصفات لم تكن لغو أراجيف؛ فالصناعة العشوائية للخردة – وخاصة حين تتداخل فيها مخلفات المركبات ورصاص البطاريات وأجزاء السيارات المصهورة بأفران بدائية – تحمل طابعاً كارثياً على الصحة العامة. تفاعل المعادن الثقيلة كالرصاص مع الأطعمة الحمضية يمثل قنبلة موقوة تؤدي على المدى الطويل إلى أمراض مزمنة كالفشل الكلوي، والتشوهات، والمخاطر المسرطنة. إذن، الجهات الرقابية محقة في خوفها على صحة المواطن، فالصحة تاج لا يقدر بثمن.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجهنا اليوم في السودان ليس في “تجريم” أو “إغلاق” مصادر الرزق والصناعات الخفيفة، بل في كيفية تأهيلها وإدارتها. في ظل تعثر سلاسل الإمداد وارتفاع البطالة، تمثل الصناعات المنزلية والصغيرة عصب الاقتصاد الذاتي وطوق نجاة للأسر.
لذا، فإن الحل الأمثل والأكثر حكمة يكمن في الآتي:
- الرقابة الإرشادية بدل الرقابة العقابية: تحويل لجان المواصفات والرقابة إلى “حاضنات فنية” تقدم اشتراطات ميسرة ومرنة (Good Manufacturing Practices) تتناسب مع حجم الإنتاج المنزلي أو الصغير.
- ضبط المدخلات: حصر استخدام المواد الخام النظيفة والآمنة (Food-grade)، ومنع استخدام الخردة الملوثة بالمعادن الثقيلة والبطاريات.
- التوعية والتدرج: منح الحرفيين فرصاً لتصحيح أوضاعهم، وتوفير أدلة مبسطة لمعايير الجودة والسلامة تضمن استمرار العمل دون الإضرار بالمستهلك.
إننا بحاجة إلى اقتصاد يحمي المستهلك من السموم، وفي نفس الوقت يحمي الأب الساعي وراء الرزق من شبح البطالة. فالتوازن الممكن هو مفتاح العبور من رحم الأزمات إلى آفاق الإنتاج الآمن.
