د. محمد عبدالله
لم يكن المشهد عابراً كما ظن البعض. شابة تخرج من قاعة امتحان الشهادة السودانية، تقف أمام كاميرا تلفزيونية، ملامحها مشدودة، صوتها متوتر، تقول بوضوح لا يخلو من غضب: الامتحان صعب، خارج المقرر، والمراقبون في هذه القاعة لم يكونوا “متعاونين” مثل غيرهم… لم يسمحوا للطلاب بالتشاور، ولا بإدخال ما يعينهم على الحل.
في لحظة خاطفة، انقسم الناس:
فريق رأى فيها طالبة مظلومة، وفريق رأى فيها عرضاً مكثفاً لانهيار منظومة القيم.
لكن الحقيقة – كالعادة – لم تكن في أي من الطرفين، بل في المسافة المؤلمة بينهما.
ما قالته الشابة لم يكن زلة لسان، ولا سوء تعبير عابر. كان، على نحو صادم، تعبيراً صريحاً عن وعي تشكّل في بيئة كاملة. وعي لم يعد يرى في الغش جريمة، بل حقاً ، أو على الأقل “تسهيلاً مشروعاً” لتعويض صعوبة الامتحان أو قسوة الظروف.
وهنا تكمن الخطورة.
فالمسألة لم تعد أن طالباً يغش خفية، بل أن طالبًا يطالب علناً بأن يُسمح له بالغش، ويغضب حين يُمنع. هذه نقلة نوعية، لا في سلوك الأفراد، بل في تعريف الأخلاق نفسها.
في تعليق لافت، كتب أحدهم – محمد صلاح – مداخلة بدت أقرب إلى تشريح اجتماعي منها إلى رأي عابر. قال، ببساطة موجعة: من أين ستأتي هذه الشابة بالأخلاق والنزاهة، وهي ترى مجتمعًا كاملاً يسير بالغش والتلاعب؟ دولة تُدار بالمحسوبية، وظائف تُمنح بشهادات مزورة، أموال تُجمع بلا مساءلة، ونجاحات تُصنع خارج قواعد الاستحقاق.
كان سؤاله قاسياً… لكنه صادق.
فالطالبة لم تبتكر شيئاً جديداً ، بل أعادت إنتاج ما تراه يومياً، ولكن على طريقتها البريئة: طالبت فقط بأن يُقنّن الفساد داخل قاعة الامتحان، كما هو مقنّن – ضمنيًا – في مجالات أخرى.
غير أن المأساة لا تقف هنا.
بينما كانت الشابة تحتج على “صرامة” المراقبين، كان هناك – في مكان آخر من البلاد – ما يقارب 280 ألف طالب وطالبة في دارفور وكردفان لم يجلسوا للامتحان أصلاً ، للعام الثالث على التوالي.
هؤلاء لا يشكون من صعوبة الأسئلة، ولا من منع “البخرات”، ولا من تشدد المراقبين.
مشكلتهم أبسط… وأقسى:
لا طريق آمن إلى الامتحان،
لا قدرة على السفر،
لا دولة تضمن الحد الأدنى من العدالة.
هنا، يتكشف التناقض الفادح:
طالبة تحتج لأن الغش لم يُسمح لها،
وآلاف غيرها لا يجدون حتى حق المحاولة.
ليست المشكلة في هذه الشابة. هذه خلاصة لا بد من قولها بوضوح.
هي ليست استثناءاً ، بل نموذج. ليست السبب، بل النتيجة.
المشكلة في “السيستم” – كما سماه صاحب التعليق – ذلك البناء غير المرئي الذي تتآكل فيه القيم ببطء، حتى يصبح الشذوذ هو القاعدة، والاستقامة هي الاستثناء.
في هذا النظام، لا يعود الغش فعلاً معيباً، بل مهارة.
ولا يصبح النجاح ثمرة جهد، بل نتيجة علاقات.
ولا تكون العدالة مبدأ، بل رفاهية.
ربما كان أسهل علينا أن نغضب من الشابة، أن نُدينها، أن نحملها وزر ما قالت.
لكن ذلك – في جوهره – نوع من الهروب.
الهروب من مواجهة السؤال الحقيقي:
كيف وصلنا إلى مرحلة يُطالب فيها طالب – دون حرج – بأن يُسمح له بالغش؟
وكيف أصبح ذلك، في نظره، أمرًا طبيعياً؟
المشهد، في نهاية الأمر، ليس عن امتحان صعب، ولا عن مراقب متشدد.
إنه عن بلد اختلطت فيه المعايير، حتى لم يعد أبناؤه يميزون بين ما يجب أن يكون، وما اعتادوا أن يكون.
الشابة كانت صادقة… أكثر مما ينبغي.
والمجتمع، في المقابل، بدا مرتبكاً… أكثر مما يحتمل.
المشهد، في جوهره، لا يتعلق بامتحان ولا بمراقب، بل بحكاية أعمق من ذلك بكثير. حكاية بلد تآكلت فيه البوصلة حتى صار الخطأ مألوفاً ، والصواب موضع دهشة. الشابة لم تفعل سوى أن قالت ما يختبئ في صدور كثيرين، بصوت عالٍ ومن دون مواربة. أما نحن، فقد فوجئنا بالصوت، لا بالمحتوى. وربما كانت هذه هي المأساة الحقيقية: أن نُصدم حين تُقال الحقيقة، لا حين تُصنع كل يوم.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم