باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 14 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

خريطة أمراء الحرب في السودان: من البرهان وحميدتي إلى شبكات الميليشيات والذهب والقبيلة والدولة الموازية

اخر تحديث: 14 سبتمبر, 2026 1:44 مساءً
شارك

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يقدم المقال تحليلاً معمقاً لخريطة أمراء الحرب في السودان، مؤكداً أن الحرب السودانية ليست مواجهة ثنائية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع فحسب، بل هي منظومة واسعة من مراكز القوة المسلحة تشمل قوات نظامية وشبه عسكرية وحركات مسلحة دارفورية وقوات قبلية وكتائب إسلامية وقوات دفاع محلية ومجموعات مجندين مدنيين وشبكات اقتصادية مسلحة ومقاتلين أجانب وقادة محليين يتمتع بعضهم باستقلالية كبيرة عن القيادة المركزية. وقد قدر مركز الدراسات الاستراتيجية الأفريقية وجود نحو 150 ميليشيا وجماعة مسلحة ناشطة بدرجات مختلفة في الحرب. ويؤكد المقال على أهمية التفريق بين مفهوم أمير الحرب والقائد العسكري النظامي، فالقائد النظامي يعمل داخل مؤسسة دولة ذات قانون وسلسلة قيادة رسمية، بينما أمير الحرب يمتلك قوة مسلحة مستقلة نسبياً ويستطيع تعبئة مقاتلين خارج المؤسسات النظامية والسيطرة على مساحة جغرافية أو طرق وموارد وفرض الإكراه واستخدام العوائد الاقتصادية والسياسية لإدامة نفوذه. ويستند المقال إلى الإطار النظري لآلكس دي وال حول السوق السياسي الذي يرى أن الحكم في هذه البيئات يقوم على معاملات نقدية وعنفية متبادلة بين النخب، وإلى مفهوم وليام رينو حول سياسة أمراء الحرب، وأدبيات حوكمة المتمردين التي تميز بين جماعة مسلحة تقاتل الدولة وأخرى تمارس وظائف الحكم. ويقدم محمد حمدان دقلو حميدتي نموذجاً معيارياً للمقاول السياسي الذي يتاجر بالمال والاشتباك المسلح. وتتضمن خريطة السودان عدة طبقات: القمة وفيها البرهان وحميدتي، ثم دوائر القيادة العسكرية والعملياتية والإقليمية، ثم الحركات المسلحة، ثم القيادات القبلية والمحلية، وأخيراً الشبكات الاقتصادية والعابرة للحدود.

يتناول الفصل الأول الجذور التاريخية لظاهرة أمراء الحرب من الدفاع الشعبي إلى الجنجويد، مبيناً أن الدولة السودانية كانت الحاضنة الأصلية لهم. فقد بدأ هذا النمط مع تأسيس قوات الدفاع الشعبي في الثمانينيات كجهاز شبه عسكري يتبع رئاسة الجمهورية مباشرة لا القوات المسلحة، بهدف إسناد الجيش النظامي في حربه ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق في الجنوب. وظلت هذه القوات رغم ارتباطها الرسمي بالقوات المسلحة بموجب اتفاقية السلام الشامل عام 2005 مؤسسة مستقلة تخضع مباشرة لسلطة الرئاسة لا لقيادة الجيش. واستُخدم مصطلح قوات الدفاع الشعبي أحياناً لوصف ميليشيات لا ترتبط فعلياً بالخرطوم، لا سيما في جنوب دارفور وغرب كردفان، مما يعكس الغموض المتعمد في خطوط التبعية بين الدولة والميليشيا. ومع اندلاع تمرد حركتي تحرير السودان والعدل والمساواة في دارفور عام 2003، لجأت حكومة البشير إلى استراتيجية مكافحة تمرد قائمة على تسليح ميليشيات عربية محلية عُرفت باسم الجنجويد، بالتوازي مع القصف الجوي المباشر لقرى المتمردين المفترضين. وقد وثقت دراسة جولي فلينت أن اللواء حامد كان يتولى تنسيق دمج هذه الميليشيات القبلية في عمليات الجيش وتوزيع الأموال على شيوخ القبائل لضمان ولائهم، في آلية مباشرة لتحويل الزعامة القبلية إلى سلعة سياسية قابلة للشراء. كما وثقت صراعات داخلية مبكرة على النفوذ ضمن هذه الشبكة، من بينها التنافس القبلي بين معسكر عبد الوحيد سعيد علي سعيد وحلقة موسى هلال المقربة من القيادة العسكرية، وهو تنافس زرع بذور الانشقاقات التي ستتكرر لاحقاً. وبحسب تقديرات نشرها باحثون عام 2010، فإن ما يقارب ثلاثمئة ألف مدني ماتوا كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة لهذا الصراع بين عامي 2003 و2010. وقد أفضت هذه المرحلة إلى سلسلة من محاولات التسوية السياسية التي فشلت جميعها تقريباً في احتواء تشظي الحركات المسلحة، بدءاً من اتفاقية سلام دارفور في أبوجا عام 2006 بين الحكومة وفصيل واحد فقط من جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وهو ما رفضته بقية الفصائل المتمردة ودفعها إلى مزيد من التشظي والاصطفاف وإعادة الاصطفاف. ثم جاءت وثيقة الدوحة للسلام في دارفور عام 2011 لتوقّع عليها الحكومة وائتلاف حركة التحرير والعدالة فقط، بينما ظلت أهم القوى المتمردة خارج هذا الاتفاق. وبالتوازي، شهدت ولايتا جنوب كردفان والنيل الأزرق قتالاً ضارياً خلال الحرب الأهلية السودانية الثانية بين عامي 1983 و2005، حيث اصطف السكان المحليون في هاتين الولايتين إلى جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان، لتتشكل لاحقاً منهما نواة الحركة الشعبية – قطاع الشمال. وشكّل عام 2013 نقطة تحول مفصلية حين أسس نظام البشير رسمياً قوات الدعم السريع بوصفها جهازاً شبه رسمي يتبع جهاز الأمن والمخابرات الوطني، قبل أن ينتقل تبعيتها لاحقاً إلى القيادة العامة للقوات المسلحة. وقد استند هذا التأسيس إلى البنية التحتية القبلية والعسكرية ذاتها التي أفرزتها ميليشيات الجنجويد، بل استند مباشرة إلى الرجل الذي قاد تلك الميليشيات ميدانياً: محمد حمدان دقلو حميدتي، الذي حوّل هذه القوة تدريجياً من ميليشيا مساندة للجيش إلى جيش موازٍ كامل الأركان.

ويتناول الفصل الثاني عبد الفتاح البرهان كقائد للدولة العسكرية ومركز المعسكر النظامي، موضحاً أنه ليس أمير حرب بالمعنى الضيق للكلمة، وإنما قائد الدولة العسكرية النظامية ومركز القرار الأعلى في المعسكر الذي يستند إلى القوات المسلحة وأجهزة الدولة والحلفاء المسلحين. وتضم القوات المسلحة القوات البرية والقوات البحرية والقوات الجوية والاستخبارات العسكرية وحرس الحدود، وتظل القيادة العليا فيها مرتبطة بالمؤسسة العسكرية الرسمية. لكن طبيعة الحرب جعلت البرهان مركزاً لائتلاف أوسع بكثير من الجيش النظامي، فمنذ 2023 أصبح الجيش يعتمد بدرجات متفاوتة على قوات الحركات الدارفورية المسلحة وقوات درع السودان والمقاومة الشعبية والمستنفرين وكتائب إسلامية وقوى محلية وقبلية. ولذلك فإن قوة البرهان في الحرب لا تقاس فقط بعدد جنود القوات المسلحة، بل بقدرته على إبقاء هذا الائتلاف المتعدد تحت مظلة عسكرية واحدة. وفي المقابل، يمثل هذا الائتلاف نفسه تحدياً لمرحلة ما بعد الحرب، لأن القوات التي تدخل الحرب باعتبارها حلفاء قد تخرج منها باعتبارها مراكز قوة مسلحة مستقلة. وقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على البرهان في يناير 2025، في سياق تحميل القيادة العليا للقوات المسلحة مسؤولية أفعال وسياسات تهدد السلام والاستقرار في السودان. ومن الناحية التحليلية، فإن العقوبات لا تعني قانوناً أن البرهان هو المسؤول الشخصي عن كل فعل يرتكبه كل جندي أو ميليشيا متحالفة مع الجيش، لكنها تؤكد أن المجتمع الدولي يتعامل مع القيادة العليا باعتبارها صاحبة قدرة على التأثير في سلوك المؤسسة العسكرية والمعسكر المرتبط بها.

ويتناول الفصل الثالث حميدتي وعائلة دقلو من ميليشيا قبلية إلى منافس على الدولة، مبيناً أن الفريق أول محمد حمدان دقلو يمثل الحالة الأكثر اكتمالاً في السودان لتحول القائد شبه العسكري إلى منافس على الدولة. فقد نشأت قوته من البيئة العسكرية والقبلية في دارفور، اعتماداً على قبيلته الرزيقات من عرب الأبالة، وارتبط تاريخ الدعم السريع بالجنجويد الذين استخدمهم نظام عمر البشير في حرب دارفور، قبل أن تتحول القوة إلى جهاز شبه عسكري رسمي في عام 2013. وأصبح حميدتي لاحقاً نائب رئيس مجلس السيادة بعد سقوط البشير، ثم دخل في صراع مفتوح مع البرهان حول مستقبل المؤسسة العسكرية وترتيبات دمج الدعم السريع داخل الجيش، وهو الصراع الذي انفجر في 15 أبريل 2023. ويضم جيشه الموازي بحسب تقديرات ما يقارب مئة ألف مقاتل مجهزين بعتاد ثقيل، وله امتدادات خارج الحدود السودانية في ليبيا وتشاد واليمن، فيما تشير تقديرات أحدث إلى قوام يتراوح بين 280 ألفاً و450 ألف مقاتل بحلول عام 2026 وفق تصريحات حميدتي نفسه. وتختلف بنية الدعم السريع عن بنية القوات المسلحة، فالاتحاد الأوروبي يرى أن الدعم السريع أقل مؤسسية من القوات المسلحة، وأن جزءاً مهماً من قيادته التاريخية جاء من عائلة دقلو، وأن قاعدته التقليدية كانت في دارفور مع هيمنة تاريخية لقادة من العرب الدارفوريين ولا سيما الرزيقات والمسيرية، مع سعي القوة لاحقاً إلى توسيع قاعدة قادتها وحلفائها إلى مناطق وفئات أخرى. وقد أصبح حميدتي خلال الحرب أكثر من مجرد قائد عسكري، فالدعم السريع طور شبكة اقتصادية ولوجستية وعابرة للحدود، وسيطر على مساحات واسعة من دارفور، وامتلك علاقات مع جماعات محلية وإقليمية، ثم انتقل المشروع في 2025 إلى محاولة بناء سلطة سياسية موازية. ففي فبراير 2025 وقع الدعم السريع وحلفاؤه ميثاقاً لإنشاء حكومة موازية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، ثم تطور المشروع إلى تحالف تأسيس الذي جعل حميدتي رئيساً لمجلس رئاسي، فيما أصبح عبد العزيز الحلو نائباً له. وهذه النقلة هي التي تجعل حميدتي نموذجاً كلاسيكياً متقدماً لأمير الحرب: القوة المسلحة لم تعد مجرد أداة للقتال، بل أصبحت أساساً لمحاولة بناء سلطة سياسية وإدارية واقتصادية منافسة للدولة المركزية. ويعني ذلك أن التفاوض مع حميدتي لا يتعلق فقط بوقف إطلاق النار، وإنما يتعلق أيضاً بالسؤال عن مصير المؤسسات والأراضي والموارد والشبكات التي تراكمت حول الدعم السريع خلال الحرب. وعبد الرحيم حمدان دقلو، شقيق حميدتي، هو نائب قائد الدعم السريع وأحد أبرز مراكز القرار العملياتي فيه. وتظهر أهميته في أن قيادة الدعم السريع لا تعمل بالطريقة نفسها التي تعمل بها القيادة العسكرية التقليدية التي تعتمد فقط على الرتب والمؤسسات، بل تمزج بين القيادة الرسمية وشبكات القرابة والثقة الشخصية والروابط القبلية والمصالح الاقتصادية. وقد ارتبط اسمه بالعمليات العسكرية في دارفور، بما في ذلك الهجمات على المدن والمناطق التي كانت تحت سيطرة القوات المسلحة أو الحركات المسلحة المتحالفة معها. ووثق فريق خبراء الأمم المتحدة توسع الدعم السريع في دارفور واعتماده على شبكات إمداد وقادة محليين وميليشيات متحالفة، كما وثق أن قادة حركات دارفورية انتقلوا بين معسكرات الحرب تبعاً لتغير المصالح العسكرية والسياسية. وقد حدده تقرير أممي أيضاً بوصفه القائد الأعلى رتبة ميدانياً خلال عمليات السيطرة على مدينة الفاشر، إذ وثّق فريق خبراء الأمم المتحدة وجوده المباشر أثناء اجتياح مقر الفرقة السادسة مشاة. والقوني حمدان دقلو، شقيق حميدتي، يمثل بعداً آخر في منظومة القيادة، وهو الجانب اللوجستي والمالي والتسليحي. وقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أفراد وشركات وشبكات مرتبطة بتمويل وتسليح الدعم السريع، بما يعكس حقيقة أن الحرب لا تعتمد فقط على القائد الميداني، وإنما على منظومة كاملة للشراء والنقل والتمويل. وهنا يظهر أحد أهم الاختلافات بين الدولة الحديثة وأمير الحرب: الدولة تمول جيشها من الميزانية العامة وتخضع المشتريات العسكرية من حيث المبدأ لقواعد مؤسسية، بينما يستطيع أمير الحرب استخدام شركات واجهة وشبكات تجارية ووسطاء وحدود مفتوحة ومصادر ذهب ومقاتلين مأجورين لتمويل القوة المسلحة. لذلك فإن تفكيك اقتصاد الحرب لا يقل أهمية عن جمع الأسلحة.

ويتناول الفصل الرابع الهرم القيادي الميداني لقوات الدعم السريع من دارفور إلى الفاشر، مبيناً أن القيادة الميدانية للدعم السريع تتوزع على شبكة واسعة من الجنرالات الموثوقين الذين عيّنهم حميدتي على مدى سنوات لإدارة أقاليم بعينها، إلى جانب طبقة من القادة الذين برزوا في العمليات الميدانية وخضعوا لعقوبات دولية متلاحقة. ففي شمال دارفور برز اللواء علي محمد عبد الرحمن الملقب بأبو نشوك، أحد أثرياء دارفور ومالك أسطول واسع من المركبات والمراعي والممتلكات في نيالا والخرطوم، والذي قاد قوات الدعم السريع في جنوب دارفور حتى عام 2021 قبل انتقاله لقيادة العمليات في شمال دارفور ومشاركته في قمع احتجاجات الخرطوم عام 2018. وقد اكتسب شهرته العسكرية بعد مشاركته في معركة قريضة عام 2006 ضد قوات مني أركو مناوي، ليُرقّى بعدها إلى رتبة عقيد ثم إلى قائد معسكر التدريب بفتاشة، وبعد مقتل قائد المعسكر السابق العقيد إبراهيم أحمد في معارك طروجي بجبال النوبة، رُقّي إلى رتبة عميد مع خمسين من أبناء عمومته من الماهرية أولاد منصور الهلال، وهي القبيلة الفرعية ذاتها التي ينتمي إليها موسى هلال. ويظهر الاسم نفسه في الوثائق الدولية تحت تهجئة أخرى: جيدو حمدان أحمد محمد، المعروف أيضاً بأبو شوك أو أبو ناشوك وفق اختلاف التهجئات بين المصادر. وتصفه وزارة الخزانة الأمريكية في فبراير 2026 بأنه لواء في الدعم السريع وقائد قطاع شمال دارفور منذ عام 2021، بينما أدرجته الأمم المتحدة في فبراير 2026 على قائمة العقوبات، ووصف الاتحاد الأوروبي دوره بأنه قائد لقطاع شمال دارفور ونائب لقائد الدعم السريع. ويكتسب أهمية خاصة بسبب دوره في معركة الفاشر، فقد كان أحد القادة الذين ظهروا في المدينة بعد سقوطها في 26 أكتوبر 2025، وربطت العقوبات الدولية بين وجوده ووجود عبد الرحيم دقلو فيها وبين عمليات قتل وانتهاكات واسعة وقعت عقب السيطرة عليها. وبعد إصابته ونقله للعلاج خارج البلاد، تولى اللواء النور أحمد آدم الملقب بالقبة قيادة قوات الدعم السريع في الفاشر، وقد وصفه التقرير الأممي بأنه كان ضمن القيادة العليا لقوات الدعم السريع، وعلى اتصال مباشر بعبد الرحيم دقلو، وحاضراً بصفة قيادية خلال المعارك داخل المدينة وأصدر أوامر مباشرة خلال عمليات السيطرة عليها. وقد أظهر تقرير حديث للجزيرة نت أن قائداً ميدانياً آخر من قوات الدعم السريع، نال فيها رتبة عميد، ارتكب عمليات قتل جماعي وانتهاكات واسعة ضد المدنيين في مدينة الفاشر، وأن له دوراً في تحويل المدينة إلى ما وصفه ناجون بميدان للمجازر، إذ نشر منذ أغسطس 2025 مقاطع مصوّرة على منصة تيك توك توثّق عملياته وهو يطلق النار على مدنيين أثناء التحقيق معهم، مفتخراً بما ارتكبه. ويتطابق هذا الوصف مع سيرة العميد الفاتح عبد الله إدريس آدم الملقب بأبو لولو، أحد أكثر القادة الميدانيين ارتباطاً بأدلة مرئية على الانتهاكات، إذ قالت وزارة الخزانة الأمريكية في فبراير 2026 إنه ظهر في تسجيلات وهو يقتل مدنيين غير مسلحين، ويتباهى بقتل أعداد كبيرة، ويستجوب أسرى من القوات المسلحة ومدنيين حول انتمائهم القبلي، ويهدد بعضهم بالعنف الجنسي، ثم يقتل بعض الأسرى بإطلاق النار عليهم. وأهمية أبو لولو ليست فقط في خطورة الاتهامات، وإنما في أنها توضح مشكلة المسؤولية الفردية داخل المنظمات المسلحة: فوجود قيادة مركزية لا يلغي مسؤولية القائد الميداني الذي يصدر الأوامر أو ينفذها، كما أن العقوبة المفروضة على قائد أعلى لا ينبغي أن تحل محل التحقيق في أفعال القادة المحليين. أما في شرق ووسط دارفور، فقد تولى القيادة اللواءان علي يعقوب جبريل وأحمد بركات الله، إلى جانب اللواء عصام الدين الذي يدير مناطق أخرى من الإقليم. وقد فرضت الولايات المتحدة على علي يعقوب جبريل عقوبات في مايو 2024، مع اللواء عثمان محمد حامد محمد المعروف باسم عمدة، بسبب قيادتهما حملة الدعم السريع في دارفور والتصعيد حول الفاشر. وتصف وزارة الخزانة عثمان محمد حامد بأنه لواء في الدعم السريع ورئيس العمليات منذ نوفمبر 2024، وأنه كان يقدم تصريحات باسم القوة بعد الانتصارات العسكرية، وكان جزءاً مهماً من التخطيط العملياتي، وهو ما يضعه في طبقة مختلفة عن القائد القبلي المحلي؛ فهو جزء من القيادة العسكرية العليا للقوة وليس مجرد قائد مجموعة محلية. وقد قُتل علي يعقوب جبريل في يونيو 2024 خلال القتال، ولذلك يجب وضعه في الخريطة التاريخية للقيادة وليس باعتباره قائداً حياً في سبتمبر 2026، وهذه نقطة مهمة منهجياً في أي خريطة لأمراء الحرب: فالقوائم التي تجمع أسماء قديمة وحديثة من دون تحديد تاريخ الحالة تعطي انطباعاً خاطئاً عن القيادة الحالية. وفي غرب دارفور برز اللواء عبد الرحمن جمعة برك الله بوصفه أحد أبرز القادة الإقليميين للدعم السريع وقائداً للقوة في هذه الولاية، وقد فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات في نوفمبر 2024 بسبب دوره القيادي في حملة الدعم السريع هناك، التي تضمنت وفق وزارة الخزانة الأمريكية انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، وعنفاً جنسياً مرتبطاً بالنزاع، وعنفاً ذا طابع إثني، كما ربطته الوزارة مباشرة بعملية اختطاف وقتل والي غرب دارفور خميس أبكر. وتكتسب حالته أهمية لأنها توضح كيف يتحول القائد الإقليمي إلى مركز قرار محلي؛ ففي بيئة مثل غرب دارفور لا تكون السيطرة العسكرية مجرد السيطرة على ثكنة، بل تشمل الطرق والأسواق والمخيمات وممرات النزوح والقرى والموارد والحدود مع تشاد، ولذلك يصبح القائد العسكري المحلي لاعباً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في الوقت نفسه. ومن القادة الميدانيين البارزين أيضاً تيجاني إبراهيم موسى محمد الملقب بالزير سالم، الذي ظهر مع قيادات أخرى بعد سقوط الفاشر، وفرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات في فبراير 2026 بسبب دوره القيادي في عمليات حصار المدينة والسيطرة عليها وما ارتبط بها من انتهاكات. وتمثل أسماء القادة الميدانيين الأقل شهرة، مثل إدريس كافوتي، طبقة مهمة في خريطة الحرب، إذ لا تتوقف المسؤولية عند حميدتي وعبد الرحيم دقلو والقادة الإقليميين. وقد أظهرت العقوبات الأوروبية والأمريكية المتعاقبة اتجاهاً نحو توسيع نطاق المساءلة ليشمل قادة ميدانيين يشتبه في مشاركتهم في الانتهاكات، خصوصاً في الفاشر ودارفور. وتشير هذه الظاهرة إلى أن الدعم السريع ليس جهازاً هرمياً محكماً بالمعنى التقليدي؛ فقد لاحظت الوكالة الأوروبية للجوء أن قيادة الدعم السريع في الجزيرة، خلال فترة سيطرته عليها، واجهت صعوبات في السيطرة والقيادة، وأن التسلسل الهرمي انهار في بعض المناطق وأن فصائل متنافسة بدأت تعمل باستقلال نسبي. وهذا التفكك مهم جداً لفهم المستقبل: فإذا كانت القيادة المركزية لا تسيطر بصورة كاملة على الوحدات المحلية أثناء الحرب، فإن توقيع اتفاق مع القيادة المركزية لن يكون بالضرورة كافياً لضمان توقف كل أشكال العنف.

ويتناول الفصل الخامس الانشقاقات ممثلة في أبو عاقلة كيكل وعلي رزق الله سافنا والنور أحمد آدم القبة كمرآة لتفكك الولاءات. فاللواء أبو عاقلة كيكل أسس قوات درع السودان عام 2022، ثم اصطف في بداية الحرب مع القوات المسلحة، قبل أن ينضم إلى قوات الدعم السريع في أغسطس 2023، ليعينه حميدتي في ديسمبر 2023 قائداً للدعم السريع في ولاية الجزيرة، فأصبح مركزاً عسكرياً رئيسياً للقوة في الولاية. واللافت في مساره أنه بدأ القتال إلى جانب قوات الدعم السريع في ولاية الجزيرة قبل أن ينشق عنها ويعود إلى القوات المسلحة في أكتوبر 2024، محتفظاً برتبته العسكرية وأصبح حليفاً مهماً في العمليات. ليصبح لاحقاً من أبرز مستهدفي عمليات الاغتيال بالطائرات المسيّرة التي تنفذها قوات الدعم السريع، ومن ذلك محاولة استهدافه بطائرة انتحارية مسيّرة في منطقة شرق النيل بولاية الخرطوم، والتي أفادت مصادر مقرّبة منه بأنه غادر الموقع المستهدف قبل نحو ساعة من الحادث الذي أودى بحياة صديق عثمان الفكي عمر ونجله، وهما من رموز منطقة عد بابكر شرق النيل، وأصاب اثنين آخرين كانا يتوضآن لصلاة الفجر. وقد صرّح القيادي في قوات درع السودان عمار نايل بأنهم يدركون أن تأثير كيكل في قلب موازين المعركة لصالح القوات المسلحة جعله الهدف الأكبر لقوات الدعم السريع، لمعرفته بأسلوب قتالها وتحقيقه نجاحاً في هزيمتها. ولكن عودة كيكل إلى الجيش لم تمحُ المسؤولية عن الفترة التي كان فيها قائداً في الدعم السريع؛ فقد وثقت هيومن رايتس ووتش انتهاكات ارتكبتها قوات مرتبطة به، كما وثقت لاحقاً انتهاكات ارتكبتها قواته بعد انتقالها إلى الجيش. وبحلول عام 2026 كانت قواته قد توسعت لتشمل محور النيل الأزرق بالكامل، متعاونة مباشرة مع الفرقة الرابعة مشاة التابعة للجيش من مقرها في مدينة الدمازين، حيث أشاد قائد الفرقة اللواء الركن إسماعيل الطيب حسين بالأدوار المتعاظمة لقوات درع السودان في إسناد القوات المسلحة، فيما أعلن كيكل دفع قواته نحو منطقة يابوس الحدودية ضمن عمليات وصفها بالكسح والمسح لإنهاء وجود قوات الدعم السريع قبل حلول موسم الأمطار، مؤكداً أن المزارع يجب أن يذهب إلى حقله مطمئناً لعدم وجود ميليشيات في المنطقة. وقد وصف كيكل المعركة التي يخوضها السودان بأنها ليست ضد قبيلة أو جهة أو مكون اجتماعي، بل ضد مجموعة مأجورة تنفذ أجندات خارجية تستهدف أمن السودان واستقراره. وتكشف سيرته عن نمط أمير الحرب المتنقل: القائد الذي يدخل الحرب بقوة مستقلة، ويتحالف مع أحد الطرفين، ثم ينتقل إلى الطرف الآخر مع مقاتليه ومعداته، يمكن أن يحتفظ بقوة تفاوضية مستقلة حتى بعد انضمامه رسمياً إلى الدولة. وعلي رزق الله، المعروف باسم سافنا أو سافانا في بعض الترجمات الأجنبية، هو قائد حركة مسلحة كان مرتبطاً بالدعم السريع، وأعلن انشقاقه عنه في مايو 2026، ووصل إلى الخرطوم بعد إعلانه الانشقاق، معلناً رغبته في العمل من أجل السلام والانحياز إلى ما وصفه بخيار الشعب السوداني. وتكتسب حالته أهمية تاريخية لأنه لم يكن مجرد جندي يترك وحدته، وإنما قائد حركة مسلحة ذات تاريخ مستقل، فقد وقع في 2013 اتفاق سلام مع نظام عمر البشير وحصل بموجبه على رتبة عسكرية، ثم تمرد لاحقاً وانضم إلى مجلس الصحوة الثوري المرتبط بموسى هلال، قبل أن يظهر في منظومة الدعم السريع ثم ينشق عنها في 2026. وقد وصفت تقارير صحفية انضمامه إلى الجيش بأنه جزء من سلسلة انشقاقات رفيعة المستوى من الدعم السريع، إلى جانب النور أحمد آدم القبة، مع تحذيرات حقوقية من أن استقبال القادة المنشقين عسكرياً لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة من المحاسبة. أما النور أحمد آدم، المعروف باسم النور القبة أو النور أحمد آدم القبة، فهو أحد أبرز القادة الذين انشقوا عن الدعم السريع في 2026. كان قائداً بارزاً في هجوم الدعم السريع على الفاشر، وقاتل إلى جانب جيدو أبو شوك وعلي يعقوب جبريل، وكان يقود سابقاً قوة متحركة عُرفت باسم قوة درع السلام. وفي أبريل 2026 أعلن انشقاقه وانضمامه إلى القوات المسلحة، في ظل توترات داخلية مرتبطة بتعيين جيدو أبو شوك قائداً عسكرياً لشمال دارفور بعد سقوط الفاشر بدلاً منه. وتكشف حالته مشكلة استراتيجية عميقة: عندما ينتقل القائد إلى الطرف الآخر، فإنه لا ينتقل بالضرورة منفرداً، بل يمكن أن يأخذ معه مقاتلين ومركبات وسلاحاً وشبكات معرفة محلية. ولذلك حذرت تحليلات حديثة من أن انتصار الجيش على الدعم السريع أو تفككه لا يعني تلقائياً انتهاء الحرب؛ فقد تتحول الوحدات التي تنشق إلى مراكز قوة جديدة داخل الجيش نفسه.

ويتناول الفصل السادس موسى هلال والإدارة الأهلية كسلف تاريخي لظاهرة أمراء الحرب. ويمثل الشيخ موسى هلال عبد الله، زعيم قبيلة المحاميد من عرب الأبالة في دارفور، الوجه الأقدم لظاهرة أمراء الحرب في السودان الحديث، إذ يُعد من أبرز مؤسسي ميليشيا الجنجويد التي شنت حملات واسعة ضد المدنيين في دارفور عام 2003 في سياق مكافحة تمرد الحركات المسلحة، وقد تولى قيادة قبيلته خلفاً لوالده الشيخ هلال عبد الله المنتمي إلى حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي. ورغم توليه لاحقاً منصب مستشار وزير الداخلية وترشيحه عام 2008 لمنصب كبير مستشاري وزارة الشؤون الاتحادية، فقد اعتقلته قوات الدعم السريع نفسها في نوفمبر 2017 في معقله بمنطقة مستريحة شمال دارفور، مع ثلاثة من أبنائه وخمسين من معاونيه، ونُقلوا مكبّلين إلى الخرطوم لمواجهة محاكمة عسكرية. ووصف حميدتي حينها اعتقاله بأنه يمثل نهاية لمرحلة من اللااستقرار والاقتتال في دارفور، متعهداً ببسط هيبة الدولة دون هوادة أو مجاملة لأحد مهما كانت الكلفة، رغم أن مصطلح الجنجويد نفسه، بحسب اللهجة المحلية، يعني حرفياً جن على ظهر جواد، وكان يُطلق أصلاً على المطاريد وقُطّاع الطرق الذين يجوبون الإقليم لنهب الثروات والأنعام بقوة السلاح. أُطلق سراح موسى هلال في 11 مارس 2021 بعد أربع سنوات من الاحتجاز إثر عفو أصدره مجلس السيادة، وشُطبت الدعوى الموجهة ضده، لكن قادة الدعم السريع منعوه من زيارة إقليم دارفور، وشمل قرار الإفراج الصادر من محكمة عسكرية بالخرطوم أربعة من أبنائه إضافة إلى سبعة آخرين من قيادات مجلس الصحوة الثوري. ومنذ ذلك الحين تحول هلال إلى خصم مباشر لحميدتي عبر قيادته لهذا المجلس، وهو فرع منشق عن شبكة الجنجويد القديمة يوصف بأنه فرع آخر من ميليشيات الجنجويد التي قاتلت نيابة عن البشير خلال صراع دارفور بعد عام 2003. وقد شهدت العلاقة بين الطرفين مواجهات مسلحة متكررة تصاعدت إلى حد اعتقال قوات الدعم السريع لحرس موسى هلال الشخصي وعدد من معاونيه قرب الحدود السودانية الليبية، لتبدأ حرب كلامية أفضت إلى اعتقال الدعم السريع لهارون مديخير، أحد أعوان هلال، قبل أن تصل الخلافات إلى طريق مسدود بعد تعرض القائد البارز في قوات الدعم السريع عبد الرحيم جمعة، وهو ابن عم وصهر حميدتي، لكمين من قوات تابعة لموسى هلال قرب مستريحة أسفر عن مقتله مع ستة آخرين. وقد جرى تسوية هذا النزاع لاحقاً بموجب اتفاق منحت بمقتضاه قوات الدعم السريع موسى هلال مبلغاً قُدّر بتسعمئة مليون جنيه سوداني، بسعر صرف بلغ حينها نحو 1350 جنيهاً للدولار الواحد، تعويضاً عن الأموال والسيارات التي استولت عليها عند اقتحامها معقله في مستريحة. وظل هلال يهادن قوات الدعم السريع منذ إطلاق سراحه، قبل أن يوجه إليها انتقادات علنية في 25 فبراير 2024 خلال مخاطبته قوات مجلس الصحوة الثوري العائدة من ليبيا، ليعلن بعدها وقوفه صراحة مع الجيش، وفي أوائل أكتوبر 2024 وقّع مجلس الصحوة الثوري التابع له اتفاقاً مع مجموعة الزعيم الدارفوري الطاهر حجر لوضع حد للتنافس المستمر بينهما منذ سنوات. ومن اللافت أن المحكمة الجنائية الدولية، خلافاً لأمراء حرب آخرين متورطين في جرائم دارفور الأولى، لم تلاحق موسى هلال قضائياً حتى الآن، رغم خضوعه لعقوبات فرضها مجلس الأمن الدولي شملت تجميد أصوله وحظر سفره. وتظهر أهمية موسى هلال في أن شبكة الحرب الحالية لم تبدأ في 2023؛ فقد كانت دارفور مختبراً مبكراً لتحويل الزعامات القبلية إلى قوة عسكرية، ثم تحويل القوة العسكرية إلى نفوذ اقتصادي وسياسي، ولهذا فإن فهم حميدتي من دون فهم موسى هلال والتاريخ السابق للجنجويد وقوات حرس الحدود والميليشيات العربية في دارفور يؤدي إلى تجاهل جذور مهمة من بنية الحرب. وفي غرب دارفور تظهر أيضاً أهمية الإدارة الأهلية بوصفها قوة تعبئة: فقد ورد اسم أمير مسار عبد الرحمن أصيل، من قيادات الإدارة الأهلية وممثل للرزيقات، في تقارير مرتبطة بالتحريض والتعبئة القبلية، كما ورد اسم حافظ حسن بوصفه شخصية من الإدارة الأهلية ارتبطت بتعبئة مقاتلين إلى جانب الدعم السريع. وهذه الشخصيات لا ينبغي وضعها تلقائياً في الفئة نفسها التي تضم حميدتي أو قائداً عسكرياً مثل عثمان محمد حامد؛ فالإدارة الأهلية تمتلك نوعاً مختلفاً من السلطة: سلطة اجتماعية وتعبوية، يمكن أن تتحول في ظروف الحرب إلى قوة عسكرية. ولذلك فإن الخلط بين الزعيم القبلي وأمير الحرب العسكري يؤدي إلى تحليل ناقص، بينما تجاهل الزعيم القبلي تماماً يؤدي إلى تجاهل آليات التجنيد والحشد. كذلك ارتبط موسى أنجير بقيادة الجبهة الثالثة – تمازج، وهي مجموعة ذات حضور عربي في دارفور ارتبطت بالدعم السريع، وقد وثق الأرشيف السوداني نقلاً عن مصادر صحفية دولية أن أنجير ظهر في الجنينة خلال أحداث 2023، كما ارتبط اسمه باتهامات سابقة في قضايا قتل ونهب وتخريب. وتكشف هذه الحالة عن الفئة الأوسع من القادة الذين لا يملكون جيشاً بحجم الدعم السريع، لكنهم يستطيعون تقديم وحدات ومقاتلين وغطاء قبلي أو محلي، ولذلك يصبحون جزءاً من اقتصاد التحالفات العسكرية.

ويتناول الفصل السابع المعسكر المتحالف مع القوات المسلحة، بما في ذلك الكتائب الإسلامية والقيادة العسكرية النظامية والمقاومة الشعبية. فقد اعتمد الجيش السوداني منذ الأشهر الأولى للحرب على شبكة من الكتائب شبه العسكرية المرتبطة بإرث الحركة الإسلامية وقوات الدفاع الشعبي التي كانت الذراع الشعبية للنظام السابق، إلى جانب قيادة عسكرية نظامية رفيعة ومنظومة واسعة من قوى الحشد الشعبي والقبلي. وأبرز التشكيلات شبه العسكرية لواء البراء بن مالك، المعروف أيضاً باسم كتيبة البراء بن مالك نسبة إلى مقاتل مسلم مشهور خلال الفتوحات الإسلامية المبكرة، والذي ظهر اسمه لأول مرة خلال حرب الجنوب كجزء من قوات الدفاع الشعبي، الذراع القتالي الشعبي للحركة الإسلامية السودانية، قبل أن يتراجع بعد سقوط نظام البشير عام 2019 مع حل مؤسساتها الرسمية، فيما ظل أفراده على تواصل يجتمعون تحت مظلة أنشطة اجتماعية، منتظرين اللحظة المناسبة للعودة إلى الواجهة. وقد أعدّ اللواء والحركة الإسلامية الأوسع مقاتليهما منذ عام 2019، ولهما اتصالات مع بعض الضباط في المخابرات العسكرية السودانية، وقد قاتلا بشكل نشط إلى جانب القوات المسلحة السودانية منذ بدء الحرب في 15 أبريل 2023، وتكبدا خسائر كبيرة في مواقع متعددة كان أعنفها داخل الوحدات العسكرية في الخرطوم وحولها. وتفيد تقارير بأن قوام هذا اللواء يتجاوز عشرين ألف مقاتل، وله تمثيل داخل سلاحي المدرعات والمشاة، إضافة إلى قوات الاحتياطي المركزي التي فرضت عليها واشنطن عقوبات بسبب مشاركتها في القتال. ويتكون أغلب عناصره من شباب ترعرعوا على الخطاب الإسلامي الجهادي الذي كان يروّج له رموز من الصف الإسلامي القديم مثل النيل الفاضل، أبرز القيادات الشبابية بحزب المؤتمر الوطني حزب البشير، وإسحاق أحمد فضل الله، وعبيد ختم، وعلي عبد الفتاح، ولم يكن نشاطه قبل الحرب يقتصر على التدريب العسكري السري، بل امتد إلى مشاهد أكثر علنية أبرزها تأمين الإفطارات الرمضانية التي نظمتها قيادات المؤتمر الوطني المحلول، وكذلك المشاركة في وقفات مناهضة للتطبيع مع إسرائيل ولقاءات البرهان بمسؤولين إسرائيليين. ولا تتوفر معلومات موثقة عن هوية القائد العام للواء سوى أنه شاب في الثلاثينيات لم يكن له دور يُذكر قبل سقوط نظام البشير، برز نشاطه في التظاهرات المناهضة لحكومة عبد الله حمدوك عام 2019 وظهر يقود أولى المواكب ضدها. ومن الأسماء المرتبطة بقيادة اللواء ميدانياً المصباح أبو زيد طلحة، وأنس عمر، وحذيفة إسطنبول، وقد فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على المصباح أبو زيد طلحة بوصفه قائداً للواء، ضمن حزمة العقوبات المتعلقة بالسودان. ويجب التمييز هنا بين أعضاء الحركة الإسلامية المدنيين عموماً وبين التشكيلات العسكرية الإسلامية؛ فالخطر الذي يهم خريطة أمراء الحرب يتعلق بالتحول من التنظيم السياسي إلى التنظيم المسلح، وتزداد أهمية اللواء لأن عودة الإسلاميين إلى المجال العسكري قد تؤثر في مستقبل الدولة حتى إذا انتهت الحرب؛ فإذا تحولت الكتائب الأيديولوجية إلى مؤسسات أمنية أو احتفظت بسلاح مستقل، فإن عملية بناء جيش وطني موحد ستصبح أكثر تعقيداً. أما على مستوى القيادة العسكرية النظامية، فيبرز الفريق أول ياسر العطا من أبرز قادة القوات المسلحة خلال الحرب، إذ قاد عمليات عسكرية مهمة في الخرطوم وأم درمان، وأصبح في 2026 رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة. وتنبغي هنا الدقة الاصطلاحية: العطا ليس أمير حرب بالمعنى الميليشياوي، وإنما قائد عسكري نظامي يملك نفوذاً كبيراً في إدارة الحرب، لكن وجوده داخل هذه الخريطة ضروري لأن خريطة السلطة المسلحة لا يمكن أن تقتصر على القادة غير النظاميين؛ فالقرار العسكري الذي يصدر عن قيادة الجيش يمكن أن يغير توزيع القوة على عشرات المجموعات الحليفة، كما أن العلاقة بين الجيش والحركات المسلحة والمستنفرين والكتائب الإسلامية تمر جزئياً عبر القيادة العليا للقوات المسلحة. ويبرز أيضاً الفريق أول شمس الدين كباشي، من أبرز قادة القوات المسلحة، وكان نائباً للقائد العام خلال مراحل مهمة من الحرب، وقد ظهر دوره أيضاً في التعامل مع المقاومة الشعبية والمستنفرين، وهو ما يكشف أن الجيش لم يخض الحرب بقواته النظامية وحدها، بل استخدم منظومة واسعة من القوات المساندة. ويأتي الفريق إبراهيم جابر من أعضاء القيادة العليا ومجلس السيادة، وتنبع أهميته من تداخل القيادة العسكرية مع الإدارة الاقتصادية للدولة أثناء الحرب، وهذه المنطقة هي التي تجعل الفصل بين القيادة العسكرية واقتصاد الحرب صعباً في السودان، إذ تعتمد الدولة في الحرب على شركات ومؤسسات ومصانع وشبكات مالية مرتبطة تاريخياً بالمؤسسة العسكرية. ويُضاف الفريق الطاهر محمد العوض الأمين، من قادة القوات الجوية، وقد ارتبط اسمه بالعقوبات الأوروبية في سياق مسؤولية القيادة عن عمليات جوية نفذتها القوات المسلحة، وتكمن أهمية إدراجه في الخريطة في أن القوة الجوية هي أحد أهم مصادر التفوق التقليدي للجيش على الدعم السريع، لكنها في الوقت نفسه تخلق مخاطر كبيرة على المدنيين عندما تستخدم في مناطق حضرية مكتظة. أما المقاومة الشعبية والمستنفرون، فليسا تنظيماً واحداً، بل يشير المصطلح إلى مجموعات مدنية أو شبه عسكرية استجابت لدعوات التعبئة إلى جانب القوات المسلحة. وقد قدر مركز الدراسات الاستراتيجية الأفريقية عدد المنخرطين في المقاومة الشعبية بعشرات الآلاف، مع انتشارها في ولايات متعددة. ويكشف ذلك عن أحد أخطر التحديات في مرحلة ما بعد الحرب: إذا أصبح حمل السلاح وسيلة للترقي الاجتماعي والسياسي خلال الحرب، فإن إنهاء الحرب يتطلب توفير مسارات بديلة للهوية والدخل والحماية، وإلا فقد تتحول المقاومة الشعبية من أداة تعبئة مؤقتة إلى مجموعة جيوش محلية.

ويتناول الفصل الثامن حركات دارفور المسلحة من اتفاق جوبا إلى إعادة الاصطفاف والحياد المتغير. فقد شكّلت الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا لعام 2020 طبقة موازية من القيادات المسلحة ذات الطابع الإقليمي والإثني. مني أركو مناوي، رئيس حركة/جيش تحرير السودان – فصيل مناوي وحاكم إقليم دارفور، هو من أبرز قادة التمرد الدارفوري السابقين الذين تحولوا بعد اتفاق جوبا إلى شركاء في الدولة، ثم عادوا إلى الحرب إلى جانب القوات المسلحة بعد اندلاع الحرب الحالية، ويقود بحسب مصادر عسكرية أكبر تشكيل مسلح بين هذه الحركات بقوام يقارب ثلاثين ألف مقاتل يتمركز أغلبهم في شمال دارفور. وتكمن أهميته في أنه لا يقود ميليشيا محلية فقط، وإنما يقود حركة ذات تاريخ عسكري وسياسي طويل، كما أن موقعه كحاكم لإقليم دارفور يمنحه طبقة إضافية من السلطة الرسمية إلى جانب السلطة المسلحة. وقد انضمت قواته إلى المعسكر المتحالف مع الجيش، وأصبحت جزءاً من القوة المشتركة في دارفور. ووفق فريق خبراء الأمم المتحدة، أدى تحول مواقف قادة الحركات في الفاشر إلى تشكيل قوة مشتركة متحالفة مع القوات المسلحة، وكان من بين القادة الذين اصطفوا معها جمعة هقار وعبد الله جنة وعثمان عبد الجبار وتيجاني دُهَيب. ويُعد جمعة هقار القائد العسكري البارز لحركة تحرير السودان – فصيل مناوي، وقد أظهرت التقارير الأممية الحديثة أنه كان ضمن القادة الذين اصطفوا مع القوات المسلحة في الفاشر، وأصبح لاحقاً قائداً للقوة المشتركة المتحالفة مع الجيش في بعض العمليات، بما في ذلك العمليات التي استعادت بها القوات المتحالفة مواقع في شمال كردفان خلال 2026. وهذا التصحيح مهم لأن بعض المصادر القديمة في 2023 و2024 تحدثت عن مواقف مختلفة أو متغيرة له، بما يعكس الانقسامات داخل الحركات، وبالتالي فإن وضعه الحالي يجب تحديده زمنياً بدلاً من نقل موقف قديم إلى خريطة 2026. وقد رافق نائب القائد العام لحركة مناوي، جابر إسحق، زعيمه إلى معسكر وادي سيدنا في أمدرمان، بينما تولى جمعة حقار مهمة تأمين الفاشر، آخر معاقل الجيش في دارفور. أما جبريل إبراهيم محمد، المولود عام 1955 في منطقة الطينة بولاية شمال دارفور، قائد حركة العدل والمساواة ووزير المالية والتخطيط الاقتصادي في الحكومة الانتقالية، والقيادي السابق ضمن القيادات الشبابية في الحركة الإسلامية التي حكمت السودان ثلاثين عاماً تحت اسم حزب المؤتمر الوطني قبل تأسيسه حركته، فهو من أبرز قادة الحركات الدارفورية الذين اصطفوا إلى جانب القوات المسلحة. وقد افترض حصوله هو ومناوي على وظائف على مستوى الجيش والشرطة وجهاز المخابرات طبقاً لاتفاق السلام الموقّع في 3 أكتوبر 2020، والذي ينص أيضاً على دمج قوات الحركات المسلحة في الجيش السوداني وتشكيل قوة منفصلة قوامها عشرون ألف جندي من الحركات المسلحة والجيش والشرطة والدعم السريع لحماية المدنيين في دارفور. وشاركت قوات حركته في القتال ضمن المعسكر المتحالف مع الجيش، بما في ذلك العمليات المتعلقة بالدفاع عن الفاشر ومناطق أخرى. وتكشف حالته عن تحول تاريخي مهم: الحركة التي نشأت أصلاً باعتبارها حركة تمرد على الدولة أصبحت جزءاً من الدولة ووزيراً في الحكومة، ثم عادت إلى القتال دفاعاً عن أحد طرفي الدولة، وهذا يوضح أن الحرب السودانية لا تدور فقط حول الدولة ضد المتمردين، وإنما حول إعادة توزيع مراكز القوة داخل الدولة نفسها. وقد ورد اسم تيجاني دُهَيب في تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة بوصفه القائد الرئيسي في دارفور لحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم في سياق القوة المتحالفة مع القوات المسلحة، وهذه الإضافة مهمة لأن خريطة القيادة لا تكتمل بذكر القائد السياسي للحركة فقط؛ فالحركات المسلحة عادةً تفصل بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية، وقد تكون لدى القائد العسكري قدرة على اتخاذ قرارات ميدانية تختلف عن قدرة السياسي على اتخاذ قرارات تفاوضية. وقد أعلن مناوي وجبريل إبراهيم معاً، مع اندلاع حرب 2023، انحيازاً ضمنياً ثم صريحاً لصف الجيش السوداني، وهو ما أحدث انقسامات داخلية حادة في صفوف حركتيهما، إذ أعلنت فصائل منشقة عنهما تنسيقها مع قوات الدعم السريع بدلاً من ذلك للعمل، بحسب بيانها، على تحقيق الأمن والاستقرار في إقليم دارفور وحماية المواطنين، وتشكيل قوة مشتركة مع قوات الكفاح المسلح لتأمين الإقليم. وقد أفرزت هذه الانقسامات بروز قيادات ميدانية جديدة، من بينها مصطفى تمبور، الذي يقود فصيلاً منشقاً باسم حركة تحرير السودان اصطف مع القوات المسلحة، والذي شاركت قواته، إلى جانب قوات من حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، في معارك أم درمان القديمة وفي شرق البلاد على الحدود مع ولاية الجزيرة التي أخضعتها قوات الدعم السريع لسيطرتها، ونشأت لحركته قوات ومعسكرات تدريب في شرق السودان، خصوصاً في القضارف وكسلا، في سياق إعادة تنظيم الحركات المسلحة بعد الحرب. في المقابل، حافظ الهادي إدريس، قائد حركة تحرير السودان – المجلس الانتقالي وعضو مجلس السيادة الانتقالي السابق قبل الحرب، على موقف أقرب إلى الحياد المعلن في مرحلة من الحرب، ثم أصبح من المشاركين في التحالف السياسي المرتبط بالدعم السريع والحكومة الموازية؛ ففي فبراير 2025 وقع ممثلون عن حركته ضمن الميثاق الذي استهدف إنشاء سلطة موازية، ثم أصبح عضواً في المجلس الرئاسي للسلطة الموازية في يوليو 2025. كذلك حافظ الطاهر هجار (حجر)، قائد تجمع قوى تحرير السودان، على موقف مماثل، إذ شارك مع عبد الواحد محمد نور في إنشاء قوة لحماية المدنيين والقوافل الإنسانية في يناير 2025، قبل أن يظهر اسمه لاحقاً ضمن التحالف السياسي المرتبط بالدعم السريع، وقد سبق أن وقّع مجلس الصحوة الثوري بقيادة موسى هلال اتفاقاً معه في أكتوبر 2024 لإنهاء تنافسهما التاريخي. وهذه الحالة تؤكد أن الحياد في الحرب السودانية ليس بالضرورة موقفاً ثابتاً؛ فقد يتغير وفق التهديدات المحلية، أو مصالح السكان، أو العلاقات الإقليمية، أو فرص التأثير السياسي، وهو ما أدى أيضاً إلى انقسام القوة المشتركة للحركات المسلحة التي تشكلت أصلاً من 2500 مقاتل بهدف حماية المدنيين وتوصيل المساعدات الإنسانية والتواصل مع أطراف النزاع للتحرك بحرية دون استهداف، وللمساعدة في تفادي وقوع حرب أهلية شاملة في الإقليم. وقد انشق سليمان صندل هجار عن حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم في أغسطس 2023، بعد الخلاف حول موقف الحركة من الحرب واصطفافها مع القوات المسلحة، وأصبح يقود فصيلاً مرتبطاً بالدعم السريع، ثم شارك في المشروع السياسي الموازي، إذ ظهر اسمه ضمن الموقعين على الميثاق الذي أطلقه الدعم السريع وحلفاؤه في نيروبي في فبراير 2025، إلى جانب الهادي إدريس والطاهر هجار وشخصيات سياسية ومدنية أخرى. وتوضح حالته أن الحركات المسلحة لا تنقسم فقط حول قضايا الهوية أو الإقليم، بل حول سؤال بالغ الأهمية: هل يكون الجيش هو مركز الدولة أم تكون هناك إعادة تأسيس للدولة على أساس تحالف مسلح جديد؟ وتتضمن خريطة الحركات الدارفورية قيادات ميدانية وسياسية أصغر لكنها مهمة على مستوى السيطرة المحلية، من بينها عبد الله جنة، قائد فصيل جنة داخل تجمع قوى تحرير السودان، والقائد العسكري في دارفور عبود آدم خاطر؛ وصلاح آدم تور المعروف باسم رصاص، المرتبط بفصيل المجلس الانتقالي، والقائد العسكري عثمان عبد الجبار عثمان، وقد وردت هذه الأسماء صراحة في تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة بوصفها قيادات في مجموعات اصطف جزء منها مع القوات المسلحة في الفاشر. أما داخل الفصائل التي حافظت على الحياد، فقد ورد اسم صالح عثمان المعروف باسم جبل سي قائداً عسكرياً في فصيل المجلس الانتقالي، كما ورد أحمد أبو تونغا وعبد الرحيم يعقوب ضمن القيادة العسكرية لتجمع قوى تحرير السودان بقيادة الطاهر هجار. وتوضح هذه الأسماء لماذا لا يمكن اختزال حركات دارفور في خمسة أو ستة قادة فقط؛ فالحركات انقسمت داخلياً، وأصبح لكل فصيل سياسي قائد عسكري، وأحياناً أصبحت القيادة العسكرية أكثر استقلالاً من القيادة السياسية. وعلى النقيض من هذه المحاور المتصارعة، يمثل عبد الواحد محمد نور، مؤسس الجناح الأقدم من حركة تحرير السودان والمتحصن تاريخياً في جبل مرة، نموذجاً مختلفاً من أمراء الحرب اختار الحياد المعلن بدلاً من الاصطفاف. ويعود تاريخ انشقاقات حركته إلى وقت مبكر جداً، إذ انشقت مرة أخرى إلى جناح بقيادة عبد الواحد نفسه وآخر بقيادة خميس أبكر، الذي سيصبح لاحقاً والياً لغرب دارفور ويُقتل في مجزرة الجنينة كما سيرد لاحقاً، فيما تُعتبر الشرارة الأولى للنضال العسكري ضد حكومة الخرطوم في دارفور هي انسلاخ المهندس يحيى بولاد المنتمي لقبيلة الفور من الجبهة الإسلامية القومية وحكومة الإنقاذ عام 1992 وانضمامه إلى جون قرنق وتكوينه ميليشيا مسلحة تحصّنت في جبل مرة، قبل أن تُخمد ثورته سريعاً ويُعدم، لكن ذلك كان كفيلاً ببث روح الرفض والتمرد في الإقليم بأسره. وقد أكد عبد الواحد نور في تصريحات متكررة أن حركته اتخذت موقف الحياد في هذه الحرب ليس خوفاً وإنما لأنها لا يمكن أن تكون مع الجيش ولا مع الدعم السريع بشكله الحالي، معتبراً أن حركته لا يمكن أن تقف مع جيش صنع الميليشيات عبر استخباراته ومارس الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجرائم الحرب، ولا مع قوات الدعم السريع، مع تأكيده سيطرة حركته على ما يقارب ثلث مساحة إقليم دارفور بوصفها أراضي محررة توفر ملاذاً كاملاً للنازحين من الطرفين. وقد ظل عبد الواحد يواجه ضغوطاً متصاعدة من قوات الدعم السريع لتسليم عناصر من الجيش وحلفائه المتحصنين في مناطق سيطرته، فيما طرح في المقابل مبادرة لإخلاء مدينة الفاشر بالكامل من كافة الأطراف المتحاربة وتحويلها إلى منطقة منزوعة السلاح ومركز لإدارة الشأن الإغاثي في دارفور وكردفان والنيل الأبيض والجزيرة نظراً لقربها الجغرافي ووجود طرق معبّدة تربطها بهذه الأقاليم، بل شارك مع الطاهر هجار في إنشاء قوة لحماية المدنيين والقوافل الإنسانية في يناير 2025. وتقدّر تقارير أن عدد الحركات المسلحة في دارفور وحدها يناهز أربعاً وثمانين حركة من أصل نحو سبع وثمانين حركة مسلحة تنشط في عموم السودان.

ويتناول الفصل التاسع الحركة الشعبية – شمال ومثلث الحلو وتوكا وعقار من الحرب الإقليمية إلى مشروع السلطة الموازية. فتمثل جبال النوبة والنيل الأزرق ساحة أخرى لظاهرة الزعامة المسلحة المرتبطة بالهوية الإقليمية. فقد انقسمت الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال، التي تأسست بعد استفتاء انفصال جنوب السودان عام 2011 بقيادة ثلاثية ضمّت مالك عقار رئيساً وعبد العزيز الحلو نائباً وياسر عرمان أميناً عاماً، إلى جناحين منفصلين عام 2017: جناح بقيادة عبد العزيز آدم الحلو يسيطر على سلسلة جبال النوبة الممتدة في جنوب كردفان، وجناح بقيادة مالك عقار يتمركز في إقليم النيل الأزرق. وقد وقّع الحلو على إعلان قوى الحرية والتغيير بحكم عضوية حركته في الجبهة الثورية السودانية، أحد مكونات هذا الائتلاف الذي أطاح بحكم البشير عام 2018. وكان فصيله خارج اتفاق جوبا للسلام، وحافظ على استقلاله عن طرفي الحرب في بدايتها، لكنه دخل لاحقاً في تحالف سياسي وعسكري مع الدعم السريع ضمن مشروع تأسيس، وتصف الوكالة الأوروبية للجوء فصيله بأنه قوة مسلحة تسعى إلى الحكم الذاتي للنوبة وتسيطر على مناطق في جنوب كردفان. ومنذ اندلاع حرب 2023 حافظت قوات الحلو على معارك جانبية ضد الجيش السوداني بهدف تثبيت سيطرتها الإقليمية، قبل أن يشهد موقفها تحولاً لافتاً بعد نحو تسعة أشهر من الحرب حين شاركت إلى جانب الجيش في صد هجمات قوات الدعم السريع التي حاولت التقدم نحو مدينة الدلنج، ثاني كبريات مدن جنوب كردفان الخاضعة لسيطرة الحركة. غير أن هذا التقارب مع الجيش لم يدم طويلاً، إذ أفضى في يوليو 2025 إلى تحول دراماتيكي حين انضم عبد العزيز الحلو رسمياً إلى تحالف تأسيس الموازي بقيادة حميدتي، ليصبح في مشروع السلطة الموازية نائباً له، في نقلة استراتيجية كبيرة من التمرد الإقليمي إلى المشاركة في مشروع لإعادة بناء الدولة من خارج مركزها التقليدي. ففي 26 يوليو 2025، أعلن تحالف السودان التأسيسي من مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور تشكيل مجلس رئاسي من خمسة عشر عضواً برئاسة محمد حمدان دقلو حميدتي رئيساً لمجلس السيادة الموازي وعبد العزيز الحلو نائباً له، فيما أُسند منصب رئيس الوزراء إلى محمد حسن التعايشي، عضو مجلس السيادة الانتقالي السابق والمقرب من حميدتي خلال الفترة الانتقالية التي أطاح بها انقلاب الجيش عام 2021. وقد تبنى هذا التحالف، بحسب ميثاقه المعلن، هدف بناء دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية وفيدرالية، واعتمد إطاراً دستورياً انتقالياً يحدد هيكلة سلطة ثانية داخل دولة واحدة، في ظاهرة وصفتها تحليلات مقارنة بأنها تكرار لنموذج الحكومتين المتنافستين الذي شهدته ليبيا بين حكومتي طرابلس وطبرق، واليمن بين حكومة صنعاء التي شكّلها الحوثيون وحكومة عدن المعترف بها دولياً منذ نوفمبر 2017، مع فارق جوهري هو أن حكومة تأسيس ما تزال، خلافاً لتلك التجارب، تفتقر إلى أي اعتراف دولي حتى الآن. وقد رفض الاتحاد الأفريقي صراحة الاعتراف بهذه الحكومة الموازية، محذراً من أن هذه الخطوة تقود نحو مزيد من الانقسام في البلاد، فيما احتجت حكومة تأسيس لاحقاً على استبعادها من مشاورات السلام التي رعاها الاتحاد الأفريقي وهيئة التنمية الحكومية إيغاد والجامعة العربية في أديس أبابا. وقد عيّن التعايشي لاحقاً وزراء جدداً من خلفيات متعددة سعياً لنيل اعتراف خارجي، من بينهم عمار أمون دلدوم، القيادي البارز في الحركة الشعبية المتحالفة مع الدعم السريع، وزيراً للخارجية والتعاون الدولي، وسليمان صندل حقار وزيراً للداخلية، وعلاء الدين عوض محمد وزيراً للصحة، فضلاً عن ضم الهادي إدريس والطاهر هجار إلى المجلس الرئاسي. ويُعد يوسف توكا أحد أبرز القادة العسكريين للحركة الشعبية – شمال في النيل الأزرق، وقد ارتبط اسمه بتحالفات الحركة مع الدعم السريع في المرحلة الجديدة، وبالتوسع العسكري في مناطق النيل الأزرق والحدود الإثيوبية. أما مالك عقار، فقد اختار مساراً مختلفاً أقرب إلى التموضع داخل مؤسسات حكومة بورتسودان الرسمية، وهو من أهم الأمثلة على انتقال قائد تمرد مسلح إلى مؤسسات الدولة؛ فقد قاد فصيلاً من الحركة الشعبية – شمال، ثم أصبح نائب رئيس مجلس السيادة وحليفاً رئيسياً للبرهان. وحالته ضرورية لفهم مشكلة ما بعد الحرب: فالتسوية السياسية السودانية سبق أن أثبتت أن إدخال قادة الحركات المسلحة في الدولة لا يؤدي تلقائياً إلى نزع السلاح من شبكاتهم، وإذا لم تترافق المشاركة السياسية مع إعادة بناء مؤسسات الأمن، يمكن أن تصبح الدولة نفسها مظلة لاستمرار تعدد مراكز القوة. ويمثل هذا الانقسام بين مسار عقار ومسار الحلو مثالاً آخر على انفراط عقد الحركة الشعبية الواحدة إلى مسارين متناقضين تماماً، وهو ما يعكس، مجدداً، منطق السوق السياسي في إعادة تموضع القادة المسلحين بحسب حسابات المصلحة الآنية لا الثبات الأيديولوجي أو الانتماء التاريخي المشترك.

ويتناول الفصل العاشر مسار المساءلة الدولية أمام المحكمة الجنائية، من الجنجويد إلى قفص الاتهام في لاهاي. فقد شكّلت الملاحقة الدولية بعداً موازياً لخريطة أمراء الحرب السودانيين. فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق أربعة مسؤولين سودانيين رئيسيين على خلفية جرائم دارفور بين عامي 2003 و2004: الرئيس المعزول عمر البشير، ووزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين الذي شغل سابقاً وزارة الداخلية بين عامي 2001 و2005 وعمل ممثلاً خاصاً للبشير في إقليم دارفور من 2003 حتى 2004 وهو مطلوب بتهمة تنسيق الهجمات ضد مدنيين في قرى غرب دارفور، وأحمد هارون الذي تولى رئاسة مكتب أمن دارفور ونُسب إليه تنسيق حملات مكافحة التمرد وتزويد الجنجويد بالسلاح، وعلي محمد علي عبد الرحمن المعروف بعلي كوشيب بوصفه أحد أبرز قادة الجنجويد الميدانيين، إلى جانب مذكرة سابقة بحق عبد الله بندة أبكر، القيادي في حركة العدل والمساواة المتمردة والمتهم بجرائم متعلقة بالهجوم على قاعدة للاتحاد الأفريقي في دارفور، والذي يظل وحده خارج الاحتجاز الفعلي داخل السودان بينما بقية المطلوبين محتجزون داخل البلاد. وقد أصدر مكتب المدعي العام آنذاك تصريحاً يفيد بأن الأدلة تتيح للادعاء الاستنتاج بأن عبد الرحيم محمد حسين هو واحد من الذين يتحملون أكبر المسؤولية الجنائية عن هذه الجرائم. وقد شكّل تسليم علي كوشيب نفسه لسلطات أفريقيا الوسطى عام 2020 نقطة تحول، إذ نُقل إلى لاهاي في 9 يونيو 2020 وبدأت إجراءات محاكمته في الدائرة التمهيدية، لتصدر المحكمة في أكتوبر 2025 إدانة تاريخية بحقه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في حكم بلغ 355 صفحة، أكّدت فيه المحكمة بما لا يدع مجالاً للشك أن كوشيب أمر ودعم وشارك في هجمات إرهابية واسعة النطاق ومنهجية أدت إلى عمليات قتل جماعي ونزوح قسري، لتكون هذه الإدانة الأولى من نوعها منذ اندلاع نزاع دارفور قبل أكثر من عقدين، في وقت تنزلق فيه دارفور مرة أخرى إلى دوامة عنف مماثلة وسط الحرب الراهنة. وقد استغلت قاضية الدائرة الابتدائية بالمحكمة الجنائية الدولية سردها لحيثيات قضية كوشيب لكشف معطيات إضافية حول خطة الطوارئ التي وضعتها الحكومة السودانية آنذاك في الخرطوم، ودعمها لميليشيا الجنجويد بالمال والسلاح، بهدف استهداف قبائل الزغاوة والمساليت والفور، وهي المعطيات ذاتها التي وضعت مساعدي البشير السابقين مجدداً على رادار المحكمة الجنائية الدولية. وفي ديسمبر 2025، أصدرت المحكمة حكمها النهائي بسجن كوشيب عشرين عاماً، بعد أن طالب ممثلو الادعاء في الشهر السابق بالسجن المؤبد له. وحتى تاريخه، ما تزال أوامر التوقيف بحق البشير وهارون وحسين معلقة دون تنفيذ، إذ كان خمسة مشتبه بهم لا يزالون قيد الاتهام حتى يونيو 2019 وفق ما وثّقته ويكيبيديا العربية: أحمد هارون، وعلي كوشيب، وعمر البشير، وعبد الله بندا، وعبد الرحيم محمد حسين، وقد وُجّهت إلى هارون وكوشيب معاً تهم بلغ مجموعها واحدة وخمسين تهمة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد شعب الفور. وقد واصلت نائبة المدعي العام للمحكمة، نزهت شميم خان، دعوة الأفراد والمنظمات إلى تزويد مكتب الادعاء بأي معلومات تتعلق بمكان وجود هؤلاء المطلوبين، مؤكدة أن إدانة كوشيب منحت ضحايا دارفور والمجتمعات المتضررة بارقة أمل جديدة في تحقيق العدالة، وأن مكتب الادعاء أحرز تقدماً ملحوظاً في تحقيقاته عبر إجراء مقابلات مع شهود رئيسيين أسهمت في تعزيز الأدلة وربط الجرائم بمن يُشتبه في مسؤوليتهم عنها. وتؤكد استمرارية هذا المسار أن المساءلة الدولية لم تعد تقتصر على القيادات التاريخية للجنجويد، بل بدأت تمتد إلى القادة الميدانيين المعاصرين، كما يتضح في الفصل التالي عبر عقوبات فبراير 2026 على أبو لولو وجيدو حمدان أحمد والزير سالم.

ويتناول الفصل الحادي عشر مجزرة الجنينة عندما تحوّلت الزعامة القبلية إلى أداة إبادة موثّقة. فيمثل ما جرى في مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، خلال الأشهر الأولى من الحرب أحد أكثر النماذج توثيقاً لكيفية تحول تحالفات أمراء الحرب إلى آلة قتل جماعي منظمة. فقد كانت الجنينة، التي كانت تأوي نحو 540 ألف مدني قبل الحرب، تُعتبر استراتيجية بحكم موقعها كعاصمة الإقليم ومركز سلطنة دار مساليت. وفي أواخر مارس وأوائل أبريل 2023، دفعت الاشتباكات المتجددة بين العرب وغير العرب في الجنينة وفورو برنقا وتندلتي والي غرب دارفور خميس عبد الله أبكر، وهو أيضاً مؤسس وقائد تحالف السودان الوطني، إلى إعلان حالة الطوارئ وفرض حظر تجول ليلي في 10 أبريل، بعد أن أسفرت اشتباكات فورو برنقا بين قبيلتي التاما والعرب عن مقتل أربعة وعشرين شخصاً وتشريد أربعة وعشرين ألفاً آخرين. وفي 14 يونيو 2023، أسفر قصف من قوات الدعم السريع على حي الجمارك عن مقتل سبعة عشر مدنياً، من بينهم أقارب لسلطان دار مساليت، وكان من بين القتلى أمير دار مساليت طارق عبد الرحمن بحر الدين، إضافة إلى إصابة سبعة وثلاثين آخرين، وقد ندد الوالي خميس أبكر في اليوم السابق بالوضع واصفاً إياه بالإبادة الجماعية، ومنتقداً امتناع الجيش السوداني عن مغادرة قاعدته العسكرية لمساعدة المدنيين، بينما وصفت قوات الدعم السريع المعركة بأنها صراع قبلي فحسب. وفي 19 يونيو 2023 قُتل الأمير بدوي مصري بلحدين، ابن عم سلطان دار مساليت، على يد قوات الدعم السريع، وفي 15 يونيو تعرّض الوالي خميس أبكر نفسه للتعذيب، قبل أن يُغتال والده مُثّل بجسده، في واحدة من أبرز الوقائع التي استندت إليها لاحقاً محكمة مكافحة الإرهاب السودانية. وقد اكتمل هذا الهجوم الواسع، بحسب المحكمة السودانية، بحلول 22 يونيو 2023، حين بلغ عدد القتلى خمسة عشر ألف شخص وعدد النازحين سبعمئة وخمسين ألف لاجئ، وهو ما اعتبرته المحكمة دليلاً كافياً على تحقق ركن الهجوم الواسع النطاق قانونياً، مستندة إلى وقائع من بينها مجزرة حي الجمالك واستخدام قذائف الهاون، وسياسة تجويع ممنهجة ومنع علاج الجرحى، ودفن الجرحى أحياء وقتل جرحى السلاح الطبي، إضافة إلى كمائن طريق أدري والقتل الجماعي والاغتصاب والتعذيب والمعاملة المهينة، وقتل الأطفال الذكور أمام أمهاتهم بقصد منع الإنجاب الجديد للجماعة، وهو ما يرقى قانونياً إلى فعل من أفعال الإبادة الجماعية بحسب تكييف المحكمة. وعلى إثر ذلك أصدرت محكمة مكافحة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة أحكاماً بالإعدام شنقاً غيابياً بحق قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو ونائبه عبد الرحيم، وأربعة عشر آخرين، من بينهم القوني، وعبد الرحمن جمعة، والتجاني كرشوم، وإدريس، وعبد المنعم الربيع، إضافة إلى عدد من القيادات الأهلية من بينهم عبد الرحمن مسار أصيل. وقد وثّق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن قوات الدعم السريع والميليشيات العربية المتحالفة معها قتلت لاحقاً، في نوفمبر 2023، مئات المدنيين الإضافيين من مجتمعات المساليت في بلدة أردماتا، فيما اعتُبر هذا ثاني هجوم جماعي بدوافع عرقية على المدنيين المساليت في غرب دارفور خلال أشهر قليلة فقط، بعد مقتل المئات من الرجال والنساء والأطفال المساليت بين مايو ويونيو من العام نفسه، بمن فيهم والي غرب دارفور خميس عبد الله أبكر نفسه. وبحسب تقديرات سلطنة دار مساليت، فقد قُتل أكثر من خمسة آلاف شخص وأُصيب نحو ثمانية آلاف آخرين في المدينة على يد قوات الدعم السريع والجنجويد بحلول 20 يونيو، فيما ذكر أحد زعماء قبيلة المساليت في 22 يوليو أن أكثر من عشرة آلاف شخص قُتلوا في غرب دارفور وحدها، وأن ثمانين بالمئة من سكان الجنينة قد فروا من منازلهم، فيما سُجلت مجازر مماثلة في مدن مجاورة مثل طويلة ومستيري، وعُثر على قبر جماعي في الجنينة يحتوي على جثث سبعة وثمانين شخصاً قُتلوا في الاشتباكات. وقد وثّق الأرشيف السوداني أيضاً حرق مراكز إيواء النازحين في الجنينة، ضمن سلسلة الفظائع الموثقة في المدينة خلال 2023. وفي بلدة مستيري تحديداً، هاجم مسلحون تابعون لقوات الدعم السريع البلدة بين 27 و28 مايو 2023 خلال معركة الجنينة، ما أسفر عن مقتل سبعة وتسعين مدنياً من قبيلة المساليت بعد اشتباكات قصيرة مع حزب التحالف الوطني السوداني ومجموعة من القبيلة، ودُمرت المدينة بالكامل نتيجة هذا النزاع، وذلك في تكرار لمذبحة سابقة نفذتها قوات الدعم السريع في البلدة نفسها عام 2020 أسفرت عن مقتل اثنين وأربعين من المساليت وثمانية عشر من المهاجمين. وقد وصف أحد الخبراء العاملين على توثيق هذه المجازر، في تحقيق نشرته صحيفة الغارديان البريطانية حول مذبحة أخرى وقعت لاحقاً في مخيم للنازحين بدارفور، أنه لم يصادف قط هذا الحجم من الفقد الذي عانى منه كل من تحدّث إليهم من الناجين، مؤكداً أن قوات الدعم السريع المتهمة أصلاً بارتكاب جرائم إبادة في دارفور خلال العقد الأول من الألفية استخدمت مستوى عنف صادماً حتى بمقاييس الصراع السوداني المستعر منذ أبريل 2023.

ويتناول الفصل الثاني عشر اقتصاد الحرب، الذهب والماشية والطرق والحدود والشبكات الدولية بوصفها الوقود الحقيقي لأمراء الحرب. فلا يمكن فهم أمراء الحرب السودانيين من خلال الأسماء وحدها؛ فالقوة الحقيقية تأتي من الموارد التي يستطيع القائد تحويلها إلى مقاتلين وسلاح ونفوذ. وتكشف الأدلة أن الذهب والماشية ونهب الممتلكات والسيطرة على الأسواق وطرق التجارة والمعابر الحدودية والأراضي الزراعية والصمغ العربي والشبكات التجارية الإقليمية أصبحت كلها مكونات في اقتصاد الحرب. وقد وثق فريق خبراء الأمم المتحدة استخدام الدعم السريع لشبكات لوجستية واقتصادية للحفاظ على عملياته، بما في ذلك استغلال الموارد والذهب والصمغ العربي، وربط ذلك بشبكات إقليمية ودولية، كما وثق الفريق امتداد الحرب إلى تشاد وليبيا وجنوب السودان، وتوظيف الحدود في التجنيد والنقل والإمداد. وبحسب تحليل دي وال، فإن ما يمنح حميدتي وأمثاله القدرة على المناورة هو تحكمهم المباشر في مصادر تمويل مستقلة عن خزينة الدولة، أبرزها تجارة الذهب والتحالفات الخليجية، وهو ما مكّن حميدتي من شراء ولاءات كافية لإخضاع منافسيه أو تحييدهم خلال المرحلة الانتقالية. وقد وثّقت منظمة ذا سنتري الأمريكية للتحقيقات المالية، في سلسلة تقارير متعاقبة، ما وصفته بالمجمع الصناعي شبه العسكري الذي بناه حميدتي وشبكته، والذي بدأ فعلياً حين أتاح دور قوات الدعم السريع كحرس حدودي للسودان فرصاً واسعة لتحصيل الإيرادات، قبل أن يشكل عام 2017 نقطة تحول حاسمة حين تولت قوات الدعم السريع الأمن حول مناجم ذهب جبل عامر في دارفور، وهو ما مكّن عائلة دقلو من فرض ضرائب على عمال التعدين التقليدي وتأسيس شركات لإعادة استغلال مخلفات الحفر السابقة. وانطلاقاً من هذه الأسس، نوّعت عائلة دقلو وقوات الدعم السريع استثماراتها، إذ أسس حميدتي مع شقيقه الأكبر عبد الرحيم دقلو شركة الجنيد للأنشطة المتعددة عام 2009، والتي تحولت تدريجياً إلى مجموعة تجارية واسعة شملت تعدين الذهب وتجارة الماشية والسياحة والمسالخ وقطاع الإنشاءات. وبحسب تحليل نشره موقع جيوبوليتيكال مونيتور في مارس 2026، فقد تحولت جغرافيا استخراج الذهب لدى قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، إذ تراجعت أهمية مناجم جبل عامر في شمال دارفور، التي كانت يوماً حجر الزاوية في إمبراطورية حميدتي، بفعل الضربات الجوية المتكررة للقوات المسلحة السودانية، لتصبح مناجم سونغو في جنوب دارفور المنطقة الإنتاجية الرئيسية، حيث استأنفت شركة الجنيد للأنشطة المتعددة التابعة لعائلة دقلو عملياتها هناك بحلول أواخر عام 2025. ويوثّق مركز الأبحاث البريطاني تشاتام هاوس مباشرة ثلاثة أنماط تشغيلية تعتمدها قوات الدعم السريع في هذا القطاع: التعدين المباشر عبر شركة الجنيد، وفرض حماية إجبارية تُلزم عمال التعدين التقليدي بالتداول عبر قنوات الدعم السريع، وقيام وحدات فردية باستخراج الذهب وابتزاز العاملين فيه على نطاقات أصغر. ويصل هذا الذهب إلى الأسواق الدولية عبر شبكات غسل متعددة الدول تتخذ من دبي وجهتها الرئيسية، إذ يمر الطريق البري الرئيسي من جبل عامر عبر تشاد وصولاً إلى نجامينا، ثم عبر الجو إلى الإمارات العربية المتحدة. وتستند البنية المالية لقوات الدعم السريع إلى ما يقارب خمسين شركة أسسها حميدتي وإخوته قبل الحرب، تمتد شبكتها داخل الإمارات عبر كيانات فرضت عليها وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات في يناير 2025، فيما كشفت منظمة ذا سنتري عن محفظة عقارية في دبي مرتبطة بحميدتي تبلغ قيمتها 1.7 مليون دولار قرب قاعدة المنهد العسكرية الإماراتية. وبحسب تقرير نشرته ذا سنتري في فبراير 2026، فقد اشترى حميدتي في مارس 2020 ثلاث شقق في ضواحي دبي الشرقية قرب قاعدة المنهد، بدأت مسجلة باسمه الشخصي قبل أن تُباع في يوليو 2022 لشركة بروديجيوس لإدارة الخدمات العقارية، وهي شركة إماراتية لم تُدرج على قوائم العقوبات الأمريكية رغم أن مالكها خاضع لعقوبات أمريكية فردية. وقد أوضح المحقق في ذا سنتري نك دونوفان أن هذا التقرير يمثل ثالث تحقيق تنشره المنظمة يوثّق روابط مالية وتشغيلية بين شبكة حميدتي وقوات الدعم السريع والإمارات العربية المتحدة، مؤكداً أن تحقيقات متعددة كشفت عن عمليات نقل أسلحة ودعم مرتزقة وتهريب ذهب تربط دولة الإمارات بالميليشيا، رغم نفي أبوظبي الرسمي لأي دعم تقدمه. وأضاف دونوفان أن الإمارات توفر لهذه الشبكة أنظمتها المالية وبنوكها وشبكاتها القانونية المؤسسية للسماح بتأسيس شركات أجنبية على أراضيها، استخدمتها قوات الدعم السريع على ما يبدو للقيام بعمليات شراء وتوريد وشراء الذهب المهرّب. وقد وثّقت ذا سنتري، في تقرير منفصل نشرته مجلة دبنقا ومواقع إخبارية أفريقية أخرى في أكتوبر 2025، شبكة من أكثر من اثنتي عشرة شركة أسسها واجهات مرتبطة بقوات الدعم السريع في الإمارات، تتنوع بين محال المجوهرات وشركات التصميم الداخلي والاستشارات، مشيرة إلى أن سبعاً من هذه الشركات خاضعة بالفعل للعقوبات، بينما حددت النتائج الجديدة للتقرير خمسة رجال يقفون خلف كيانات إضافية في دبي، من بينهم مازن جمال الدين محمد فضل الله الذي اشترى، بحسب التقرير، نحو مئتي شاحنة تويوتا بيك أب عام 2019 لصالح قوات الدعم السريع لتحويلها إلى تكنيكال، وهي شاحنات مزودة برشاشات ثقيلة، إضافة إلى سيطرة فضل الله وشركائه على شركات تتاجر في الذهب وقطع غيار المركبات وحتى الخدمات المالية. وقد كشف التقرير أن حميدتي ادعى عام 2019 أنه أودع مليار دولار أمريكي لدى البنك المركزي السوداني، وهي أموال ترى ذا سنتري أنها جاءت من عمليات الدعم السريع التجارية المتوسعة، وأن أبوظبي رفضت في أغسطس 2025 الاتهامات الموجهة إليها وعلّقت رحلاتها الجوية إلى السودان. وبحسب مقارنة نشرها موقع جيوبوليتيكال مونيتور، فقد تعرّض ثلاثة من إخوة دقلو لعقوبات فردية منفصلة، فيما يشمل نظام العقوبات الأوروبي ثمانية عشر فرداً وثماني كيانات مرتبطة بالشبكة، ورفع السودان في مارس 2025 دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد الإمارات العربية المتحدة يتهمها فيها بالتواطؤ في جريمة الإبادة الجماعية. وتشير التقديرات المقارنة إلى أن إيرادات قوات الدعم السريع المقدرة تضعها بين أغنى الجماعات المسلحة غير الحكومية في التاريخ، بما يوازي تنظيم داعش في ذروته بين عامي 2014 و2015، بل يتجاوز إيرادات تنظيمات مثل حزب الله. وتؤكد منظمة ساحة الأسلحة الصغيرة في تقرير حديث تابع لمشروع قاعدة بيانات الأمن الإنساني السوداني أن أكثر من تسعة عشر شهراً من الحرب أفرزت تشظياً متزايداً في بنية القيادة والسيطرة داخل قوات الدعم السريع نفسها، بما يعكس تحول الاقتصاد السياسي لهذه القوة إلى شبكة من المصالح المتنافسة أكثر منه هرماً قيادياً موحداً. ويفسر الذهب بصورة خاصة قدرة بعض القادة على الاستمرار، فهو ليس فقط سلعة تباع لشراء السلاح؛ إنه أصل يمكن نقله عبر الحدود، ويمكن بيعه خارج النظام المصرفي، ويمكن استخدامه لتسديد رواتب المقاتلين أو شراء المركبات والوقود أو بناء شبكات حماية سياسية، ولذلك فإن السيطرة على مناطق الذهب تصبح جزءاً من السيطرة العسكرية. كما تلعب الماشية دوراً مختلفاً؛ ففي دارفور وكردفان ترتبط الماشية بمسارات الهجرة والرعي والمراعي والمياه، ولذلك فإن الحرب على الأرض قد تصبح حرباً على الموارد الرعوية، وعندما تدخل الميليشيا إلى هذا المجال، تتحول النزاعات المحلية حول الأرض والماء إلى وقود للصراع الوطني. أما الطرق والمعابر فهي بمثابة ضرائب الحرب؛ فمن يسيطر على طريق رئيسي يستطيع فرض إتاوات، ومن يسيطر على معبر حدودي يستطيع التحكم في حركة البضائع والأشخاص والسلاح، ولذلك فإن السيطرة على الفاشر أو الجنينة أو نيالا أو الضعين ليست مسألة رمزية فقط؛ إنها تمنح صاحبها موقعاً داخل شبكة اقتصادية إقليمية. وتضاف إلى ذلك شبكات المقاتلين الأجانب؛ فقد وثقت تقارير الأمم المتحدة وجود صلات عابرة للحدود بين الجماعات المسلحة في دارفور وليبيا وتشاد وجنوب السودان، كما تظهر تقارير حديثة وجود مرتزقة أجانب في الحرب، ويؤدي هذا إلى إضعاف قدرة الدولة السودانية على السيطرة على الحرب لأن جزءاً من دورة الموارد والمقاتلين يقع خارج الحدود. وتظهر في هذه الطبقة أسماء مثل محمد علي قريشي المرتبط بمجموعات تامازج، وأحمد آدم جوجا، وسعد محيل، وعبد الله حسينة، ومحمد خدام، إضافة إلى موسى أنجير. لكن ينبغي هنا الحذر الشديد من مساواة درجة المسؤولية أو حجم القوة بين هؤلاء؛ فبعضهم قادة فصائل صغيرة، وبعضهم قادة ميدانيون، وبعضهم شخصيات قبلية أو سياسية، وبعض المعلومات المتعلقة بالأسماء الأصغر أقل توثيقاً من المعلومات المتعلقة بالقادة المدرجين على قوائم العقوبات الدولية. كما ينبغي تصحيح أي انطباع بأن كل الأسماء الواردة في المصادر القديمة ما زالت تشغل الموقع نفسه في 2026؛ فالحرب السودانية تتسم بدرجة مرتفعة من الانشقاق وإعادة الاصطفاف، ولذلك يجب دائماً ربط اسم القائد بسنة ومكان ووضع تحالفي محدد.

ويتناول الفصل الثالث عشر الانتقال من أمير الحرب إلى الحاكم المسلح، ولماذا تتحول القوة العسكرية إلى سلطة سياسية واقتصادية. وتوضح الحالة السودانية أن أمير الحرب لا يبقى بالضرورة قائداً للمعارك، فقد ينتقل إلى السيطرة على السكان، ثم إلى تنظيم الأسواق، ثم إلى إنشاء أجهزة أمنية، ثم إلى التفاوض مع الدول والمنظمات، ثم إلى إنشاء حكومة أو مجلس سياسي، وهذه هي النقطة التي تصبح عندها الحرب الأهلية حرباً على شكل الدولة نفسها. وتوضح أدبيات حوكمة المتمردين أن الجماعة المسلحة عندما تسيطر على الأرض والسكان تبدأ في إنتاج قواعد للحياة اليومية، وقد تفرض الضرائب، وتدير العدالة، وتراقب الأسواق، وتوفر بعض الخدمات، أو تستخدم العنف لضمان الطاعة. وهذه العملية واضحة بصورة متزايدة في مشروع السلطة الموازية المرتبط بالدعم السريع وحلفائه. ففي فبراير 2025 وقع الدعم السريع وحلفاؤه ميثاقاً لتأسيس حكومة موازية، ثم أعلنت السلطة الموازية في يوليو 2025 تشكيل مجلس رئاسي برئاسة حميدتي، وتعيين محمد حسن التعايشي رئيساً للوزراء، وضم الهادي إدريس والطاهر هجار إلى المجلس الرئاسي. وهذا التطور يمثل نقطة تحول في طبيعة الحرب؛ فالمنافسة لم تعد على من يسيطر على الخرطوم؟ فقط، بل على من يملك الحق في تمثيل السودان؟. وفي المقابل، فإن وجود الحكومة الرسمية في بورتسودان ومؤسسات الدولة والجيش في مناطق واسعة يعني أن السودان أصبح أمام خطر نشوء شرعيتين سياسيتين مدعومتين بالسلاح. ولا ينبغي النظر إلى هذه السلطة الموازية باعتبارها مجرد واجهة سياسية للدعم السريع؛ فوجود عبد العزيز الحلو وحركات دارفورية وشخصيات سياسية ومدنية فيها يعطيها تركيباً أكثر تعقيداً، لكنه لا يلغي حقيقة أن القوة العسكرية للدعم السريع هي التي توفر الجزء الأكبر من القدرة المادية على حماية أي سلطة موازية.

ويتناول الفصل الرابع عشر التحليل النظري والدرس الاستراتيجي، ولماذا لن تنتهي مشكلة أمراء الحرب بمجرد توقف الحرب. ويمكن تفسير الحالة السودانية من خلال ستة أطر نظرية مترابطة. أولها سياسة أمراء الحرب، التي تفسر كيف يستطيع قائد مسلح أن يستخدم ضعف الدولة والشبكات الاقتصادية غير الرسمية لبناء سلطة مستقلة نسبياً، وينطبق ذلك بصورة خاصة على الدعم السريع وشبكات الذهب والحدود والقبيلة. ثانيها حوكمة المتمردين، التي تفسر كيف تتحول الجماعة المسلحة من مقاتل إلى حاكم محلي، ثم إلى مشروع دولة موازية. ثالثها اقتصاد الحرب، الذي يوضح أن الموارد لا تمول الحرب فقط؛ بل قد تصبح الحرب نفسها وسيلة للاستيلاء على الموارد، وعندما يصبح القائد أكثر ثراءً بسبب الحرب، يصبح لديه حافز أقل لإنهائها. رابعها تجزؤ قطاع الأمن؛ فقد أدى الاستخدام المتكرر للميليشيات في السودان إلى إنشاء طبقات متداخلة من القوة المسلحة، وهو ما يفسر وجود القوات المسلحة والدعم السريع والحركات المسلحة والمقاومة الشعبية والكتائب الإسلامية والميليشيات القبلية في الوقت نفسه. خامسها نظرية التحالفات المعاملاتية، وتظهر بصورة واضحة في حالات كيكل وسافنا والقبة؛ فالولاء قد يكون للقائد، أو للقبيلة، أو للمصلحة المحلية، أو لمن يوفر المال والسلاح والحماية، وليس دائماً للمؤسسة التي يحمل القائد شعارها. سادسها نظرية التفكك العسكري؛ فعندما تصبح القوات المسلحة عبارة عن شبكة من الوحدات ذات الولاءات المختلفة، فإن الانتصار العسكري قد يؤدي، على نحو متناقض ظاهرياً، إلى زيادة التفكك، إذ إن كل قائد ينشق عن الدعم السريع ويأتي إلى الجيش بقواته قد يضعف الدعم السريع، لكنه قد يزيد في الوقت نفسه عدد مراكز القوة داخل الجيش. وقد نبهت تحليلات حديثة إلى هذه المفارقة في حالات سافنا والقبة وكيكل. ومن هنا فإن أفضل ممارسة في مرحلة ما بعد الحرب لا تتمثل في دمج الجميع في الجيش، وإنما في التمييز بين أربعة مسارات: الدمج الفردي للمقاتلين المؤهلين، وإعادة الإدماج المدني للمقاتلين غير المؤهلين للخدمة، والمحاسبة القضائية للقادة المتهمين بجرائم خطيرة، والتفكيك المالي والتنظيمي للشبكات التي تمول الحرب. وتؤكد الخبرة السودانية الحديثة أن مجرد انتقال قائد من الدعم السريع إلى الجيش لا ينبغي أن يمحو جرائمه السابقة؛ فقد طالبت هيومن رايتس ووتش صراحةً بإخضاع القادة المنشقين، بمن فيهم كيكل والقادة الذين انشقوا في 2026، للمحاسبة عن الجرائم التي ارتكبتها قواتهم أثناء وجودهم في الدعم السريع أو بعد انتقالهم إلى الجيش، وهذا يقود إلى المبدأ الأهم: الانشقاق العسكري ليس شهادة براءة سياسية أو جنائية. أما الممارسة الأفضل في السودان فتبدأ بوقف إطلاق النار، لكنها لا تنتهي عنده. يجب أولاً إنشاء خريطة وطنية دقيقة للقوات والأسلحة والقيادات، وتسجيل كل قائد ومجموعة وسلسلة قيادة ومصدر تمويل وموقع انتشار. ثم يجب الفصل بين المقاتلين والقادة، بحيث لا يحصل القائد المتهم بجرائم جسيمة على حصانة مقابل تسليم قواته. بعد ذلك ينبغي تفكيك اقتصاد الحرب، بما يشمل السيطرة غير القانونية على الذهب والمعابر والماشية والشركات والأسواق والأراضي، ولا يمكن تحقيق ذلك من خلال العقوبات وحدها؛ بل يحتاج إلى إصلاح مصرفي، وشفافية في تجارة الذهب، ومراقبة الحدود، واسترداد الأصول، ومراجعة الشركات المرتبطة بالقادة العسكريين. ويجب أن تكون عملية إصلاح القطاع الأمني تحت سلطة مدنية، فالهدف ليس تحويل الدعم السريع إلى جيش جديد أو تحويل الميليشيات المتحالفة مع الجيش إلى وحدات نظامية تلقائياً، وإنما بناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، وقوات شرطة واحدة، وأجهزة أمن واستخبارات خاضعة للقانون والرقابة البرلمانية والقضائية. أما الحركات المسلحة، فيجب أن تتاح لقادتها مشاركة سياسية مدنية، لكن المشاركة السياسية لا ينبغي أن تكون مشروطة بامتلاك السلاح، وهذا هو الفارق بين دمج القائد في النظام السياسي وإدخال جيشه الخاص إلى الدولة. وتحتاج العدالة الانتقالية إلى تصميم يمنع العفو الشامل عن الجرائم الدولية، مع إمكانية استخدام برامج للعدالة المحلية والمصالحة المجتمعية في الجرائم الأقل خطورة، كما يجب أن تكون هناك آلية خاصة للتعامل مع جرائم دارفور، حيث تستمر اختصاصات وآليات الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية والتحقيقات الدولية ذات الصلة. وتظهر أهمية هذا الأمر في ظل استمرار العقوبات الدولية على عدد من القادة؛ ففي فبراير 2026 فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الفاتح عبد الله إدريس أبو لولو، وجيدو حمدان أحمد محمد، وتيجاني إبراهيم موسى، بسبب أدوارهم في حصار الفاشر والسيطرة عليها والانتهاكات التي صاحبت العمليات، كما أن العقوبات الأوروبية والأممية على جيدو حمدان أحمد تؤكد أن المسؤولية الدولية لم تعد تقتصر على حميدتي وعبد الرحيم دقلو، وإنما بدأت تمتد إلى القادة الميدانيين الذين توافرت ضدهم معلومات عن أدوار محددة في الانتهاكات. ومن الناحية العملية، فإن السودان يحتاج إلى سجل وطني لأمراء الحرب ومراكز القوة المسلحة لا يكون هدفه الوصم السياسي، وإنما بناء قاعدة بيانات مهنية تتضمن الاسم الكامل، والأسماء المستعارة، والرتبة، والتنظيم، والمنطقة، والفترة الزمنية للقيادة، والحلفاء، ومصادر التمويل، ومواقع الانتشار، والانشقاقات، والعقوبات، والاتهامات، ونتيجة أي تحقيق أو محاكمة. ويمكن تحديث هذا السجل بصورة دورية لأن الحرب الحالية أثبتت أن الولاءات تتغير بسرعة. وتكمن الفائدة الكبرى في أن مثل هذا السجل يمنع أخطاء شائعة، منها اعتبار القائد القديم قائداً حالياً، أو اعتبار القائد السياسي قائداً عسكرياً، أو الخلط بين الميليشيا القبلية والحركة المسلحة، أو الخلط بين الاتهام والإدانة القضائية، أو نقل اسم عربي من لغة أجنبية بصورة خاطئة. ولهذا جرى في هذا النص تصحيح أسماء مثل سافنا بدلاً من سفانا، والقبة بدلاً من الصيغ غير الدقيقة، وجمعة هقار وفق موقعه الحديث المتحالف مع القوات المسلحة، وجيدو حمدان أحمد محمد مع التنبيه إلى اختلاف كتابة لقبه أبو شوك/أبو ناشوك في المصادر الدولية.

وتقدم الخاتمة النقدية المشكلة السودانية ليست عدد أمراء الحرب بل النظام الذي يجعل أمير الحرب مربحاً وقابلاً لإعادة إنتاج نفسه. وتكشف الخريطة الكاملة أن السودان لا يواجه جنرالين فقط، ولا حتى عشرة أو عشرين قائداً منفرداً؛ إنه يواجه منظومة تاريخية من القوة المسلحة تشكلت من تفاعل الدولة والجيش والميليشيات والقبيلة والحركات المسلحة والاقتصاد غير الرسمي والحدود الإقليمية، تراكمت عبر أربعة عقود من سياسات خصخصة العنف التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة نفسها، بدءاً من قوات الدفاع الشعبي في الثمانينيات، مروراً بالجنجويد بعد عام 2003، وصولاً إلى قوات الدعم السريع وحلفائها من الحركات المسلحة وكتائب الظل الإسلامية، وانتهاءً بتأسيس حكومة موازية كاملة الأركان في نيالا تضم في مجلسها الرئاسي زعماء أتوا من خلفيات متناقضة تاريخياً كحميدتي وعبد العزيز الحلو. فالبرهان يمثل مركز الدولة العسكرية النظامية، بينما يمثل حميدتي أكثر نماذج أمير الحرب اكتمالاً من حيث الجمع بين القوة المسلحة والاقتصاد والشبكة القبلية والمشروع السياسي. وإلى جواره يوجد عبد الرحيم دقلو والقادة العملياتيون والإقليميون كأبو نشوك/جيدو أبو شوك، والنور القبة، وعثمان محمد حامد، وعلي يعقوب جبريل، وعبد الرحمن جمعة برك الله، والفاتح عبد الله إدريس أبو لولو، وتيجاني إبراهيم موسى الزير سالم، بينما تمثل حالات كيكل وسافنا والقبة مثالاً على قابلية الولاءات المسلحة للتحول. وفي المعسكر الآخر توجد قيادة القوات المسلحة النظامية ممثلة بياسر العطا وشمس الدين كباشي وإبراهيم جابر والطاهر محمد العوض الأمين، لكنها لا تعمل وحدها؛ فهي محاطة بقوات الحركات الدارفورية، ودرع السودان، والمقاومة الشعبية، والمستنفرين، ولواء البراء بن مالك، وشبكات قبلية ومحلية كموسى هلال والإدارة الأهلية. كما أن حركات دارفور نفسها ليست كتلة واحدة: مناوي وجبريل وتمبور اصطفوا مع الجيش، بينما انضم الهادي إدريس وسليمان صندل والطاهر هجار بدرجات مختلفة إلى المشروع السياسي والعسكري المناهض للجيش، بينما حافظت مجموعات أخرى كحركة عبد الواحد نور على الحياد أو غيرت موقفها خلال الحرب، تماماً كما انقسمت الحركة الشعبية – شمال بين مسار الحلو الذي انضم إلى السلطة الموازية ومسار عقار الذي بقي في مؤسسات الدولة الرسمية. وما يوحّد هذه الزعامات المتنوعة إثنياً وأيديولوجياً وجغرافياً هو منطق واحد يمكن تسميته بدقة: تحويل السيطرة على وسائل العنف إلى رأسمال سياسي واقتصادي قابل للمساومة والبيع وإعادة التوظيف بحسب موازين القوى اللحظية، سواء اتخذ ذلك شكل الانحياز الصريح، أو الحياد الاستراتيجي، أو الانتقال من ضفة إلى أخرى، أو التصعيد إلى حد الإبادة الموثقة قضائياً كما جرى في الجنينة والفاشر. وتكشف الحالة الأكثر أهمية، وهي حالة الانشقاقات، أن الانتصار على الدعم السريع لا يعني تلقائياً بناء دولة مستقرة؛ فإذا انضم القائد المنشق إلى الجيش مع رجاله ومركباته وشبكاته الاقتصادية، فقد يكون قد ساعد على إضعاف خصمه، لكنه قد يكون في الوقت نفسه نقل مشكلة تعدد مراكز القوة إلى داخل المؤسسة التي يفترض أن تحتكر السلاح. وبالنظر النقدي إلى هذه الظاهرة، لا بد من الإقرار بأن أياً من أطراف الصراع لا يخلو من مسؤولية في إعادة إنتاج هذا النمط، فمؤسسة الجيش نفسها التي تصف نفسها بأنها الممثل الشرعي للدولة استعانت هي الأخرى بكتائب شبه نظامية لا تختلف من الناحية البنيوية عن الميليشيات التي تحارب باسمها، وهو ما يؤكد أطروحة دي وال بأن السوق السياسي لا يعرف طرفاً نقياً من هذا المنطق، بل يفرض قواعده على جميع الفاعلين بلا استثناء. كما تكشف حالتا موسى هلال وعبد العزيز الحلو أن الانتماء الأيديولوجي أو التاريخي، مهما بدا راسخاً، يظل قابلاً للانقلاب الكامل حين تتغير حسابات المصلحة الآنية، وهو درس واقعي بالغ الأهمية لأي وسيط دولي أو إقليمي يراهن على ثبات تحالف بعينه. لذلك فإن السؤال الاستراتيجي ليس فقط: من ينتصر في الحرب؟ بل: ماذا يحدث للقوة المسلحة التي تراكمت أثناء الحرب بعد الانتصار؟ إذا أعيد توزيع الرتب والمناصب على القادة المسلحين من دون تفكيك قواعدهم الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، فإن السودان قد ينتقل من حرب أمراء الحرب إلى دولة أمراء الحرب. وإذا جرى دمج المقاتلين جماعياً داخل الجيش دون تدقيق، فقد يتحول الجيش نفسه إلى ائتلاف من شبكات مسلحة. وإذا مُنحت الحصانة للقادة مقابل الانشقاق، فقد يصبح ارتكاب الانتهاكات ثم تغيير الولاء استراتيجية عقلانية للحصول على الحماية. وتبقى الدروس القابلة للتطبيق الفعلي في أي مسار تفاوضي مستقبلي للسودان محددة وواضحة: أولاً، وقف إطلاق النار وحماية المدنيين وتسجيل القوات، مع الفصل الصارم بين المقاتلين والقادة والمحاسبة الفردية عن الجرائم الجسيمة، بما يستبعد اعتبار الانشقاق العسكري شهادة براءة سياسية أو جنائية. ثانياً، إخضاع أي اتفاق سياسي لآلية مراقبة مالية صارمة تستهدف تفكيك شبكات التمويل الموازي، وبخاصة تجارة الذهب وشبكات الشركات الواجهة في الخليج، إلى جانب نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وإصلاح القطاع الأمني تحت سلطة مدنية كاملة، وإعادة تنظيم ملكية الشركات العسكرية وضبط تجارة الذهب. ثالثاً، معالجة ملف المساءلة القانونية بوصفه جزءاً لا يتجزأ من أي تسوية لا ملفاً منفصلاً يُؤجَّل إلى ما بعد السلام، كما تُظهر تجربة الإفلات شبه الكامل من العقاب التي استمرت عقدين كاملين قبل إدانة كوشيب الأولى، مع تصميم للعدالة الانتقالية يمنع العفو الشامل عن الجرائم الدولية. رابعاً، إشراك الزعامات المحلية والإقليمية، كعبد الواحد نور والحركات الأصغر غير المصطفة، في أي تصور مستقبلي للحكم اللامركزي وإصلاح الإدارة المحلية وتسوية قضايا الأرض والموارد، بدلاً من اختزال التفاوض في قيادتين مركزيتين متصارعتين لا تمثلان فعلياً سوى جزء من خريطة العنف المسلح في البلاد، مع إتاحة مشاركة سياسية مدنية لقادة الحركات المسلحة غير مشروطة بامتلاك السلاح. والنتيجة النهائية التي تقدمها خريطة أمراء الحرب هي أن السلام السوداني لا يمكن أن يكون مجرد اتفاق بين البرهان وحميدتي، لأن الحرب لم تعد مملوكة بالكامل لهما؛ لقد أصبح لها قادة إقليميون وميدانيون، وحركات مسلحة، وقوات قبلية، وكتائب أيديولوجية، وشبكات اقتصادية، وطرق إمداد خارجية، ومصالح مرتبطة بالذهب والأرض والماشية والمعابر. ولذلك فإن السلام الحقيقي يجب أن يفكك النظام الذي يجعل امتلاك السلاح طريقاً إلى الثروة والسلطة والحماية. إن بناء سودان مستقر يتطلب الانتقال من تعدد الجيوش إلى جيش وطني واحد، ومن اقتصاد الحرب إلى اقتصاد مدني، ومن سلطة القائد المسلح إلى سلطة القانون، ومن شرعية القوة إلى شرعية المؤسسات. وما لم يتحقق هذا التحول، فإن انتهاء معركة أو سقوط مدينة أو انشقاق قائد لن يكون سوى مرحلة جديدة في دورة أطول من إعادة إنتاج أمراء الحرب.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: السودان لا يخوض حرباً بين جيشين فقط بل داخل منظومة واسعة من مراكز القوة المسلحة

تكشف المراجعة المقارنة للأدلة المتاحة حتى سبتمبر 2026 أن وصف الحرب السودانية بأنها مواجهة ثنائية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع صحيح جزئياً فقط. فالقوات المسلحة السودانية والدعم السريع هما الطرفان العسكريان الرئيسيان، لكنهما يعملان في الواقع داخل ائتلافات متغيرة تضم قوات نظامية وشبه عسكرية، وحركات مسلحة دارفورية، وقوات قبلية، وكتائب إسلامية، وقوات دفاع محلية، ومجموعات مجندين مدنيين، وشبكات اقتصادية مسلحة، ومقاتلين أجانب، وقادة محليين يتمتع بعضهم باستقلالية كبيرة عن القيادة المركزية. وقد قدر مركز الدراسات الاستراتيجية الأفريقية في يوليو 2026 وجود نحو 150 ميليشيا وجماعة مسلحة ناشطة بدرجات مختلفة في الحرب، تشمل القوات العسكرية وشبه العسكرية والميليشيات القبلية والكتائب الإسلامية ومجموعات الدفاع المجتمعي والعصابات الإجرامية والمرتزقة الأجانب (Africa Center for Strategic Studies, 2026).

وتكمن أهمية هذا التفريق في أن مفهوم «أمير الحرب» لا ينبغي أن يستخدم باعتباره مرادفاً لكل قائد عسكري. فالقائد العسكري النظامي يعمل، من حيث المبدأ، داخل مؤسسة دولة ذات قانون وسلسلة قيادة رسمية، في حين يشير مفهوم أمير الحرب في الأدبيات السياسية إلى قائد يمتلك قوة مسلحة مستقلة نسبياً، ويستطيع تعبئة مقاتلين خارج المؤسسات النظامية، والسيطرة على مساحة جغرافية أو طرق وموارد، وفرض الإكراه، واستخدام العوائد الاقتصادية والسياسية المتأتية من القوة المسلحة لإدامة نفوذه.

يقدّم الباحث آلكس دي وال الإطار النظري الأكثر تأثيراً لفهم هذه الظاهرة في القرن الأفريقي عموماً والسودان خصوصاً من خلال نظرية “السوق السياسي”، التي ترى أن الحكم في هذه البيئات يقوم على معاملات نقدية وعنفية متبادلة بين النخب، حيث يشتري الحاكم المركزي الولاءات المؤقتة لقادة الجيش والميليشيات وزعماء القبائل بحسب “سعر السوق” لحظة بلحظة، لا وفق مبدأ مؤسسي ثابت (de Waal, 2015). وتقوم هذه الأطروحة على أربعة شروط تتوفر مجتمعة في الحالة السودانية: احتكار التمويل السياسي من قبل أفراد لا مؤسسات، وتشظي السيطرة على وسائل العنف بين فاعلين متعددين، وغياب آليات مؤسسية أو قانونية لحسم النزاعات على السلطة، والاندماج التابع للبلد في نظام اقتصادي وسياسي دولي غير متكافئ (de Waal, 2016). وبموازاة ذلك، طور الباحث وليام رينو مفهوم “سياسة أمراء الحرب” لشرح الكيفية التي يستطيع بها القادة المسلحون في الدول الضعيفة تحويل الشبكات التجارية والحماية المسلحة والموارد غير الرسمية إلى سلطة سياسية موازية لمؤسسات الدولة (Reno, 1998)، وهو ما ينطبق بصورة خاصة على قوات الدعم السريع وشبكاتها من الذهب والحدود والقبيلة. كما طورت أدبيات “حوكمة المتمردين” التمييز بين جماعة مسلحة تقاتل الدولة وجماعة مسلحة تبدأ في ممارسة وظائف الحكم، مثل فرض الضرائب، وتنظيم الأمن، وإدارة النزاعات، وتنظيم الحركة والموارد، وبناء مؤسسات موازية (Arjona, 2015; Kasfir, 2015).

ومحمد حمدان دقلو “حميدتي” نفسه، بحسب تحليل دي وال، نموذج معياري لهذا “المقاول السياسي” الذي يتاجر بالمال والاشتباك المسلح بوصفهما عملتين متبادلتين لتثبيت نفوذه، إذ ينقل دي وال أنه حين شعر عام 2008 بأن قواته استُخدمت في “الأعمال القذرة” بدارفور ثم جرى التخلي عنها دون سداد رواتبها، انسحب إلى الأدغال متوعداً بالقتال حتى يوم الحساب، مستعيراً خطاباً بلاغياً من متمردي دارفور الذين كان يقاتلهم، ومن مقاتلين سابقين ناقمين أطلقوا على أنفسهم اسم “الجنود المنسيين”، قبل أن تستعيده الخرطوم بعد أشهر عبر صفقة جديدة قوامها المال والترقية وتوظيف أقاربه (de Waal, 2023). وقد كرّر دي وال هذا التحليل أثناء المرحلة الانتقالية التي أعقبت الإطاحة بالبشير عام 2019، محذراً نشطاء الديمقراطية من أن أي قراءة للمشهد السوداني تتجاهل منطق السوق السياسي ستجعلهم يجدون أنفسهم يتحملون مسؤولية رسمية عن جهاز سياسي يعمل وفق منطق لا يمكنهم السيطرة عليه، مشيراً إلى أن حميدتي كان ينشط آنذاك في عقد صفقات سياسية ومالية مستخدماً أموال الخليج وتجارة الذهب لشراء ولاءات كافية لإخضاع أو تحييد منافسيه (de Waal, 2019).

وبهذا المعنى، فإن خريطة السودان الحالية تحتوي على عدة طبقات. في القمة يوجد عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو “حميدتي” بوصفهما مركزي الحرب الرئيسيين. وتأتي بعدهما دوائر القيادة العسكرية والعملياتية والإقليمية. ثم تأتي الحركات المسلحة التي انضمت إلى أحد المعسكرين أو ظلت محايدة أو تحولت من الحياد إلى التحالف. ثم تأتي القيادات القبلية والمحلية التي تستطيع تعبئة الرجال والموارد. وأخيراً توجد شبكات اقتصادية وعابرة للحدود تستطيع تمويل الحرب حتى عندما تضعف المؤسسات الرسمية. وهذا الترتيب هو المنهج الذي يعتمد عليه هذا المقال: من الإطار النظري العام، إلى الجذور التاريخية لتشكل هذه الزعامات، فمركزي القرار الوطني، ثم القيادة العملياتية والإقليمية، ثم الحركات المسلحة والميليشيات والقوى القبلية، ثم المساءلة القانونية والتوثيق الميداني للجرائم، ثم اقتصاد الحرب والشبكات العابرة للحدود، وأخيراً التوليف النقدي والنتائج المتعلقة بالتسوية ونزع السلاح والعدالة وإعادة بناء الدولة. ويمنع هذا الترتيب الخلط بين القائد النظامي وأمير الحرب وقائد الحركة المسلحة والزعيم القبلي، مع إبقاء الجميع داخل خريطة واحدة للسلطة المسلحة السودانية.

الفصل الأول: الجذور التاريخية لظاهرة أمراء الحرب — من الدفاع الشعبي إلى الجنجويد

لم تكن الدولة السودانية ضحية لظهور أمراء الحرب بقدر ما كانت هي الحاضنة الأصلية لهم. فقد بدأ هذا النمط مع تأسيس قوات الدفاع الشعبي في الثمانينيات كجهاز شبه عسكري يتبع رئاسة الجمهورية مباشرة لا القوات المسلحة، بهدف إسناد الجيش النظامي في حربه ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق في الجنوب، وقد أشارت دراسة صادرة عن منظمة “ساحة الأسلحة الصغيرة” عام 2007 إلى أن هذه القوات ظلت، رغم ارتباطها الرسمي بالقوات المسلحة بموجب اتفاقية السلام الشامل الموقعة عام 2005، مؤسسة مستقلة تخضع مباشرة لسلطة الرئاسة لا لقيادة الجيش (Small Arms Survey, 2007؛ Global Security). وقد لاحظت منظمة المركز الأفريقي للعدالة ودراسات السلام أن مصطلح “قوات الدفاع الشعبي” استُخدم أحياناً لوصف ميليشيات لا ترتبط فعلياً بالخرطوم، لا سيما في جنوب دارفور وغرب كردفان، وهو ما يعكس منذ ذلك الوقت المبكر سمة أساسية لظاهرة أمراء الحرب السودانية: الغموض المتعمد في خطوط التبعية بين الدولة والميليشيا (Global Security).

ومع اندلاع تمرد حركتي تحرير السودان والعدل والمساواة في دارفور عام 2003 مطالبتين بإنهاء التهميش السياسي والاقتصادي للإقليم، لجأت حكومة الرئيس عمر البشير إلى استراتيجية مكافحة تمرد قائمة على تسليح ميليشيات عربية محلية عُرفت باسم “الجنجويد”، بالتوازي مع القصف الجوي المباشر لقرى المتمردين المفترضين، في عملية وُثقت بشكل مكثف في دراسة جولي فلينت المرجعية الصادرة عن منظمة “ساحة الأسلحة الصغيرة” تحت عنوان “ما وراء الجنجويد: فهم ميليشيات دارفور”، والتي أوضحت أن اللواء حامد كان يتولى مهمة تنسيق دمج هذه الميليشيات القبلية في عمليات الجيش، وفي الوقت نفسه توزيع الأموال على شيوخ القبائل لضمان ولائهم، في آلية مباشرة لتحويل الزعامة القبلية إلى سلعة سياسية قابلة للشراء (Flint, 2009). ووثقت الدراسة ذاتها صراعات داخلية مبكرة على النفوذ ضمن هذه الشبكة، من بينها التنافس القبلي بين معسكر عبد الوحيد سعيد علي سعيد وحلقة موسى هلال المقربة من القيادة العسكرية، وهو تنافس زرع بذور الانشقاقات التي ستتكرر لاحقاً بأشكال مختلفة حتى الحرب الراهنة (Flint, 2009). وبحسب تقديرات نشرها باحثون عام 2010، فإن ما يقارب ثلاثمئة ألف مدني ماتوا كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة لهذا الصراع بين عامي 2003 و2010 (Small Arms Survey, أرشيف قاعدة بيانات الأمن الإنساني السوداني).

وقد أفضت هذه المرحلة إلى سلسلة من محاولات التسوية السياسية التي فشلت جميعها تقريباً في احتواء تشظي الحركات المسلحة، بدءاً من اتفاقية سلام دارفور الموقعة في أبوجا عام 2006 بين الحكومة وفصيل واحد فقط من جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وهو ما رفضته بقية الفصائل المتمردة ودفعها إلى مزيد من التشظي والاصطفاف وإعادة الاصطفاف (Small Arms Survey, صفحة دارفور). ثم جاءت وثيقة الدوحة للسلام في دارفور عام 2011 لتوقّع عليها الحكومة وائتلاف “حركة التحرير والعدالة” فقط، بينما ظلت أهم القوى المتمردة – جيش تحرير السودان بقيادة مني مناوي، وجيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، وحركة العدل والمساواة – خارج هذا الاتفاق (Small Arms Survey, أرشيف قاعدة بيانات الأمن الإنساني السوداني). وبالتوازي، شهدت ولايتا جنوب كردفان والنيل الأزرق قتالاً ضارياً خلال الحرب الأهلية السودانية الثانية بين عامي 1983 و2005، حيث اصطف السكان المحليون في هاتين الولايتين إلى جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان، لتتشكل لاحقاً منهما نواة الحركة الشعبية – قطاع الشمال التي سيتناولها هذا المقال لاحقاً بالتفصيل (Small Arms Survey).

وشكّل عام 2013 نقطة تحول مفصلية في هذا المسار التراكمي، حين أسس نظام البشير رسمياً قوات الدعم السريع بوصفها جهازاً شبه رسمي يتبع جهاز الأمن والمخابرات الوطني، قبل أن ينتقل تبعيتها لاحقاً إلى القيادة العامة للقوات المسلحة (ويكيبيديا العربية، قوات الدعم السريع). وقد استند هذا التأسيس إلى البنية التحتية القبلية والعسكرية ذاتها التي أفرزتها ميليشيات الجنجويد، بل استند مباشرة إلى الرجل الذي قاد تلك الميليشيات ميدانياً: محمد حمدان دقلو “حميدتي”، الذي حوّل هذه القوة تدريجياً من ميليشيا مساندة للجيش إلى جيش موازٍ كامل الأركان.

الفصل الثاني: عبد الفتاح البرهان — قائد الدولة العسكرية ومركز المعسكر النظامي

الفريق أول عبد الفتاح البرهان هو القائد العام للقوات المسلحة السودانية ورئيس مجلس السيادة، ولذلك فهو ليس «أمير حرب» بالمعنى الضيق للكلمة، وإنما قائد الدولة العسكرية النظامية ومركز القرار الأعلى في المعسكر الذي يستند إلى القوات المسلحة وأجهزة الدولة والحلفاء المسلحين. وتضم القوات المسلحة القوات البرية والقوات البحرية والقوات الجوية والاستخبارات العسكرية وحرس الحدود، وتظل القيادة العليا فيها مرتبطة بالمؤسسة العسكرية الرسمية (European Union Agency for Asylum, 2025).

لكن طبيعة الحرب جعلت البرهان مركزاً لائتلاف أوسع بكثير من الجيش النظامي. فمنذ 2023 أصبح الجيش يعتمد، بدرجات متفاوتة، على قوات الحركات الدارفورية المسلحة، وقوات درع السودان، والمقاومة الشعبية، والمستنفرين، وكتائب إسلامية، وقوى محلية وقبلية. ولذلك فإن قوة البرهان في الحرب لا تقاس فقط بعدد جنود القوات المسلحة، بل بقدرته على إبقاء هذا الائتلاف المتعدد تحت مظلة عسكرية واحدة. وفي المقابل، يمثل هذا الائتلاف نفسه تحدياً لمرحلة ما بعد الحرب، لأن القوات التي تدخل الحرب باعتبارها حلفاء قد تخرج منها باعتبارها مراكز قوة مسلحة مستقلة.

وقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على البرهان في يناير 2025، في سياق تحميل القيادة العليا للقوات المسلحة مسؤولية أفعال وسياسات تهدد السلام والاستقرار في السودان (U.S. Department of the Treasury, 2025). ومن الناحية التحليلية، فإن العقوبات لا تعني قانوناً أن البرهان هو المسؤول الشخصي عن كل فعل يرتكبه كل جندي أو ميليشيا متحالفة مع الجيش، لكنها تؤكد أن المجتمع الدولي يتعامل مع القيادة العليا باعتبارها صاحبة قدرة على التأثير في سلوك المؤسسة العسكرية والمعسكر المرتبط بها.

الفصل الثالث: حميدتي وعائلة دقلو — من ميليشيا قبلية إلى منافس على الدولة

الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف باسم “حميدتي”، يمثل الحالة الأكثر اكتمالاً في السودان لتحول القائد شبه العسكري إلى منافس على الدولة. فقد نشأت قوته من البيئة العسكرية والقبلية في دارفور، اعتماداً على قبيلته الرزيقات من عرب الأبالة، وارتبط تاريخ الدعم السريع بالجنجويد الذين استخدمهم نظام عمر البشير في حرب دارفور، قبل أن تتحول القوة إلى جهاز شبه عسكري رسمي في عام 2013. وأصبح حميدتي لاحقاً نائب رئيس مجلس السيادة بعد سقوط البشير، ثم دخل في صراع مفتوح مع البرهان حول مستقبل المؤسسة العسكرية وترتيبات دمج الدعم السريع داخل الجيش، وهو الصراع الذي انفجر في 15 أبريل 2023 (European Union Agency for Asylum, 2025). ويضم جيشه الموازي، بحسب تقديرات، ما يقارب مئة ألف مقاتل مجهزين بعتاد ثقيل، وله امتدادات خارج الحدود السودانية في ليبيا وتشاد واليمن، فيما تشير موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية إلى تقديرات أحدث ترفع قوامه إلى ما بين 280 ألفاً و450 ألف مقاتل بحلول عام 2026 وفق تصريحات حميدتي نفسه (الاستقلال؛ Wikipedia, Rapid Support Forces, 2026).

وتختلف بنية الدعم السريع عن بنية القوات المسلحة. فالاتحاد الأوروبي يرى أن الدعم السريع أقل مؤسسية من القوات المسلحة، وأن جزءاً مهماً من قيادته التاريخية جاء من عائلة دقلو، وأن قاعدته التقليدية كانت في دارفور، مع هيمنة تاريخية لقادة من العرب الدارفوريين، ولا سيما الرزيقات والمسيرية، مع سعي القوة لاحقاً إلى توسيع قاعدة قادتها وحلفائها إلى مناطق وفئات أخرى (European Union Agency for Asylum, 2025). وقد أصبح حميدتي، خلال الحرب، أكثر من مجرد قائد عسكري. فالدعم السريع طور شبكة اقتصادية ولوجستية وعابرة للحدود، وسيطر على مساحات واسعة من دارفور، وامتلك علاقات مع جماعات محلية وإقليمية، ثم انتقل المشروع في 2025 إلى محاولة بناء سلطة سياسية موازية. ففي فبراير 2025 وقع الدعم السريع وحلفاؤه ميثاقاً لإنشاء حكومة موازية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، ثم تطور المشروع إلى تحالف “تأسيس” الذي جعل حميدتي رئيساً لمجلس رئاسي، فيما أصبح عبد العزيز الحلو نائباً له (Sudan Tribune, 2025). وهذه النقلة هي التي تجعل حميدتي نموذجاً كلاسيكياً متقدماً لأمير الحرب: القوة المسلحة لم تعد مجرد أداة للقتال، بل أصبحت أساساً لمحاولة بناء سلطة سياسية وإدارية واقتصادية منافسة للدولة المركزية. ويعني ذلك أن التفاوض مع حميدتي لا يتعلق فقط بوقف إطلاق النار، وإنما يتعلق أيضاً بالسؤال عن مصير المؤسسات والأراضي والموارد والشبكات التي تراكمت حول الدعم السريع خلال الحرب.

عبد الرحيم حمدان دقلو، شقيق حميدتي، هو نائب قائد الدعم السريع وأحد أبرز مراكز القرار العملياتي فيه. وتظهر أهميته في أن قيادة الدعم السريع لا تعمل بالطريقة نفسها التي تعمل بها القيادة العسكرية التقليدية التي تعتمد فقط على الرتب والمؤسسات، بل تمزج بين القيادة الرسمية وشبكات القرابة والثقة الشخصية والروابط القبلية والمصالح الاقتصادية. وقد ارتبط اسمه بالعمليات العسكرية في دارفور، بما في ذلك الهجمات على المدن والمناطق التي كانت تحت سيطرة القوات المسلحة أو الحركات المسلحة المتحالفة معها. ووثق فريق خبراء الأمم المتحدة توسع الدعم السريع في دارفور واعتماده على شبكات إمداد وقادة محليين وميليشيات متحالفة، كما وثق أن قادة حركات دارفورية انتقلوا بين معسكرات الحرب تبعاً لتغير المصالح العسكرية والسياسية (United Nations, 2025). وقد حدده تقرير أممي أيضاً بوصفه القائد الأعلى رتبة ميدانياً خلال عمليات السيطرة على مدينة الفاشر، إذ وثّق فريق خبراء الأمم المتحدة وجوده المباشر أثناء اجتياح مقر الفرقة السادسة مشاة (تاق برس، 2025).

القوني حمدان دقلو، شقيق حميدتي، يمثل بعداً آخر في منظومة القيادة، وهو الجانب اللوجستي والمالي والتسليحي. وقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أفراد وشركات وشبكات مرتبطة بتمويل وتسليح الدعم السريع، بما يعكس حقيقة أن الحرب لا تعتمد فقط على القائد الميداني، وإنما على منظومة كاملة للشراء والنقل والتمويل. وهنا يظهر أحد أهم الاختلافات بين الدولة الحديثة وأمير الحرب: الدولة تمول جيشها من الميزانية العامة وتخضع المشتريات العسكرية، من حيث المبدأ، لقواعد مؤسسية، بينما يستطيع أمير الحرب استخدام شركات واجهة وشبكات تجارية ووسطاء وحدود مفتوحة ومصادر ذهب ومقاتلين مأجورين لتمويل القوة المسلحة. لذلك فإن تفكيك اقتصاد الحرب لا يقل أهمية عن جمع الأسلحة.

الفصل الرابع: الهرم القيادي الميداني لقوات الدعم السريع — من دارفور إلى الفاشر

تتوزع القيادة الميدانية للدعم السريع على شبكة واسعة من الجنرالات الموثوقين الذين عيّنهم حميدتي على مدى سنوات لإدارة أقاليم بعينها، إلى جانب طبقة من القادة الذين برزوا في العمليات الميدانية وخضعوا لعقوبات دولية متلاحقة.

ففي شمال دارفور، برز اللواء علي محمد عبد الرحمن الملقب بـ”أبو نشوك”، أحد أثرياء دارفور ومالك أسطول واسع من المركبات والمراعي والممتلكات في نيالا والخرطوم بحسب ما نشرته صحيفة “النيل السودانية” عام 2022، والذي قاد قوات الدعم السريع في جنوب دارفور حتى عام 2021 قبل انتقاله لقيادة العمليات في شمال دارفور ومشاركته في قمع احتجاجات الخرطوم عام 2018 (الجزيرة نت، موسوعة، 2025). وقد اكتسب شهرته العسكرية بعد مشاركته في معركة قريضة عام 2006 ضد قوات مني أركو مناوي، ليُرقّى بعدها إلى رتبة عقيد ثم إلى قائد معسكر التدريب بفتاشة، وبعد مقتل قائد المعسكر السابق العقيد إبراهيم أحمد في معارك طروجي بجبال النوبة، رُقّي إلى رتبة عميد مع خمسين من أبناء عمومته من الماهرية أولاد منصور الهلال، وهي القبيلة الفرعية ذاتها التي ينتمي إليها موسى هلال .

ويظهر الاسم نفسه في الوثائق الدولية تحت تهجئة أخرى: جيدو حمدان أحمد محمد، المعروف أيضاً بـ”أبو شوك” أو “أبو ناشوك” وفق اختلاف التهجئات بين المصادر. وتصفه وزارة الخزانة الأمريكية في فبراير 2026 بأنه لواء في الدعم السريع وقائد قطاع شمال دارفور منذ عام 2021، بينما أدرجته الأمم المتحدة في فبراير 2026 على قائمة العقوبات، ووصف الاتحاد الأوروبي دوره بأنه قائد لقطاع شمال دارفور ونائب لقائد الدعم السريع (U.S. Department of the Treasury, 2026; European Union, 2026). ويكتسب أهمية خاصة بسبب دوره في معركة الفاشر؛ فقد كان أحد القادة الذين ظهروا في المدينة بعد سقوطها في 26 أكتوبر 2025، وربطت العقوبات الدولية بين وجوده ووجود عبد الرحيم دقلو فيها وبين عمليات قتل وانتهاكات واسعة وقعت عقب السيطرة عليها (European Union, 2026). وبعد إصابته ونقله للعلاج خارج البلاد، تولى اللواء النور أحمد آدم الملقب بـ”القبة” قيادة قوات الدعم السريع في الفاشر، وقد وصفه التقرير الأممي بأنه كان ضمن القيادة العليا لقوات الدعم السريع، وعلى اتصال مباشر بعبد الرحيم دقلو، وحاضراً بصفة قيادية خلال المعارك داخل المدينة وأصدر أوامر مباشرة خلال عمليات السيطرة عليها (تاق برس، 2025).

وقد أظهر تقرير حديث للجزيرة نت أن قائداً ميدانياً آخر من قوات الدعم السريع، نال فيها رتبة عميد، ارتكب عمليات قتل جماعي وانتهاكات واسعة ضد المدنيين في مدينة الفاشر، وأن له دوراً في تحويل المدينة إلى ما وصفه ناجون بـ”ميدان للمجازر”، إذ نشر منذ أغسطس 2025 مقاطع مصوّرة على منصة “تيك توك” توثّق عملياته وهو يطلق النار على مدنيين أثناء التحقيق معهم، مفتخراً بما ارتكبه (الجزيرة نت، موسوعة، 2025). ويتطابق هذا الوصف مع سيرة العميد الفاتح عبد الله إدريس آدم الملقب بـ”أبو لولو”، أحد أكثر القادة الميدانيين ارتباطاً بأدلة مرئية على الانتهاكات، إذ قالت وزارة الخزانة الأمريكية في فبراير 2026 إنه ظهر في تسجيلات وهو يقتل مدنيين غير مسلحين، ويتباهى بقتل أعداد كبيرة، ويستجوب أسرى من القوات المسلحة ومدنيين حول انتمائهم القبلي، ويهدد بعضهم بالعنف الجنسي، ثم يقتل بعض الأسرى بإطلاق النار عليهم (U.S. Department of the Treasury, 2026). وأهمية “أبو لولو” ليست فقط في خطورة الاتهامات، وإنما في أنها توضح مشكلة المسؤولية الفردية داخل المنظمات المسلحة: فوجود قيادة مركزية لا يلغي مسؤولية القائد الميداني الذي يصدر الأوامر أو ينفذها، كما أن العقوبة المفروضة على قائد أعلى لا ينبغي أن تحل محل التحقيق في أفعال القادة المحليين.

أما في شرق ووسط دارفور، فقد تولى القيادة اللواءان علي يعقوب جبريل وأحمد بركات الله، إلى جانب اللواء عصام الدين الذي يدير مناطق أخرى من الإقليم . وقد فرضت الولايات المتحدة على علي يعقوب جبريل عقوبات في مايو 2024، مع اللواء عثمان محمد حامد محمد المعروف باسم “عمدة”، بسبب قيادتهما حملة الدعم السريع في دارفور والتصعيد حول الفاشر (U.S. Department of the Treasury, 2024). وتصف وزارة الخزانة عثمان محمد حامد بأنه لواء في الدعم السريع ورئيس العمليات منذ نوفمبر 2024، وأنه كان يقدم تصريحات باسم القوة بعد الانتصارات العسكرية، وكان جزءاً مهماً من التخطيط العملياتي، وهو ما يضعه في طبقة مختلفة عن القائد القبلي المحلي؛ فهو جزء من القيادة العسكرية العليا للقوة وليس مجرد قائد مجموعة محلية (ويكيبيديا الإنجليزية، Rapid Support Forces، 2026). وقد قُتل علي يعقوب جبريل في يونيو 2024 خلال القتال، ولذلك يجب وضعه في الخريطة التاريخية للقيادة وليس باعتباره قائداً حياً في سبتمبر 2026، وهذه نقطة مهمة منهجياً في أي خريطة لأمراء الحرب: فالقوائم التي تجمع أسماء قديمة وحديثة من دون تحديد تاريخ الحالة تعطي انطباعاً خاطئاً عن القيادة الحالية.

وفي غرب دارفور برز اللواء عبد الرحمن جمعة بركة الله بوصفه أحد أبرز القادة الإقليميين للدعم السريع وقائداً للقوة في هذه الولاية، وقد فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات في نوفمبر 2024 بسبب دوره القيادي في حملة الدعم السريع هناك، التي تضمنت، وفق وزارة الخزانة الأمريكية، انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، وعنفاً جنسياً مرتبطاً بالنزاع، وعنفاً ذا طابع إثني، كما ربطته الوزارة مباشرة بعملية اختطاف وقتل والي غرب دارفور خميس أبكر (U.S. Department of the Treasury, 2024). وتكتسب حالته أهمية لأنها توضح كيف يتحول القائد الإقليمي إلى مركز قرار محلي؛ ففي بيئة مثل غرب دارفور لا تكون السيطرة العسكرية مجرد السيطرة على ثكنة، بل تشمل الطرق والأسواق والمخيمات وممرات النزوح والقرى والموارد والحدود مع تشاد، ولذلك يصبح القائد العسكري المحلي لاعباً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في الوقت نفسه.

ومن القادة الميدانيين البارزين أيضاً التيجاني إبراهيم موسى محمد الملقب بـ”الزير سالم”، الذي ظهر مع قيادات أخرى بعد سقوط الفاشر، وفرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات في فبراير 2026 بسبب دوره القيادي في عمليات حصار المدينة والسيطرة عليها وما ارتبط بها من انتهاكات (U.S. Department of the Treasury, 2026). وتمثل أسماء القادة الميدانيين الأقل شهرة، مثل إدريس كافوتي، طبقة مهمة في خريطة الحرب، إذ لا تتوقف المسؤولية عند حميدتي وعبد الرحيم دقلو والقادة الإقليميين. وقد أظهرت العقوبات الأوروبية والأمريكية المتعاقبة اتجاهاً نحو توسيع نطاق المساءلة ليشمل قادة ميدانيين يشتبه في مشاركتهم في الانتهاكات، خصوصاً في الفاشر ودارفور.

وتشير هذه الظاهرة إلى أن الدعم السريع ليس جهازاً هرمياً محكماً بالمعنى التقليدي؛ فقد لاحظت الوكالة الأوروبية للجوء أن قيادة الدعم السريع في الجزيرة، خلال فترة سيطرته عليها، واجهت صعوبات في السيطرة والقيادة، وأن التسلسل الهرمي انهار في بعض المناطق وأن فصائل متنافسة بدأت تعمل باستقلال نسبي (European Union Agency for Asylum, 2025). وهذا التفكك مهم جداً لفهم المستقبل: فإذا كانت القيادة المركزية لا تسيطر بصورة كاملة على الوحدات المحلية أثناء الحرب، فإن توقيع اتفاق مع القيادة المركزية لن يكون بالضرورة كافياً لضمان توقف كل أشكال العنف.

الفصل الخامس: الانشقاقات — أبو عاقلة كيكل وعلي رزق الله “سافنا” والنور أحمد آدم “القبة” كمرآة لتفكك الولاءات

اللواء أبو عاقلة كيكل أسس قوات درع السودان عام 2022، ثم اصطف في بداية الحرب مع القوات المسلحة، قبل أن ينضم إلى قوات الدعم السريع في أغسطس 2023، ليعينه حميدتي في ديسمبر 2023 قائداً للدعم السريع في ولاية الجزيرة، فأصبح مركزاً عسكرياً رئيسياً للقوة في الولاية (Human Rights Watch, 2025). واللافت في مساره أنه بدأ القتال إلى جانب قوات الدعم السريع في ولاية الجزيرة قبل أن ينشق عنها ويعود إلى القوات المسلحة في أكتوبر 2024، محتفظاً برتبته العسكرية وأصبح حليفاً مهماً في العمليات. ليصبح لاحقاً من أبرز مستهدفي عمليات الاغتيال بالطائرات المسيّرة التي تنفذها قوات الدعم السريع، ومن ذلك محاولة استهدافه بطائرة انتحارية مسيّرة في منطقة شرق النيل بولاية الخرطوم، والتي أفادت مصادر مقرّبة منه بأنه غادر الموقع المستهدف قبل نحو ساعة من الحادث الذي أودى بحياة صديق عثمان الفكي عمر ونجله، وهما من رموز منطقة عد بابكر شرق النيل، وأصاب اثنين آخرين كانا يتوضآن لصلاة الفجر (الجزيرة نت، 2025). وقد صرّح القيادي في قوات درع السودان عمار نايل بأنهم يدركون أن تأثير كيكل في قلب موازين المعركة لصالح القوات المسلحة جعله الهدف الأكبر لقوات الدعم السريع، لمعرفته بأسلوب قتالها وتحقيقه نجاحاً في هزيمتها (الجزيرة نت، 2025).

ولكن عودة كيكل إلى الجيش لم تمحُ المسؤولية عن الفترة التي كان فيها قائداً في الدعم السريع؛ فقد وثقت هيومن رايتس ووتش انتهاكات ارتكبتها قوات مرتبطة به، كما وثقت لاحقاً انتهاكات ارتكبتها قواته بعد انتقالها إلى الجيش (Human Rights Watch, 2025; Human Rights Watch, 2026). وبحلول عام 2026 كانت قواته قد توسعت لتشمل محور النيل الأزرق بالكامل، متعاونة مباشرة مع الفرقة الرابعة مشاة التابعة للجيش من مقرها في مدينة الدمازين، حيث أشاد قائد الفرقة اللواء الركن إسماعيل الطيب حسين بالأدوار المتعاظمة لقوات درع السودان في إسناد القوات المسلحة، فيما أعلن كيكل دفع قواته نحو منطقة “يابوس” الحدودية ضمن عمليات وصفها بـ”الكسح والمسح” لإنهاء وجود قوات الدعم السريع قبل حلول موسم الأمطار، مؤكداً أن المزارع يجب أن يذهب إلى حقله مطمئناً لعدم وجود ميليشيات في المنطقة (الأحداث نيوز؛ ألترا سودان؛ سودافاكس). وقد وصف كيكل المعركة التي يخوضها السودان بأنها “ليست ضد قبيلة أو جهة أو مكون اجتماعي، بل ضد مجموعة مأجورة تنفذ أجندات خارجية تستهدف أمن السودان واستقراره” (ألترا سودان). وتكشف سيرته عن نمط “أمير الحرب المتنقل”: القائد الذي يدخل الحرب بقوة مستقلة، ويتحالف مع أحد الطرفين، ثم ينتقل إلى الطرف الآخر مع مقاتليه ومعداته، يمكن أن يحتفظ بقوة تفاوضية مستقلة حتى بعد انضمامه رسمياً إلى الدولة.

علي رزق الله، المعروف باسم “سافنا” هو قائد حركة مسلحة كان مرتبطاً بالدعم السريع، وأعلن انشقاقه عنه في مايو 2026، ووصل إلى الخرطوم بعد إعلانه الانشقاق، معلناً رغبته في العمل من أجل السلام والانحياز إلى ما وصفه بخيار الشعب السوداني (Sudan Tribune, 2026). وتكتسب حالته أهمية تاريخية لأنه لم يكن مجرد جندي يترك وحدته، وإنما قائد حركة مسلحة ذات تاريخ مستقل، فقد وقع في 2013 اتفاق سلام مع نظام عمر البشير وحصل بموجبه على رتبة عسكرية، ثم تمرد لاحقاً وانضم إلى مجلس الصحوة الثوري المرتبط بموسى هلال، قبل أن يظهر في منظومة الدعم السريع ثم ينشق عنها في 2026. وقد وصفت تقارير صحفية انضمامه إلى الجيش بأنه جزء من سلسلة انشقاقات رفيعة المستوى من الدعم السريع، إلى جانب النور أحمد آدم “القبة”، مع تحذيرات حقوقية من أن استقبال القادة المنشقين عسكرياً لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة من المحاسبة (Reuters, 2026; Human Rights Watch, 2026).

أما النور أحمد آدم، المعروف باسم النور القبة أو النور أحمد آدم القبة، فهو أحد أبرز القادة الذين انشقوا عن الدعم السريع في 2026. كان قائداً بارزاً في هجوم الدعم السريع على الفاشر، وقاتل إلى جانب جيدو أبو شوك وعلي يعقوب جبريل، وكان يقود سابقاً قوة متحركة عُرفت باسم “قوة درع السلام”. وفي أبريل 2026 أعلن انشقاقه وانضمامه إلى القوات المسلحة، في ظل توترات داخلية مرتبطة بتعيين جيدو أبو شوك قائداً عسكرياً لشمال دارفور بعد سقوط الفاشر بدلاً منه (Sudan Tribune, 2026). وتكشف حالته مشكلة استراتيجية عميقة: عندما ينتقل القائد إلى الطرف الآخر، فإنه لا ينتقل بالضرورة منفرداً، بل يمكن أن يأخذ معه مقاتلين ومركبات وسلاحاً وشبكات معرفة محلية. ولذلك حذرت تحليلات حديثة من أن انتصار الجيش على الدعم السريع أو تفككه لا يعني تلقائياً انتهاء الحرب؛ فقد تتحول الوحدات التي تنشق إلى مراكز قوة جديدة داخل الجيش نفسه (Al Jazeera, 2026).

الفصل السادس: موسى هلال والإدارة الأهلية — السلف التاريخي لظاهرة أمراء الحرب

يمثل الشيخ موسى هلال عبد الله، زعيم قبيلة المحاميد من عرب الأبالة في دارفور، الوجه الأقدم لظاهرة أمراء الحرب في السودان الحديث، إذ يُعد من أبرز مؤسسي ميليشيا الجنجويد التي شنت حملات واسعة ضد المدنيين في دارفور عام 2003 في سياق مكافحة تمرد الحركات المسلحة، وقد تولى قيادة قبيلته خلفاً لوالده الشيخ هلال عبد الله المنتمي إلى حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي (ويكيبيديا العربية، موسى هلال؛ الجزيرة نت، موسوعة). ورغم توليه لاحقاً منصب مستشار وزير الداخلية وترشيحه عام 2008 لمنصب كبير مستشاري وزارة الشؤون الاتحادية، فقد اعتقلته قوات الدعم السريع نفسها في نوفمبر 2017 في معقله بمنطقة مستريحة شمال دارفور، مع ثلاثة من أبنائه وخمسين من معاونيه، ونُقلوا مكبّلين إلى الخرطوم لمواجهة محاكمة عسكرية (ويكيبيديا العربية، موسى هلال؛ الشرق الأوسط، 2017). ووصف حميدتي حينها اعتقاله بأنه يمثل “نهاية” لمرحلة من اللااستقرار والاقتتال في دارفور، متعهداً ببسط هيبة الدولة “دون هوادة أو مجاملة لأحد مهما كانت الكلفة”، رغم أن مصطلح “الجنجويد” نفسه، بحسب اللهجة المحلية، يعني حرفياً “جن على ظهر جواد”، وكان يُطلق أصلاً على المطاريد وقُطّاع الطرق الذين يجوبون الإقليم لنهب الثروات والأنعام بقوة السلاح (الشرق الأوسط، 2017).

أُطلق سراح موسى هلال في 11 مارس 2021 بعد أربع سنوات من الاحتجاز إثر عفو أصدره مجلس السيادة، وشُطبت الدعوى الموجهة ضده، لكن قادة الدعم السريع منعوه من زيارة إقليم دارفور، وشمل قرار الإفراج الصادر من محكمة عسكرية بالخرطوم أربعة من أبنائه إضافة إلى سبعة آخرين من قيادات “مجلس الصحوة الثوري” (الجزيرة نت، موسوعة). ومنذ ذلك الحين تحول هلال إلى خصم مباشر لحميدتي عبر قيادته لهذا المجلس، وهو فرع منشق عن شبكة الجنجويد القديمة يوصف بأنه فرع آخر من ميليشيات الجنجويد التي قاتلت نيابة عن البشير خلال صراع دارفور بعد عام 2003 . وقد شهدت العلاقة بين الطرفين مواجهات مسلحة متكررة تصاعدت إلى حد اعتقال قوات الدعم السريع لحرس موسى هلال الشخصي وعدد من معاونيه قرب الحدود السودانية الليبية، لتبدأ حرب كلامية أفضت إلى اعتقال الدعم السريع لهارون مديخير، أحد أعوان هلال، قبل أن تصل الخلافات إلى طريق مسدود بعد تعرض القائد البارز في قوات الدعم السريع عبد الرحيم جمعة، وهو ابن عم وصهر حميدتي، لكمين من قوات تابعة لموسى هلال قرب مستريحة أسفر عن مقتله مع ستة آخرين (نون بوست، 2024). وقد جرى تسوية هذا النزاع لاحقاً بموجب اتفاق منحت بمقتضاه قوات الدعم السريع موسى هلال مبلغاً قُدّر بتسعمئة مليون جنيه سوداني، بسعر صرف بلغ حينها نحو 1350 جنيهاً للدولار الواحد، تعويضاً عن الأموال والسيارات التي استولت عليها عند اقتحامها معقله في مستريحة (نون بوست، 2024). وظل هلال يهادن قوات الدعم السريع منذ إطلاق سراحه، قبل أن يوجه إليها انتقادات علنية في 25 فبراير 2024 خلال مخاطبته قوات مجلس الصحوة الثوري العائدة من ليبيا، ليعلن بعدها وقوفه صراحة مع الجيش، وفي أوائل أكتوبر 2024 وقّع مجلس الصحوة الثوري التابع له اتفاقاً مع مجموعة الزعيم الدارفوري الطاهر حجر لوضع حد للتنافس المستمر بينهما منذ سنوات . ومن اللافت أن المحكمة الجنائية الدولية، خلافاً لأمراء حرب آخرين متورطين في جرائم دارفور الأولى، لم تلاحق موسى هلال قضائياً حتى الآن، رغم خضوعه لعقوبات فرضها مجلس الأمن الدولي شملت تجميد أصوله وحظر سفره .

وتظهر أهمية موسى هلال في أن شبكة الحرب الحالية لم تبدأ في 2023؛ فقد كانت دارفور مختبراً مبكراً لتحويل الزعامات القبلية إلى قوة عسكرية، ثم تحويل القوة العسكرية إلى نفوذ اقتصادي وسياسي، ولهذا فإن فهم حميدتي من دون فهم موسى هلال والتاريخ السابق للجنجويد وقوات حرس الحدود والميليشيات العربية في دارفور يؤدي إلى تجاهل جذور مهمة من بنية الحرب. وفي غرب دارفور تظهر أيضاً أهمية الإدارة الأهلية بوصفها قوة تعبئة: فقد ورد اسم أمير مسار عبد الرحمن أصيل، من قيادات الإدارة الأهلية وممثل للرزيقات، في تقارير مرتبطة بالتحريض والتعبئة القبلية، كما ورد اسم حافظ حسن بوصفه شخصية من الإدارة الأهلية ارتبطت بتعبئة مقاتلين إلى جانب الدعم السريع (Sudanese Archive, 2025). وهذه الشخصيات لا ينبغي وضعها تلقائياً في الفئة نفسها التي تضم حميدتي أو قائداً عسكرياً مثل عثمان محمد حامد؛ فالإدارة الأهلية تمتلك نوعاً مختلفاً من السلطة: سلطة اجتماعية وتعبوية، يمكن أن تتحول في ظروف الحرب إلى قوة عسكرية. ولذلك فإن الخلط بين الزعيم القبلي وأمير الحرب العسكري يؤدي إلى تحليل ناقص، بينما تجاهل الزعيم القبلي تماماً يؤدي إلى تجاهل آليات التجنيد والحشد.

كذلك ارتبط موسى أنجير بقيادة “الجبهة الثالثة – تمازج”، وهي مجموعة ذات حضور عربي في دارفور ارتبطت بالدعم السريع، وقد وثق الأرشيف السوداني نقلاً عن مصادر صحفية دولية أن أنجير ظهر في الجنينة خلال أحداث 2023، كما ارتبط اسمه باتهامات سابقة في قضايا قتل ونهب وتخريب (Sudanese Archive, 2025). وتكشف هذه الحالة عن الفئة الأوسع من القادة الذين لا يملكون جيشاً بحجم الدعم السريع، لكنهم يستطيعون تقديم وحدات ومقاتلين وغطاء قبلي أو محلي، ولذلك يصبحون جزءاً من اقتصاد التحالفات العسكرية.

الفصل السابع: المعسكر المتحالف مع القوات المسلحة — الكتائب الإسلامية والقيادة العسكرية النظامية والمقاومة الشعبية

اعتمد الجيش السوداني منذ الأشهر الأولى للحرب على شبكة من الكتائب شبه العسكرية المرتبطة بإرث الحركة الإسلامية وقوات الدفاع الشعبي التي كانت الذراع الشعبية للنظام السابق، إلى جانب قيادة عسكرية نظامية رفيعة ومنظومة واسعة من قوى الحشد الشعبي والقبلي.

وأبرز التشكيلات شبه العسكرية لواء البراء بن مالك، المعروف أيضاً باسم “كتيبة البراء بن مالك” نسبة إلى مقاتل مسلم مشهور خلال الفتوحات الإسلامية المبكرة، والذي ظهر اسمه لأول مرة خلال حرب الجنوب كجزء من قوات الدفاع الشعبي، الذراع القتالي الشعبي للحركة الإسلامية السودانية، قبل أن يتراجع بعد سقوط نظام البشير عام 2019 مع حل مؤسساتها الرسمية، فيما ظل أفراده على تواصل يجتمعون تحت مظلة أنشطة اجتماعية، منتظرين اللحظة المناسبة للعودة إلى الواجهة (الراكوبة، 2025). وقد أعدّ اللواء والحركة الإسلامية الأوسع مقاتليهما منذ عام 2019، ولهما اتصالات مع بعض الضباط في المخابرات العسكرية السودانية، وقد قاتلا بشكل نشط إلى جانب القوات المسلحة السودانية منذ بدء الحرب في 15 أبريل 2023، وتكبدا خسائر كبيرة في مواقع متعددة كان أعنفها داخل الوحدات العسكرية في الخرطوم وحولها (ويكيبيديا العربية، كتيبة البراء بن مالك). وتفيد تقارير بأن قوام هذا اللواء يتجاوز عشرين ألف مقاتل، وله تمثيل داخل سلاحي المدرعات والمشاة، إضافة إلى قوات الاحتياطي المركزي التي فرضت عليها واشنطن عقوبات بسبب مشاركتها في القتال (الاستقلال؛ ويكيبيديا العربية، كتيبة البراء بن مالك). ويتكون أغلب عناصره من شباب ترعرعوا على الخطاب الإسلامي الجهادي الذي كان يروج له رموز من الصف الإسلامي القديم مثل النيل الفاضل، أبرز القيادات الشبابية بحزب المؤتمر الوطني حزب البشير، وإسحاق أحمد فضل الله، وعبيد ختم، وعلي عبد الفتاح، ولم يكن نشاطه قبل الحرب يقتصر على التدريب العسكري السري، بل امتد إلى مشاهد أكثر علنية أبرزها تأمين الإفطارات الرمضانية التي نظمتها قيادات المؤتمر الوطني المحلول، وكذلك المشاركة في وقفات مناهضة للتطبيع مع إسرائيل ولقاءات البرهان بمسؤولين إسرائيليين (الراكوبة، 2025؛ العربي، 2023). ولا تتوفر معلومات موثقة عن هوية القائد العام للواء سوى أنه شاب في الثلاثينيات لم يكن له دور يُذكر قبل سقوط نظام البشير، برز نشاطه في التظاهرات المناهضة لحكومة عبد الله حمدوك عام 2019 وظهر يقود أولى المواكب ضدها (العربي الجديد، 2024). ومن الأسماء المرتبطة بقيادة اللواء ميدانياً المصباح أبو زيد طلحة، وأنس عمر، وحذيفة إسطنبول، وقد فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على المصباح أبو زيد طلحة بوصفه قائداً للواء، ضمن حزمة العقوبات المتعلقة بالسودان (European Union, 2026). ويجب التمييز هنا بين أعضاء الحركة الإسلامية المدنيين عموماً وبين التشكيلات العسكرية الإسلامية؛ فالخطر الذي يهم خريطة أمراء الحرب يتعلق بالتحول من التنظيم السياسي إلى التنظيم المسلح، وتزداد أهمية اللواء لأن عودة الإسلاميين إلى المجال العسكري قد تؤثر في مستقبل الدولة حتى إذا انتهت الحرب؛ فإذا تحولت الكتائب الأيديولوجية إلى مؤسسات أمنية أو احتفظت بسلاح مستقل، فإن عملية بناء جيش وطني موحد ستصبح أكثر تعقيداً.

أما على مستوى القيادة العسكرية النظامية، فيبرز الفريق أول ياسر العطا من أبرز قادة القوات المسلحة خلال الحرب، إذ قاد عمليات عسكرية مهمة في الخرطوم وأم درمان، وأصبح في 2026 رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة. وتنبغي هنا الدقة الاصطلاحية: العطا ليس أمير حرب بالمعنى الميليشياوي، وإنما قائد عسكري نظامي يملك نفوذاً كبيراً في إدارة الحرب، لكن وجوده داخل هذه الخريطة ضروري لأن خريطة السلطة المسلحة لا يمكن أن تقتصر على القادة غير النظاميين؛ فالقرار العسكري الذي يصدر عن قيادة الجيش يمكن أن يغير توزيع القوة على عشرات المجموعات الحليفة، كما أن العلاقة بين الجيش والحركات المسلحة والمستنفرين والكتائب الإسلامية تمر جزئياً عبر القيادة العليا للقوات المسلحة. ويبرز أيضاً الفريق أول شمس الدين كباشي، من أبرز قادة القوات المسلحة، وكان نائباً للقائد العام خلال مراحل مهمة من الحرب، وقد ظهر دوره أيضاً في التعامل مع المقاومة الشعبية والمستنفرين، وهو ما يكشف أن الجيش لم يخض الحرب بقواته النظامية وحدها، بل استخدم منظومة واسعة من القوات المساندة. ويأتي الفريق إبراهيم جابر من أعضاء القيادة العليا ومجلس السيادة، وتنبع أهميته من تداخل القيادة العسكرية مع الإدارة الاقتصادية للدولة أثناء الحرب، وهذه المنطقة هي التي تجعل الفصل بين “القيادة العسكرية” و”اقتصاد الحرب” صعباً في السودان، إذ تعتمد الدولة في الحرب على شركات ومؤسسات ومصانع وشبكات مالية مرتبطة تاريخياً بالمؤسسة العسكرية. ويُضاف الفريق الطاهر محمد العوض الأمين، من قادة القوات الجوية، وقد ارتبط اسمه بالعقوبات الأوروبية في سياق مسؤولية القيادة عن عمليات جوية نفذتها القوات المسلحة، وتكمن أهمية إدراجه في الخريطة في أن القوة الجوية هي أحد أهم مصادر التفوق التقليدي للجيش على الدعم السريع، لكنها في الوقت نفسه تخلق مخاطر كبيرة على المدنيين عندما تستخدم في مناطق حضرية مكتظة.

أما المقاومة الشعبية والمستنفرون، فليسا تنظيماً واحداً، بل يشير المصطلح إلى مجموعات مدنية أو شبه عسكرية استجابت لدعوات التعبئة إلى جانب القوات المسلحة. وقد قدر مركز الدراسات الاستراتيجية الأفريقية عدد المنخرطين في المقاومة الشعبية بعشرات الآلاف، مع انتشارها في ولايات متعددة (Africa Center for Strategic Studies, 2026). ويكشف ذلك عن أحد أخطر التحديات في مرحلة ما بعد الحرب: إذا أصبح حمل السلاح وسيلة للترقي الاجتماعي والسياسي خلال الحرب، فإن إنهاء الحرب يتطلب توفير مسارات بديلة للهوية والدخل والحماية، وإلا فقد تتحول المقاومة الشعبية من أداة تعبئة مؤقتة إلى مجموعة جيوش محلية.

الفصل الثامن: حركات دارفور المسلحة — من اتفاق جوبا إلى إعادة الاصطفاف والحياد المتغير

شكّلت الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا لعام 2020 طبقة موازية من القيادات المسلحة ذات الطابع الإقليمي والإثني. مني أركو مناوي، رئيس حركة/جيش تحرير السودان – فصيل مناوي وحاكم إقليم دارفور، هو من أبرز قادة التمرد الدارفوري السابقين الذين تحولوا بعد اتفاق جوبا إلى شركاء في الدولة، ثم عادوا إلى الحرب إلى جانب القوات المسلحة بعد اندلاع الحرب الحالية، ويقود، بحسب مصادر عسكرية، أكبر تشكيل مسلح بين هذه الحركات بقوام يقارب ثلاثين ألف مقاتل يتمركز أغلبهم في شمال دارفور (متابعات دارفور، 2024). وتكمن أهميته في أنه لا يقود ميليشيا محلية فقط، وإنما يقود حركة ذات تاريخ عسكري وسياسي طويل، كما أن موقعه كحاكم لإقليم دارفور يمنحه طبقة إضافية من السلطة الرسمية إلى جانب السلطة المسلحة. وقد انضمت قواته إلى المعسكر المتحالف مع الجيش، وأصبحت جزءاً من القوة المشتركة في دارفور. ووفق فريق خبراء الأمم المتحدة، أدى تحول مواقف قادة الحركات في الفاشر إلى تشكيل قوة مشتركة متحالفة مع القوات المسلحة، وكان من بين القادة الذين اصطفوا معها جمعة هقار وعبد الله جنة وعثمان عبد الجبار وتيجاني دُهَيب (United Nations, 2025).

ويُعد جمعة هقار القائد العسكري البارز لحركة تحرير السودان – فصيل مناوي، وقد أظهرت التقارير الأممية الحديثة أنه كان ضمن القادة الذين اصطفوا مع القوات المسلحة في الفاشر، وأصبح لاحقاً قائداً للقوة المشتركة المتحالفة مع الجيش في بعض العمليات، بما في ذلك العمليات التي استعادت بها القوات المتحالفة مواقع في شمال كردفان خلال 2026 (United Nations, 2025; Sudan War Monitor, 2026). وهذا التصحيح مهم لأن بعض المصادر القديمة في 2023 و2024 تحدثت عن مواقف مختلفة أو متغيرة له، بما يعكس الانقسامات داخل الحركات، وبالتالي فإن وضعه الحالي يجب تحديده زمنياً بدلاً من نقل موقف قديم إلى خريطة 2026. وقد رافق نائب القائد العام لحركة مناوي، جابر إسحق، زعيمه إلى معسكر وادي سيدنا في أمدرمان، بينما تولى جمعة حقار مهمة تأمين الفاشر، آخر معاقل الجيش في دارفور (الراكوبة، 2023).

أما جبريل إبراهيم محمد، المولود عام 1955 في منطقة الطينة بولاية شمال دارفور، قائد حركة العدل والمساواة ووزير المالية والتخطيط الاقتصادي في الحكومة الانتقالية، والقيادي السابق ضمن القيادات الشبابية في الحركة الإسلامية التي حكمت السودان ثلاثين عاماً تحت اسم حزب المؤتمر الوطني قبل تأسيسه حركته، فهو من أبرز قادة الحركات الدارفورية الذين اصطفوا إلى جانب القوات المسلحة (العربي الجديد، 2021). وقد افترض حصوله هو ومناوي على وظائف على مستوى الجيش والشرطة وجهاز المخابرات طبقاً لاتفاق السلام الموقّع في 3 أكتوبر 2020، والذي ينص أيضاً على دمج قوات الحركات المسلحة في الجيش السوداني وتشكيل قوة منفصلة قوامها عشرون ألف جندي من الحركات المسلحة والجيش والشرطة والدعم السريع لحماية المدنيين في دارفور. وشاركت قوات حركته في القتال ضمن المعسكر المتحالف مع الجيش، بما في ذلك العمليات المتعلقة بالدفاع عن الفاشر ومناطق أخرى. وتكشف حالته عن تحول تاريخي مهم: الحركة التي نشأت أصلاً باعتبارها حركة تمرد على الدولة أصبحت جزءاً من الدولة ووزيراً في الحكومة، ثم عادت إلى القتال دفاعاً عن أحد طرفي الدولة، وهذا يوضح أن الحرب السودانية لا تدور فقط حول “الدولة ضد المتمردين”، وإنما حول إعادة توزيع مراكز القوة داخل الدولة نفسها. وقد ورد اسم تيجاني دُهَيب في تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة بوصفه القائد الرئيسي في دارفور لحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم في سياق القوة المتحالفة مع القوات المسلحة (United Nations, 2025)، وهذه الإضافة مهمة لأن خريطة القيادة لا تكتمل بذكر القائد السياسي للحركة فقط؛ فالحركات المسلحة عادةً تفصل بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية، وقد تكون لدى القائد العسكري قدرة على اتخاذ قرارات ميدانية تختلف عن قدرة السياسي على اتخاذ قرارات تفاوضية.

وقد أعلن مناوي وجبريل إبراهيم معاً، مع اندلاع حرب 2023، انحيازاً ضمنياً ثم صريحاً لصف الجيش السوداني، وهو ما أحدث انقسامات داخلية حادة في صفوف حركتيهما، إذ أعلنت فصائل منشقة عنهما تنسيقها مع قوات الدعم السريع بدلاً من ذلك للعمل، بحسب بيانها، على “تحقيق الأمن والاستقرار في إقليم دارفور وحماية المواطنين”، وتشكيل قوة مشتركة مع “قوات الكفاح المسلح” لتأمين الإقليم (الراكوبة، 2023؛ سكاي نيوز عربية). وقد أفرزت هذه الانقسامات بروز قيادات ميدانية جديدة، من بينها مصطفى تمبور، الذي يقود فصيلاً منشقاً باسم “حركة تحرير السودان” اصطف مع القوات المسلحة، والذي شاركت قواته، إلى جانب قوات من حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، في معارك أم درمان القديمة وفي شرق البلاد على الحدود مع ولاية الجزيرة التي أخضعتها قوات الدعم السريع لسيطرتها (متابعات دارفور، 2024)، ونشأت لحركته قوات ومعسكرات تدريب في شرق السودان، خصوصاً في القضارف وكسلا، في سياق إعادة تنظيم الحركات المسلحة بعد الحرب (European Union Agency for Asylum, 2025).

في المقابل، حافظ الهادي إدريس، قائد حركة تحرير السودان – المجلس الانتقالي وعضو مجلس السيادة الانتقالي السابق قبل الحرب، على موقف أقرب إلى الحياد المعلن في مرحلة من الحرب، ثم أصبح من المشاركين في التحالف السياسي المرتبط بالدعم السريع والحكومة الموازية؛ ففي فبراير 2025 وقع ممثلون عن حركته ضمن الميثاق الذي استهدف إنشاء سلطة موازية، ثم أصبح عضواً في المجلس الرئاسي للسلطة الموازية في يوليو 2025 (Sudan Tribune, 2025). كذلك حافظ الطاهر هجار (حجر)، قائد تجمع قوى تحرير السودان، على موقف مماثل، إذ شارك مع عبد الواحد محمد نور في إنشاء قوة لحماية المدنيين والقوافل الإنسانية في يناير 2025، قبل أن يظهر اسمه لاحقاً ضمن التحالف السياسي المرتبط بالدعم السريع، وقد سبق أن وقّع مجلس الصحوة الثوري بقيادة موسى هلال اتفاقاً معه في أكتوبر 2024 لإنهاء تنافسهما التاريخي (Sudan Tribune, 2025؛ الاستقلال). وهذه الحالة تؤكد أن “الحياد” في الحرب السودانية ليس بالضرورة موقفاً ثابتاً؛ فقد يتغير وفق التهديدات المحلية، أو مصالح السكان، أو العلاقات الإقليمية، أو فرص التأثير السياسي، وهو ما أدى أيضاً إلى انقسام “القوة المشتركة للحركات المسلحة” التي تشكلت أصلاً من 2500 مقاتل بهدف حماية المدنيين وتوصيل المساعدات الإنسانية والتواصل مع أطراف النزاع للتحرك بحرية دون استهداف، وللمساعدة في تفادي وقوع حرب أهلية شاملة في الإقليم (مركز التقدم للسياسات، 2024).

وقد انشق سليمان صندل هجار عن حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم في أغسطس 2023، بعد الخلاف حول موقف الحركة من الحرب واصطفافها مع القوات المسلحة، وأصبح يقود فصيلاً مرتبطاً بالدعم السريع، ثم شارك في المشروع السياسي الموازي، إذ ظهر اسمه ضمن الموقعين على الميثاق الذي أطلقه الدعم السريع وحلفاؤه في نيروبي في فبراير 2025، إلى جانب الهادي إدريس والطاهر هجار وشخصيات سياسية ومدنية أخرى (Sudan Tribune, 2025). وتوضح حالته أن الحركات المسلحة لا تنقسم فقط حول قضايا الهوية أو الإقليم، بل حول سؤال بالغ الأهمية: هل يكون الجيش هو مركز الدولة أم تكون هناك إعادة تأسيس للدولة على أساس تحالف مسلح جديد؟

وتتضمن خريطة الحركات الدارفورية قيادات ميدانية وسياسية أصغر لكنها مهمة على مستوى السيطرة المحلية، من بينها عبد الله جنة، قائد فصيل جنة داخل تجمع قوى تحرير السودان، والقائد العسكري في دارفور عبود آدم خاطر؛ وصلاح آدم تور المعروف باسم “رصاص”، المرتبط بفصيل المجلس الانتقالي، والقائد العسكري عثمان عبد الجبار عثمان، وقد وردت هذه الأسماء صراحة في تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة بوصفها قيادات في مجموعات اصطف جزء منها مع القوات المسلحة في الفاشر (United Nations, 2025). أما داخل الفصائل التي حافظت على الحياد، فقد ورد اسم صالح عثمان المعروف باسم “جبل سي” قائداً عسكرياً في فصيل المجلس الانتقالي، كما ورد أحمد أبو تونغا وعبد الرحيم يعقوب ضمن القيادة العسكرية لتجمع قوى تحرير السودان بقيادة الطاهر هجار (United Nations, 2025). وتوضح هذه الأسماء لماذا لا يمكن اختزال حركات دارفور في خمسة أو ستة قادة فقط؛ فالحركات انقسمت داخلياً، وأصبح لكل فصيل سياسي قائد عسكري، وأحياناً أصبحت القيادة العسكرية أكثر استقلالاً من القيادة السياسية.

وعلى النقيض من هذه المحاور المتصارعة، يمثل عبد الواحد محمد نور، مؤسس الجناح الأقدم من حركة تحرير السودان والمتحصن تاريخياً في جبل مرة، نموذجاً مختلفاً من “أمراء الحرب” اختار الحياد المعلن بدلاً من الاصطفاف. ويعود تاريخ انشقاقات حركته إلى وقت مبكر جداً، إذ انشقت مرة أخرى إلى جناح بقيادة عبد الواحد نفسه وآخر بقيادة خميس أبكر، الذي سيصبح لاحقاً والياً لغرب دارفور ويُقتل في مجزرة الجنينة كما سيرد لاحقاً، فيما تُعتبر الشرارة الأولى للنضال العسكري ضد حكومة الخرطوم في دارفور هي انسلاخ المهندس يحيى بولاد المنتمي لقبيلة الفور من الجبهة الإسلامية القومية وحكومة الإنقاذ عام 1992 وانضمامه إلى جون قرنق وتكوينه ميليشيا مسلحة تحصّنت في جبل مرة، قبل أن تُخمد ثورته سريعاً ويُعدم، لكن ذلك كان كفيلاً ببث روح الرفض والتمرد في الإقليم بأسره (ويكيبيديا العربية، حركة تحرير السودان). وقد أكد عبد الواحد نور في تصريحات متكررة أن حركته اتخذت موقف الحياد في هذه الحرب “ليس خوفاً وإنما لأنها لا يمكن أن تكون مع الجيش ولا مع الدعم السريع بشكله الحالي”، معتبراً أن حركته لا يمكن أن تقف مع جيش “صنع الميليشيات عبر استخباراته ومارس الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجرائم الحرب”، ولا مع قوات الدعم السريع، مع تأكيده سيطرة حركته على ما يقارب ثلث مساحة إقليم دارفور بوصفها “أراضي محررة” توفر ملاذاً كاملاً للنازحين من الطرفين (راديو دبنقا، 2024؛ حركة/جيش تحرير السودان). وقد ظل عبد الواحد يواجه ضغوطاً متصاعدة من قوات الدعم السريع لتسليم عناصر من الجيش وحلفائه المتحصنين في مناطق سيطرته، فيما طرح في المقابل مبادرة لإخلاء مدينة الفاشر بالكامل من كافة الأطراف المتحاربة وتحويلها إلى منطقة منزوعة السلاح ومركز لإدارة الشأن الإغاثي في دارفور وكردفان والنيل الأبيض والجزيرة نظراً لقربها الجغرافي ووجود طرق معبّدة تربطها بهذه الأقاليم (راديو دبنقا، 2024؛ سودا راي، 2025)، بل شارك مع الطاهر هجار في إنشاء قوة لحماية المدنيين والقوافل الإنسانية في يناير 2025 (Sudan Tribune, 2025). وتقدّر تقارير أن عدد الحركات المسلحة في دارفور وحدها يناهز أربعاً وثمانين حركة من أصل نحو سبع وثمانين حركة مسلحة تنشط في عموم السودان (سكاي نيوز عربية).

الفصل التاسع: الحركة الشعبية – شمال ومثلث الحلو وتوكا وعقار — من الحرب الإقليمية إلى مشروع السلطة الموازية

تمثل جبال النوبة والنيل الأزرق ساحة أخرى لظاهرة الزعامة المسلحة المرتبطة بالهوية الإقليمية. فقد انقسمت الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال، التي تأسست بعد استفتاء انفصال جنوب السودان عام 2011 بقيادة ثلاثية ضمّت مالك عقار رئيساً وعبد العزيز الحلو نائباً وياسر عرمان أميناً عاماً، إلى جناحين منفصلين عام 2017: جناح بقيادة عبد العزيز آدم الحلو يسيطر على سلسلة جبال النوبة الممتدة في جنوب كردفان، وجناح بقيادة مالك عقار يتمركز في إقليم النيل الأزرق (الجزيرة نت، موسوعة، عبد العزيز الحلو؛ ويكيبيديا العربية، عبد العزيز الحلو). وقد وقّع الحلو على إعلان قوى الحرية والتغيير بحكم عضوية حركته في الجبهة الثورية السودانية، أحد مكونات هذا الائتلاف الذي أطاح بحكم البشير عام 2018 (ويكيبيديا العربية، عبد العزيز الحلو). وكان فصيله خارج اتفاق جوبا للسلام، وحافظ على استقلاله عن طرفي الحرب في بدايتها، لكنه دخل لاحقاً في تحالف سياسي وعسكري مع الدعم السريع ضمن مشروع “تأسيس”، وتصف الوكالة الأوروبية للجوء فصيله بأنه قوة مسلحة تسعى إلى الحكم الذاتي للنوبة وتسيطر على مناطق في جنوب كردفان (European Union Agency for Asylum, 2025). ومنذ اندلاع حرب 2023 حافظت قوات الحلو على معارك جانبية ضد الجيش السوداني بهدف تثبيت سيطرتها الإقليمية، قبل أن يشهد موقفها تحولاً لافتاً بعد نحو تسعة أشهر من الحرب حين شاركت إلى جانب الجيش في صد هجمات قوات الدعم السريع التي حاولت التقدم نحو مدينة الدلنج، ثاني كبريات مدن جنوب كردفان الخاضعة لسيطرة الحركة (الجزيرة نت، موسوعة، عبد العزيز الحلو).

غير أن هذا التقارب مع الجيش لم يدم طويلاً، إذ أفضى في يوليو 2025 إلى تحول دراماتيكي حين انضم عبد العزيز الحلو رسمياً إلى تحالف “تأسيس” الموازي بقيادة حميدتي، ليصبح في مشروع السلطة الموازية نائباً له، في نقلة استراتيجية كبيرة من التمرد الإقليمي إلى المشاركة في مشروع لإعادة بناء الدولة من خارج مركزها التقليدي (European Union Agency for Asylum, 2025). ففي 26 يوليو 2025، أعلن تحالف “السودان التأسيسي” من مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور تشكيل مجلس رئاسي من خمسة عشر عضواً برئاسة محمد حمدان دقلو حميدتي رئيساً لمجلس السيادة الموازي وعبد العزيز الحلو نائباً له، فيما أُسند منصب رئيس الوزراء إلى محمد حسن التعايشي، عضو مجلس السيادة الانتقالي السابق والمقرب من حميدتي خلال الفترة الانتقالية التي أطاح بها انقلاب الجيش عام 2021 (راديو دبنقا، 2025؛ العربي الجديد؛ سودانايل؛ Sudan Tribune, 2025). وقد تبنى هذا التحالف، بحسب ميثاقه المعلن، هدف بناء دولة “علمانية ديمقراطية لا مركزية وفيدرالية”، واعتمد “إطاراً دستورياً انتقالياً” يحدد هيكلة سلطة ثانية داخل دولة واحدة، في ظاهرة وصفتها تحليلات مقارنة بأنها تكرار لنموذج الحكومتين المتنافستين الذي شهدته ليبيا بين حكومتي طرابلس وطبرق، واليمن بين حكومة صنعاء التي شكّلها الحوثيون وحكومة عدن المعترف بها دولياً منذ نوفمبر 2017، مع فارق جوهري هو أن حكومة “تأسيس” ما تزال، خلافاً لتلك التجارب، تفتقر إلى أي اعتراف دولي حتى الآن (سودانايل، 2025). وقد رفض الاتحاد الأفريقي صراحة الاعتراف بهذه الحكومة الموازية، محذراً من أن هذه الخطوة تقود نحو مزيد من الانقسام في البلاد، فيما احتجت حكومة “تأسيس” لاحقاً على استبعادها من مشاورات السلام التي رعاها الاتحاد الأفريقي وهيئة التنمية الحكومية “إيغاد” والجامعة العربية في أديس أبابا (الشرق الأوسط، 2025). وقد عيّن التعايشي لاحقاً وزراء جدداً من خلفيات متعددة سعياً لنيل اعتراف خارجي، من بينهم عمار أمون دلدوم، القيادي البارز في الحركة الشعبية المتحالفة مع الدعم السريع، وزيراً للخارجية والتعاون الدولي، وسليمان صندل حقار وزيراً للداخلية، وعلاء الدين عوض محمد وزيراً للصحة، فضلاً عن ضم الهادي إدريس والطاهر هجار إلى المجلس الرئاسي (العربي الجديد، 2025؛ Sudan Tribune, 2025).

ويُعد يوسف توكا (أو جوزيف توكا بحسب بعض الترجمات، مع اعتماد “يوسف توكا” في النص العربي عند الحديث عن القائد العسكري السوداني والإشارة عند الحاجة إلى الصيغة الأجنبية في المرجع) أحد أبرز القادة العسكريين للحركة الشعبية – شمال في النيل الأزرق، وقد ارتبط اسمه بتحالفات الحركة مع الدعم السريع في المرحلة الجديدة، وبالتوسع العسكري في مناطق النيل الأزرق والحدود الإثيوبية.

أما مالك عقار، فقد اختار مساراً مختلفاً أقرب إلى التموضع داخل مؤسسات حكومة بورتسودان الرسمية، وهو من أهم الأمثلة على انتقال قائد تمرد مسلح إلى مؤسسات الدولة؛ فقد قاد فصيلاً من الحركة الشعبية – شمال، ثم أصبح نائب رئيس مجلس السيادة وحليفاً رئيسياً للبرهان. وحالته ضرورية لفهم مشكلة ما بعد الحرب: فالتسوية السياسية السودانية سبق أن أثبتت أن إدخال قادة الحركات المسلحة في الدولة لا يؤدي تلقائياً إلى نزع السلاح من شبكاتهم، وإذا لم تترافق المشاركة السياسية مع إعادة بناء مؤسسات الأمن، يمكن أن تصبح الدولة نفسها مظلة لاستمرار تعدد مراكز القوة. ويمثل هذا الانقسام بين مسار عقار ومسار الحلو مثالاً آخر على انفراط عقد “الحركة الشعبية” الواحدة إلى مسارين متناقضين تماماً، وهو ما يعكس، مجدداً، منطق “السوق السياسي” في إعادة تموضع القادة المسلحين بحسب حسابات المصلحة الآنية لا الثبات الأيديولوجي أو الانتماء التاريخي المشترك.

الفصل العاشر: من الجنجويد إلى قفص الاتهام في لاهاي — مسار المساءلة الدولية أمام المحكمة الجنائية

شكّلت الملاحقة الدولية بعداً موازياً لخريطة أمراء الحرب السودانيين. فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق أربعة مسؤولين سودانيين رئيسيين على خلفية جرائم دارفور بين عامي 2003 و2004: الرئيس المعزول عمر البشير، ووزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين الذي شغل سابقاً وزارة الداخلية بين عامي 2001 و2005 وعمل ممثلاً خاصاً للبشير في إقليم دارفور من 2003 حتى 2004 وهو مطلوب بتهمة تنسيق الهجمات ضد مدنيين في قرى غرب دارفور، وأحمد هارون الذي تولى رئاسة مكتب أمن دارفور ونُسب إليه تنسيق حملات مكافحة التمرد وتزويد الجنجويد بالسلاح، وعلي محمد علي عبد الرحمن المعروف بـ”علي كوشيب” بوصفه أحد أبرز قادة الجنجويد الميدانيين، إلى جانب مذكرة سابقة بحق عبد الله بندة أبكر، القيادي في حركة العدل والمساواة المتمردة والمتهم بجرائم متعلقة بالهجوم على قاعدة للاتحاد الأفريقي في دارفور، والذي يظل وحده خارج الاحتجاز الفعلي داخل السودان بينما بقية المطلوبين محتجزون داخل البلاد (فرانس 24، 2012؛ هيومن رايتس ووتش، 2020؛ ويكيبيديا العربية، تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في دارفور). وقد أصدر مكتب المدعي العام آنذاك تصريحاً يفيد بأن الأدلة تتيح للادعاء الاستنتاج بأن عبد الرحيم محمد حسين هو “واحد من الذين يتحملون أكبر المسؤولية الجنائية” عن هذه الجرائم (فرانس 24، 2012).

وقد شكّل تسليم علي كوشيب نفسه لسلطات أفريقيا الوسطى عام 2020 نقطة تحول، إذ نُقل إلى لاهاي في 9 يونيو 2020 وبدأت إجراءات محاكمته في الدائرة التمهيدية، لتصدر المحكمة في أكتوبر 2025 إدانة تاريخية بحقه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في حكم بلغ 355 صفحة، أكّدت فيه المحكمة بما لا يدع مجالاً للشك أن كوشيب أمر ودعم وشارك في هجمات إرهابية واسعة النطاق ومنهجية أدت إلى عمليات قتل جماعي ونزوح قسري، لتكون هذه الإدانة الأولى من نوعها منذ اندلاع نزاع دارفور قبل أكثر من عقدين، في وقت تنزلق فيه دارفور مرة أخرى إلى دوامة عنف مماثلة وسط الحرب الراهنة (أخبار الأمم المتحدة، 2025؛ الجزيرة نت، 2025). وقد استغلت قاضية الدائرة الابتدائية بالمحكمة الجنائية الدولية سردها لحيثيات قضية كوشيب لكشف معطيات إضافية حول “خطة الطوارئ” التي وضعتها الحكومة السودانية آنذاك في الخرطوم، ودعمها لميليشيا الجنجويد بالمال والسلاح، بهدف استهداف قبائل الزغاوة والمساليت والفور، وهي المعطيات ذاتها التي وضعت مساعدي البشير السابقين مجدداً على رادار المحكمة الجنائية الدولية (الشرق، 2025). وفي ديسمبر 2025، أصدرت المحكمة حكمها النهائي بسجن كوشيب عشرين عاماً، بعد أن طالب ممثلو الادعاء في الشهر السابق بالسجن المؤبد له (الجزيرة نت، 2025).

وحتى تاريخه، ما تزال أوامر التوقيف بحق البشير وهارون وحسين معلقة دون تنفيذ، إذ كان خمسة مشتبه بهم لا يزالون قيد الاتهام حتى يونيو 2019 وفق ما وثّقته ويكيبيديا العربية: أحمد هارون، وعلي كوشيب، وعمر البشير، وعبد الله بندا، وعبد الرحيم محمد حسين، وقد وُجّهت إلى هارون وكوشيب معاً تهم بلغ مجموعها واحدة وخمسين تهمة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد شعب الفور (ويكيبيديا العربية، تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في دارفور). وقد واصلت نائبة المدعي العام للمحكمة، نزهت شميم خان، دعوة الأفراد والمنظمات إلى تزويد مكتب الادعاء بأي معلومات تتعلق بمكان وجود هؤلاء المطلوبين، مؤكدة أن إدانة كوشيب منحت ضحايا دارفور والمجتمعات المتضررة بارقة أمل جديدة في تحقيق العدالة، وأن مكتب الادعاء أحرز تقدماً ملحوظاً في تحقيقاته عبر إجراء مقابلات مع شهود رئيسيين أسهمت في تعزيز الأدلة وربط الجرائم بمن يُشتبه في مسؤوليتهم عنها (سودانس بوست، 2026). وتؤكد استمرارية هذا المسار أن المساءلة الدولية لم تعد تقتصر على القيادات التاريخية للجنجويد، بل بدأت تمتد إلى القادة الميدانيين المعاصرين، كما سيتضح في الفصل التالي عبر عقوبات فبراير 2026 على “أبو لولو” وجيدو حمدان أحمد و”الزير سالم” (U.S. Department of the Treasury, 2026; European Union, 2026).

الفصل الحادي عشر: مجزرة الجنينة — عندما تحوّلت الزعامة القبلية إلى أداة إبادة موثّقة

يمثل ما جرى في مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، خلال الأشهر الأولى من الحرب أحد أكثر النماذج توثيقاً لكيفية تحول تحالفات أمراء الحرب إلى آلة قتل جماعي منظمة. فقد كانت الجنينة، التي كانت تأوي نحو 540 ألف مدني قبل الحرب، تُعتبر استراتيجية بحكم موقعها كعاصمة الإقليم ومركز سلطنة دار مساليت (ويكيبيديا العربية، معركة الجنينة). وفي أواخر مارس وأوائل أبريل 2023، دفعت الاشتباكات المتجددة بين العرب وغير العرب في الجنينة وفورو برنقا وتندلتي والي غرب دارفور خميس عبد الله أبكر، وهو أيضاً مؤسس وقائد تحالف السودان الوطني، إلى إعلان حالة الطوارئ وفرض حظر تجول ليلي في 10 أبريل، بعد أن أسفرت اشتباكات فورو برنقا بين قبيلتي التاما والعرب عن مقتل أربعة وعشرين شخصاً وتشريد أربعة وعشرين ألفاً آخرين (ويكيبيديا العربية، معركة الجنينة). وفي 14 يونيو 2023، أسفر قصف من قوات الدعم السريع على حي الجمارك عن مقتل سبعة عشر مدنياً، من بينهم أقارب لسلطان دار مساليت، وكان من بين القتلى أمير دار مساليت طارق عبد الرحمن بحر الدين، إضافة إلى إصابة سبعة وثلاثين آخرين، وقد ندد الوالي خميس أبكر في اليوم السابق بالوضع واصفاً إياه بالإبادة الجماعية، ومنتقداً امتناع الجيش السوداني عن مغادرة قاعدته العسكرية لمساعدة المدنيين، بينما وصفت قوات الدعم السريع المعركة بأنها “صراع قبلي” فحسب (ويكيبيديا العربية، معركة الجنينة).

وفي 19 يونيو 2023 قُتل الأمير بدوي مصري بلحدين، ابن عم سلطان دار مساليت، على يد قوات الدعم السريع، وفي 15 يونيو تعرّض الوالي خميس أبكر نفسه للتعذيب، قبل أن يُغتال والده مُثّل بجسده، في واحدة من أبرز الوقائع التي استندت إليها لاحقاً محكمة مكافحة الإرهاب السودانية (ويكيبيديا العربية، معركة الجنينة؛ راديو دبنقا، 2026). وقد اكتمل هذا الهجوم الواسع، بحسب المحكمة السودانية، بحلول 22 يونيو 2023، حين بلغ عدد القتلى خمسة عشر ألف شخص وعدد النازحين سبعمئة وخمسين ألف لاجئ، وهو ما اعتبرته المحكمة دليلاً كافياً على تحقق ركن “الهجوم الواسع النطاق” قانونياً، مستندة إلى وقائع من بينها مجزرة حي الجمالك واستخدام قذائف الهاون، وسياسة تجويع ممنهجة ومنع علاج الجرحى، ودفن الجرحى أحياء وقتل جرحى السلاح الطبي، إضافة إلى كمائن طريق أدري والقتل الجماعي والاغتصاب والتعذيب والمعاملة المهينة، وقتل الأطفال الذكور أمام أمهاتهم بقصد منع الإنجاب الجديد للجماعة، وهو ما يرقى قانونياً إلى فعل من أفعال الإبادة الجماعية بحسب تكييف المحكمة (راديو دبنقا، 2026). وعلى إثر ذلك أصدرت محكمة مكافحة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة أحكاماً بالإعدام شنقاً غيابياً بحق قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو ونائبه عبد الرحيم، وأربعة عشر آخرين، من بينهم القوني، وعبد الرحمن جمعة، والتجاني كرشوم، وإدريس، وعبد المنعم الربيع، إضافة إلى عدد من القيادات الأهلية من بينهم عبد الرحمن مسار أصيل (راديو دبنقا، 2026).

وقد وثّق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن قوات الدعم السريع والميليشيات العربية المتحالفة معها قتلت لاحقاً، في نوفمبر 2023، مئات المدنيين الإضافيين من مجتمعات المساليت في بلدة أردماتا، فيما اعتُبر هذا ثاني هجوم جماعي بدوافع عرقية على المدنيين المساليت في غرب دارفور خلال أشهر قليلة فقط، بعد مقتل المئات من الرجال والنساء والأطفال المساليت بين مايو ويونيو من العام نفسه، بمن فيهم والي غرب دارفور خميس عبد الله أبكر نفسه (أخبار الأمم المتحدة، 2023). وبحسب تقديرات سلطنة دار مساليت، فقد قُتل أكثر من خمسة آلاف شخص وأُصيب نحو ثمانية آلاف آخرين في المدينة على يد قوات الدعم السريع والجنجويد بحلول 20 يونيو، فيما ذكر أحد زعماء قبيلة المساليت في 22 يوليو أن أكثر من عشرة آلاف شخص قُتلوا في غرب دارفور وحدها، وأن ثمانين بالمئة من سكان الجنينة قد فروا من منازلهم، فيما سُجلت مجازر مماثلة في مدن مجاورة مثل طويلة ومستيري، وعُثر على قبر جماعي في الجنينة يحتوي على جثث سبعة وثمانين شخصاً قُتلوا في الاشتباكات (ويكيبيديا العربية، جرائم الحرب خلال الحرب في السودان). وقد وثّق الأرشيف السوداني أيضاً حرق مراكز إيواء النازحين في الجنينة، ضمن سلسلة الفظائع الموثقة في المدينة خلال 2023 (Sudanese Archive, 2025). وفي بلدة مستيري تحديداً، هاجم مسلحون تابعون لقوات الدعم السريع البلدة بين 27 و28 مايو 2023 خلال معركة الجنينة، ما أسفر عن مقتل سبعة وتسعين مدنياً من قبيلة المساليت بعد اشتباكات قصيرة مع حزب التحالف الوطني السوداني ومجموعة من القبيلة، ودُمرت المدينة بالكامل نتيجة هذا النزاع، وذلك في تكرار لمذبحة سابقة نفذتها قوات الدعم السريع في البلدة نفسها عام 2020 أسفرت عن مقتل اثنين وأربعين من المساليت وثمانية عشر من المهاجمين (ويكيبيديا العربية، مجزرة مستيري). وقد وصف أحد الخبراء العاملين على توثيق هذه المجازر، في تحقيق نشرته صحيفة الغارديان البريطانية حول مذبحة أخرى وقعت لاحقاً في مخيم للنازحين بدارفور، أنه لم يصادف قط هذا الحجم من الفقد الذي عانى منه كل من تحدّث إليهم من الناجين، مؤكداً أن قوات الدعم السريع المتهمة أصلاً بارتكاب جرائم إبادة في دارفور خلال العقد الأول من الألفية استخدمت مستوى عنف صادماً حتى بمقاييس الصراع السوداني المستعر منذ أبريل 2023 (الجزيرة نت، 2025).

الفصل الثاني عشر: اقتصاد الحرب — الذهب والماشية والطرق والحدود والشبكات الدولية بوصفها الوقود الحقيقي لأمراء الحرب

لا يمكن فهم أمراء الحرب السودانيين من خلال الأسماء وحدها؛ فالقوة الحقيقية تأتي من الموارد التي يستطيع القائد تحويلها إلى مقاتلين وسلاح ونفوذ. وتكشف الأدلة أن الذهب والماشية ونهب الممتلكات والسيطرة على الأسواق وطرق التجارة والمعابر الحدودية والأراضي الزراعية والصمغ العربي والشبكات التجارية الإقليمية أصبحت كلها مكونات في اقتصاد الحرب (United Nations, 2025; Chatham House, 2025). وقد وثق فريق خبراء الأمم المتحدة استخدام الدعم السريع لشبكات لوجستية واقتصادية للحفاظ على عملياته، بما في ذلك استغلال الموارد والذهب والصمغ العربي، وربط ذلك بشبكات إقليمية ودولية، كما وثق الفريق امتداد الحرب إلى تشاد وليبيا وجنوب السودان، وتوظيف الحدود في التجنيد والنقل والإمداد (United Nations, 2025).

وبحسب تحليل دي وال، فإن ما يمنح حميدتي وأمثاله القدرة على المناورة هو تحكمهم المباشر في مصادر تمويل مستقلة عن خزينة الدولة، أبرزها تجارة الذهب والتحالفات الخليجية، وهو ما مكّن حميدتي من “شراء” ولاءات كافية لإخضاع منافسيه أو تحييدهم خلال المرحلة الانتقالية (de Waal, 2019). وقد وثّقت منظمة “ذا سنتري” الأمريكية للتحقيقات المالية، في سلسلة تقارير متعاقبة، ما وصفته بـ”المجمع الصناعي شبه العسكري” الذي بناه حميدتي وشبكته، والذي بدأ فعلياً حين أتاح دور قوات الدعم السريع كحرس حدودي للسودان فرصاً واسعة لتحصيل الإيرادات، قبل أن يشكل عام 2017 نقطة تحول حاسمة حين تولت قوات الدعم السريع الأمن حول مناجم ذهب جبل عامر في دارفور، وهو ما مكّن عائلة دقلو من فرض ضرائب على عمال التعدين التقليدي وتأسيس شركات لإعادة استغلال مخلفات الحفر السابقة (The Sentry, 2025). وانطلاقاً من هذه الأسس، نوّعت عائلة دقلو وقوات الدعم السريع استثماراتها، إذ أسس حميدتي مع شقيقه الأكبر عبد الرحيم دقلو شركة “الجنيد للأنشطة المتعددة” عام 2009، والتي تحولت تدريجياً إلى مجموعة تجارية واسعة شملت تعدين الذهب وتجارة الماشية والسياحة والمسالخ وقطاع الإنشاءات (The Sentry, 2025).

وبحسب تحليل نشره موقع “جيوبوليتيكال مونيتور” في مارس 2026، فقد تحولت جغرافيا استخراج الذهب لدى قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، إذ تراجعت أهمية مناجم جبل عامر في شمال دارفور، التي كانت يوماً حجر الزاوية في إمبراطورية حميدتي، بفعل الضربات الجوية المتكررة للقوات المسلحة السودانية، لتصبح مناجم سونغو في جنوب دارفور المنطقة الإنتاجية الرئيسية، حيث استأنفت شركة الجنيد للأنشطة المتعددة التابعة لعائلة دقلو عملياتها هناك بحلول أواخر عام 2025 (Geopolitical Monitor, 2026). ويوثّق مركز الأبحاث البريطاني “تشاتام هاوس” مباشرة ثلاثة أنماط تشغيلية تعتمدها قوات الدعم السريع في هذا القطاع: التعدين المباشر عبر شركة الجنيد، وفرض حماية إجبارية تُلزم عمال التعدين التقليدي بالتداول عبر قنوات الدعم السريع، وقيام وحدات فردية باستخراج الذهب وابتزاز العاملين فيه على نطاقات أصغر (Chatham House, 2025). ويصل هذا الذهب إلى الأسواق الدولية عبر شبكات غسل متعددة الدول تتخذ من دبي وجهتها الرئيسية، إذ يمر الطريق البري الرئيسي من جبل عامر عبر تشاد وصولاً إلى نجامينا، ثم عبر الجو إلى الإمارات العربية المتحدة (Geopolitical Monitor, 2026).

وتستند البنية المالية لقوات الدعم السريع إلى ما يقارب خمسين شركة أسسها حميدتي وإخوته قبل الحرب، تمتد شبكتها داخل الإمارات عبر كيانات فرضت عليها وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات في يناير 2025، فيما كشفت منظمة “ذا سنتري” عن محفظة عقارية في دبي مرتبطة بحميدتي تبلغ قيمتها 1.7 مليون دولار قرب قاعدة المنهد العسكرية الإماراتية (Geopolitical Monitor, 2026). وبحسب تقرير نشرته “ذا سنتري” في فبراير 2026، فقد اشترى حميدتي في مارس 2020 ثلاث شقق في ضواحي دبي الشرقية قرب قاعدة المنهد، بدأت مسجلة باسمه الشخصي قبل أن تُباع في يوليو 2022 لشركة “بروديجيوس” لإدارة الخدمات العقارية، وهي شركة إماراتية لم تُدرج على قوائم العقوبات الأمريكية رغم أن مالكها خاضع لعقوبات أمريكية فردية (The Sentry, 2026). وقد أوضح المحقق في “ذا سنتري” نك دونوفان أن هذا التقرير يمثل ثالث تحقيق تنشره المنظمة يوثّق روابط مالية وتشغيلية بين شبكة حميدتي وقوات الدعم السريع والإمارات العربية المتحدة، مؤكداً أن تحقيقات متعددة كشفت عن عمليات نقل أسلحة ودعم مرتزقة وتهريب ذهب تربط دولة الإمارات بالميليشيا، رغم نفي أبوظبي الرسمي لأي دعم تقدمه (The Sentry, 2026؛ Darfur24, 2026). وأضاف دونوفان أن الإمارات توفر لهذه الشبكة أنظمتها المالية وبنوكها وشبكاتها القانونية المؤسسية للسماح بتأسيس شركات أجنبية على أراضيها، استخدمتها قوات الدعم السريع على ما يبدو للقيام بعمليات شراء وتوريد وشراء الذهب المهرّب (Darfur24, 2026).

وقد وثّقت “ذا سنتري”، في تقرير منفصل نشرته مجلة “دبنقا” ومواقع إخبارية أفريقية أخرى في أكتوبر 2025، شبكة من أكثر من اثنتي عشرة شركة أسسها واجهات مرتبطة بقوات الدعم السريع في الإمارات، تتنوع بين محال المجوهرات وشركات التصميم الداخلي والاستشارات، مشيرة إلى أن سبعاً من هذه الشركات خاضعة بالفعل للعقوبات، بينما حددت النتائج الجديدة للتقرير خمسة رجال يقفون خلف كيانات إضافية في دبي، من بينهم مازن جمال الدين محمد فضل الله الذي اشترى، بحسب التقرير، نحو مئتي شاحنة تويوتا بيك أب عام 2019 لصالح قوات الدعم السريع لتحويلها إلى “تكنيكال”، وهي شاحنات مزودة برشاشات ثقيلة، إضافة إلى سيطرة فضل الله وشركائه على شركات تتاجر في الذهب وقطع غيار المركبات وحتى الخدمات المالية (Dabanga Radio TV Online, 2025؛ AllAfrica, 2025). وقد كشف التقرير أن حميدتي ادعى عام 2019 أنه أودع مليار دولار أمريكي لدى البنك المركزي السوداني، وهي أموال ترى “ذا سنتري” أنها جاءت من عمليات الدعم السريع التجارية المتوسعة، وأن أبوظبي رفضت في أغسطس 2025 الاتهامات الموجهة إليها وعلّقت رحلاتها الجوية إلى السودان (Dabanga Radio TV Online, 2025).

وبحسب مقارنة نشرها موقع “جيوبوليتيكال مونيتور”، فقد تعرّض ثلاثة من إخوة دقلو لعقوبات فردية منفصلة، فيما يشمل نظام العقوبات الأوروبي ثمانية عشر فرداً وثماني كيانات مرتبطة بالشبكة، ورفع السودان في مارس 2025 دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد الإمارات العربية المتحدة يتهمها فيها بالتواطؤ في جريمة الإبادة الجماعية (Geopolitical Monitor, 2026). وتشير التقديرات المقارنة إلى أن إيرادات قوات الدعم السريع المقدرة تضعها بين أغنى الجماعات المسلحة غير الحكومية في التاريخ، بما يوازي تنظيم داعش في ذروته بين عامي 2014 و2015، بل يتجاوز إيرادات تنظيمات مثل حزب الله (Geopolitical Monitor, 2026). وتؤكد منظمة “ساحة الأسلحة الصغيرة” في تقرير حديث تابع لمشروع “قاعدة بيانات الأمن الإنساني السوداني” أن أكثر من تسعة عشر شهراً من الحرب أفرزت تشظياً متزايداً في بنية القيادة والسيطرة داخل قوات الدعم السريع نفسها، بما يعكس تحول الاقتصاد السياسي لهذه القوة إلى شبكة من المصالح المتنافسة أكثر منه هرماً قيادياً موحداً (Small Arms Survey, 2025).

ويفسر الذهب بصورة خاصة قدرة بعض القادة على الاستمرار، فهو ليس فقط سلعة تباع لشراء السلاح؛ إنه أصل يمكن نقله عبر الحدود، ويمكن بيعه خارج النظام المصرفي، ويمكن استخدامه لتسديد رواتب المقاتلين أو شراء المركبات والوقود أو بناء شبكات حماية سياسية، ولذلك فإن السيطرة على مناطق الذهب تصبح جزءاً من السيطرة العسكرية. كما تلعب الماشية دوراً مختلفاً؛ ففي دارفور وكردفان ترتبط الماشية بمسارات الهجرة والرعي والمراعي والمياه، ولذلك فإن الحرب على الأرض قد تصبح حرباً على الموارد الرعوية، وعندما تدخل الميليشيا إلى هذا المجال، تتحول النزاعات المحلية حول الأرض والماء إلى وقود للصراع الوطني. أما الطرق والمعابر فهي بمثابة “ضرائب الحرب”؛ فمن يسيطر على طريق رئيسي يستطيع فرض إتاوات، ومن يسيطر على معبر حدودي يستطيع التحكم في حركة البضائع والأشخاص والسلاح، ولذلك فإن السيطرة على الفاشر أو الجنينة أو نيالا أو الضعين ليست مسألة رمزية فقط؛ إنها تمنح صاحبها موقعاً داخل شبكة اقتصادية إقليمية. وتضاف إلى ذلك شبكات المقاتلين الأجانب؛ فقد وثقت تقارير الأمم المتحدة وجود صلات عابرة للحدود بين الجماعات المسلحة في دارفور وليبيا وتشاد وجنوب السودان، كما تظهر تقارير حديثة وجود مرتزقة أجانب في الحرب، ويؤدي هذا إلى إضعاف قدرة الدولة السودانية على السيطرة على الحرب لأن جزءاً من دورة الموارد والمقاتلين يقع خارج الحدود. وتظهر في هذه الطبقة أسماء مثل محمد علي قريشي المرتبط بمجموعات تامازج، وأحمد آدم جوجا، وسعد محيل، وعبد الله حسينة، ومحمد خدام، إضافة إلى موسى أنجير. لكن ينبغي هنا الحذر الشديد من مساواة درجة المسؤولية أو حجم القوة بين هؤلاء؛ فبعضهم قادة فصائل صغيرة، وبعضهم قادة ميدانيون، وبعضهم شخصيات قبلية أو سياسية، وبعض المعلومات المتعلقة بالأسماء الأصغر أقل توثيقاً من المعلومات المتعلقة بالقادة المدرجين على قوائم العقوبات الدولية. كما ينبغي تصحيح أي انطباع بأن كل الأسماء الواردة في المصادر القديمة ما زالت تشغل الموقع نفسه في 2026؛ فالحرب السودانية تتسم بدرجة مرتفعة من الانشقاق وإعادة الاصطفاف، ولذلك يجب دائماً ربط اسم القائد بسنة ومكان ووضع تحالفي محدد.

الفصل الثالث عشر: من “أمير الحرب” إلى “الحاكم المسلح” — لماذا تتحول القوة العسكرية إلى سلطة سياسية واقتصادية؟

توضح الحالة السودانية أن أمير الحرب لا يبقى بالضرورة قائداً للمعارك، فقد ينتقل إلى السيطرة على السكان، ثم إلى تنظيم الأسواق، ثم إلى إنشاء أجهزة أمنية، ثم إلى التفاوض مع الدول والمنظمات، ثم إلى إنشاء حكومة أو مجلس سياسي، وهذه هي النقطة التي تصبح عندها الحرب الأهلية حرباً على شكل الدولة نفسها. وتوضح أدبيات حوكمة المتمردين أن الجماعة المسلحة عندما تسيطر على الأرض والسكان تبدأ في إنتاج قواعد للحياة اليومية، وقد تفرض الضرائب، وتدير العدالة، وتراقب الأسواق، وتوفر بعض الخدمات، أو تستخدم العنف لضمان الطاعة (Arjona, 2015; Kasfir, 2015). وهذه العملية واضحة بصورة متزايدة في مشروع السلطة الموازية المرتبط بالدعم السريع وحلفائه. ففي فبراير 2025 وقع الدعم السريع وحلفاؤه ميثاقاً لتأسيس حكومة موازية، ثم أعلنت السلطة الموازية في يوليو 2025 تشكيل مجلس رئاسي برئاسة حميدتي، وتعيين محمد حسن التعايشي رئيساً للوزراء، وضم الهادي إدريس والطاهر هجار إلى المجلس الرئاسي (Sudan Tribune, 2025).

وهذا التطور يمثل نقطة تحول في طبيعة الحرب؛ فالمنافسة لم تعد على “من يسيطر على الخرطوم؟” فقط، بل على “من يملك الحق في تمثيل السودان؟”. وفي المقابل، فإن وجود الحكومة الرسمية في بورتسودان ومؤسسات الدولة والجيش في مناطق واسعة يعني أن السودان أصبح أمام خطر نشوء شرعيتين سياسيتين مدعومتين بالسلاح. ولا ينبغي النظر إلى هذه السلطة الموازية باعتبارها مجرد واجهة سياسية للدعم السريع؛ فوجود عبد العزيز الحلو وحركات دارفورية وشخصيات سياسية ومدنية فيها يعطيها تركيباً أكثر تعقيداً، لكنه لا يلغي حقيقة أن القوة العسكرية للدعم السريع هي التي توفر الجزء الأكبر من القدرة المادية على حماية أي سلطة موازية.

الفصل الرابع عشر: التحليل النظري والدرس الاستراتيجي — لماذا لن تنتهي مشكلة أمراء الحرب بمجرد توقف الحرب؟

يمكن تفسير الحالة السودانية من خلال ستة أطر نظرية مترابطة. أولها سياسة أمراء الحرب، التي تفسر كيف يستطيع قائد مسلح أن يستخدم ضعف الدولة والشبكات الاقتصادية غير الرسمية لبناء سلطة مستقلة نسبياً (Reno, 1998)، وينطبق ذلك بصورة خاصة على الدعم السريع وشبكات الذهب والحدود والقبيلة. ثانيها حوكمة المتمردين، التي تفسر كيف تتحول الجماعة المسلحة من مقاتل إلى حاكم محلي، ثم إلى مشروع دولة موازية (Arjona, 2015; Kasfir, 2015). ثالثها اقتصاد الحرب، الذي يوضح أن الموارد لا تمول الحرب فقط؛ بل قد تصبح الحرب نفسها وسيلة للاستيلاء على الموارد، وعندما يصبح القائد أكثر ثراءً بسبب الحرب، يصبح لديه حافز أقل لإنهائها. رابعها تجزؤ قطاع الأمن؛ فقد أدى الاستخدام المتكرر للميليشيات في السودان إلى إنشاء طبقات متداخلة من القوة المسلحة، وهو ما يفسر وجود القوات المسلحة والدعم السريع والحركات المسلحة والمقاومة الشعبية والكتائب الإسلامية والميليشيات القبلية في الوقت نفسه (Africa Center for Strategic Studies, 2026). خامسها نظرية التحالفات المعاملاتية، وتظهر بصورة واضحة في حالات كيكل وسافنا والقبة؛ فالولاء قد يكون للقائد، أو للقبيلة، أو للمصلحة المحلية، أو لمن يوفر المال والسلاح والحماية، وليس دائماً للمؤسسة التي يحمل القائد شعارها. سادسها نظرية التفكك العسكري؛ فعندما تصبح القوات المسلحة عبارة عن شبكة من الوحدات ذات الولاءات المختلفة، فإن الانتصار العسكري قد يؤدي، على نحو متناقض ظاهرياً، إلى زيادة التفكك، إذ إن كل قائد ينشق عن الدعم السريع ويأتي إلى الجيش بقواته قد يضعف الدعم السريع، لكنه قد يزيد في الوقت نفسه عدد مراكز القوة داخل الجيش. وقد نبهت تحليلات حديثة إلى هذه المفارقة في حالات سافنا والقبة وكيكل (Al Jazeera, 2026).

ومن هنا فإن أفضل ممارسة في مرحلة ما بعد الحرب لا تتمثل في “دمج الجميع في الجيش”، وإنما في التمييز بين أربعة مسارات: الدمج الفردي للمقاتلين المؤهلين، وإعادة الإدماج المدني للمقاتلين غير المؤهلين للخدمة، والمحاسبة القضائية للقادة المتهمين بجرائم خطيرة، والتفكيك المالي والتنظيمي للشبكات التي تمول الحرب. وتؤكد الخبرة السودانية الحديثة أن مجرد انتقال قائد من الدعم السريع إلى الجيش لا ينبغي أن يمحو جرائمه السابقة؛ فقد طالبت هيومن رايتس ووتش صراحةً بإخضاع القادة المنشقين، بمن فيهم كيكل والقادة الذين انشقوا في 2026، للمحاسبة عن الجرائم التي ارتكبتها قواتهم أثناء وجودهم في الدعم السريع أو بعد انتقالهم إلى الجيش (Human Rights Watch, 2026)، وهذا يقود إلى المبدأ الأهم: الانشقاق العسكري ليس شهادة براءة سياسية أو جنائية.

أما الممارسة الأفضل في السودان فتبدأ بوقف إطلاق النار، لكنها لا تنتهي عنده. يجب أولاً إنشاء خريطة وطنية دقيقة للقوات والأسلحة والقيادات، وتسجيل كل قائد ومجموعة وسلسلة قيادة ومصدر تمويل وموقع انتشار. ثم يجب الفصل بين المقاتلين والقادة، بحيث لا يحصل القائد المتهم بجرائم جسيمة على حصانة مقابل تسليم قواته. بعد ذلك ينبغي تفكيك اقتصاد الحرب، بما يشمل السيطرة غير القانونية على الذهب والمعابر والماشية والشركات والأسواق والأراضي، ولا يمكن تحقيق ذلك من خلال العقوبات وحدها؛ بل يحتاج إلى إصلاح مصرفي، وشفافية في تجارة الذهب، ومراقبة الحدود، واسترداد الأصول، ومراجعة الشركات المرتبطة بالقادة العسكريين. ويجب أن تكون عملية إصلاح القطاع الأمني تحت سلطة مدنية، فالهدف ليس تحويل الدعم السريع إلى جيش جديد أو تحويل الميليشيات المتحالفة مع الجيش إلى وحدات نظامية تلقائياً، وإنما بناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، وقوات شرطة واحدة، وأجهزة أمن واستخبارات خاضعة للقانون والرقابة البرلمانية والقضائية. أما الحركات المسلحة، فيجب أن تتاح لقادتها مشاركة سياسية مدنية، لكن المشاركة السياسية لا ينبغي أن تكون مشروطة بامتلاك السلاح، وهذا هو الفارق بين دمج القائد في النظام السياسي وإدخال جيشه الخاص إلى الدولة. وتحتاج العدالة الانتقالية إلى تصميم يمنع العفو الشامل عن الجرائم الدولية، مع إمكانية استخدام برامج للعدالة المحلية والمصالحة المجتمعية في الجرائم الأقل خطورة، كما يجب أن تكون هناك آلية خاصة للتعامل مع جرائم دارفور، حيث تستمر اختصاصات وآليات الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية والتحقيقات الدولية ذات الصلة (United Nations Security Council, 2026).

وتظهر أهمية هذا الأمر في ظل استمرار العقوبات الدولية على عدد من القادة؛ ففي فبراير 2026 فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الفاتح عبد الله إدريس “أبو لولو”، وجيدو حمدان أحمد محمد، وتيجاني إبراهيم موسى، بسبب أدوارهم في حصار الفاشر والسيطرة عليها والانتهاكات التي صاحبت العمليات (U.S. Department of the Treasury, 2026)، كما أن العقوبات الأوروبية والأممية على جيدو حمدان أحمد تؤكد أن المسؤولية الدولية لم تعد تقتصر على حميدتي وعبد الرحيم دقلو، وإنما بدأت تمتد إلى القادة الميدانيين الذين توافرت ضدهم معلومات عن أدوار محددة في الانتهاكات (European Union, 2026).

ومن الناحية العملية، فإن السودان يحتاج إلى “سجل وطني لأمراء الحرب ومراكز القوة المسلحة” لا يكون هدفه الوصم السياسي، وإنما بناء قاعدة بيانات مهنية تتضمن الاسم الكامل، والأسماء المستعارة، والرتبة، والتنظيم، والمنطقة، والفترة الزمنية للقيادة، والحلفاء، ومصادر التمويل، ومواقع الانتشار، والانشقاقات، والعقوبات، والاتهامات، ونتيجة أي تحقيق أو محاكمة. ويمكن تحديث هذا السجل بصورة دورية لأن الحرب الحالية أثبتت أن الولاءات تتغير بسرعة. وتكمن الفائدة الكبرى في أن مثل هذا السجل يمنع أخطاء شائعة، منها اعتبار القائد القديم قائداً حالياً، أو اعتبار القائد السياسي قائداً عسكرياً، أو الخلط بين الميليشيا القبلية والحركة المسلحة، أو الخلط بين الاتهام والإدانة القضائية، أو نقل اسم عربي من لغة أجنبية بصورة خاطئة. ولهذا جرى في هذا النص تصحيح أسماء مثل “سافنا” بدلاً من “سفانا”، و”القبة” بدلاً من الصيغ غير الدقيقة، وجمعة هقار وفق موقعه الحديث المتحالف مع القوات المسلحة، وجيدو حمدان أحمد محمد مع التنبيه إلى اختلاف كتابة لقبه “أبو شوك/أبو ناشوك” في المصادر الدولية.

خاتمة نقدية: المشكلة السودانية ليست عدد أمراء الحرب بل النظام الذي يجعل أمير الحرب مربحاً وقابلاً لإعادة إنتاج نفسه

تكشف الخريطة الكاملة أن السودان لا يواجه جنرالين فقط، ولا حتى عشرة أو عشرين قائداً منفرداً؛ إنه يواجه منظومة تاريخية من القوة المسلحة تشكلت من تفاعل الدولة والجيش والميليشيات والقبيلة والحركات المسلحة والاقتصاد غير الرسمي والحدود الإقليمية، تراكمت عبر أربعة عقود من سياسات “خصخصة العنف” التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة نفسها، بدءاً من قوات الدفاع الشعبي في الثمانينيات، مروراً بالجنجويد بعد عام 2003، وصولاً إلى قوات الدعم السريع وحلفائها من الحركات المسلحة وكتائب الظل الإسلامية، وانتهاءً بتأسيس حكومة موازية كاملة الأركان في نيالا تضم في مجلسها الرئاسي زعماء أتوا من خلفيات متناقضة تاريخياً كحميدتي وعبد العزيز الحلو.

فالبرهان يمثل مركز الدولة العسكرية النظامية، بينما يمثل حميدتي أكثر نماذج أمير الحرب اكتمالاً من حيث الجمع بين القوة المسلحة والاقتصاد والشبكة القبلية والمشروع السياسي. وإلى جواره يوجد عبد الرحيم دقلو والقادة العملياتيون والإقليميون كأبو نشوك/جيدو أبو شوك، والنور القبة، وعثمان محمد حامد، وعلي يعقوب جبريل، وعبد الرحمن جمعة برك الله، والفاتح عبد الله إدريس “أبو لولو”، وتيجاني إبراهيم موسى “الزير سالم”، بينما تمثل حالات كيكل وسافنا والقبة مثالاً على قابلية الولاءات المسلحة للتحول. وفي المعسكر الآخر توجد قيادة القوات المسلحة النظامية ممثلة بياسر العطا وشمس الدين كباشي وإبراهيم جابر والطاهر محمد العوض الأمين، لكنها لا تعمل وحدها؛ فهي محاطة بقوات الحركات الدارفورية، ودرع السودان، والمقاومة الشعبية، والمستنفرين، ولواء البراء بن مالك، وشبكات قبلية ومحلية كموسى هلال والإدارة الأهلية. كما أن حركات دارفور نفسها ليست كتلة واحدة: مناوي وجبريل وتمبور اصطفوا مع الجيش، بينما انضم الهادي إدريس وسليمان صندل والطاهر هجار بدرجات مختلفة إلى المشروع السياسي والعسكري المناهض للجيش، بينما حافظت مجموعات أخرى كحركة عبد الواحد نور على الحياد أو غيرت موقفها خلال الحرب، تماماً كما انقسمت الحركة الشعبية – شمال بين مسار الحلو الذي انضم إلى السلطة الموازية ومسار عقار الذي بقي في مؤسسات الدولة الرسمية.

وما يوحّد هذه الزعامات المتنوعة إثنياً وأيديولوجياً وجغرافياً هو منطق واحد يمكن تسميته بدقة: تحويل السيطرة على وسائل العنف إلى رأسمال سياسي واقتصادي قابل للمساومة والبيع وإعادة التوظيف بحسب موازين القوى اللحظية، سواء اتخذ ذلك شكل الانحياز الصريح، أو الحياد الاستراتيجي، أو الانتقال من ضفة إلى أخرى، أو التصعيد إلى حد الإبادة الموثقة قضائياً كما جرى في الجنينة والفاشر. وتكشف الحالة الأكثر أهمية، وهي حالة الانشقاقات، أن الانتصار على الدعم السريع لا يعني تلقائياً بناء دولة مستقرة؛ فإذا انضم القائد المنشق إلى الجيش مع رجاله ومركباته وشبكاته الاقتصادية، فقد يكون قد ساعد على إضعاف خصمه، لكنه قد يكون في الوقت نفسه نقل مشكلة “تعدد مراكز القوة” إلى داخل المؤسسة التي يفترض أن تحتكر السلاح.

وبالنظر النقدي إلى هذه الظاهرة، لا بد من الإقرار بأن أياً من أطراف الصراع لا يخلو من مسؤولية في إعادة إنتاج هذا النمط، فمؤسسة الجيش نفسها التي تصف نفسها بأنها الممثل الشرعي للدولة استعانت هي الأخرى بكتائب شبه نظامية لا تختلف من الناحية البنيوية عن الميليشيات التي تحارب باسمها، وهو ما يؤكد أطروحة دي وال بأن “السوق السياسي” لا يعرف طرفاً نقياً من هذا المنطق، بل يفرض قواعده على جميع الفاعلين بلا استثناء. كما تكشف حالتا موسى هلال وعبد العزيز الحلو أن الانتماء الأيديولوجي أو التاريخي، مهما بدا راسخاً، يظل قابلاً للانقلاب الكامل حين تتغير حسابات المصلحة الآنية، وهو درس واقعي بالغ الأهمية لأي وسيط دولي أو إقليمي يراهن على ثبات تحالف بعينه.

لذلك فإن السؤال الاستراتيجي ليس فقط: من ينتصر في الحرب؟ بل: ماذا يحدث للقوة المسلحة التي تراكمت أثناء الحرب بعد الانتصار؟ إذا أعيد توزيع الرتب والمناصب على القادة المسلحين من دون تفكيك قواعدهم الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، فإن السودان قد ينتقل من “حرب أمراء الحرب” إلى “دولة أمراء الحرب”. وإذا جرى دمج المقاتلين جماعياً داخل الجيش دون تدقيق، فقد يتحول الجيش نفسه إلى ائتلاف من شبكات مسلحة. وإذا مُنحت الحصانة للقادة مقابل الانشقاق، فقد يصبح ارتكاب الانتهاكات ثم تغيير الولاء استراتيجية عقلانية للحصول على الحماية.

وتبقى الدروس القابلة للتطبيق الفعلي في أي مسار تفاوضي مستقبلي للسودان محددة وواضحة: أولاً، وقف إطلاق النار وحماية المدنيين وتسجيل القوات، مع الفصل الصارم بين المقاتلين والقادة والمحاسبة الفردية عن الجرائم الجسيمة، بما يستبعد اعتبار الانشقاق العسكري شهادة براءة سياسية أو جنائية. ثانياً، إخضاع أي اتفاق سياسي لآلية مراقبة مالية صارمة تستهدف تفكيك شبكات التمويل الموازي، وبخاصة تجارة الذهب وشبكات الشركات الواجهة في الخليج، إلى جانب نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وإصلاح القطاع الأمني تحت سلطة مدنية كاملة، وإعادة تنظيم ملكية الشركات العسكرية وضبط تجارة الذهب. ثالثاً، معالجة ملف المساءلة القانونية بوصفه جزءاً لا يتجزأ من أي تسوية لا ملفاً منفصلاً يُؤجَّل إلى ما بعد السلام، كما تُظهر تجربة الإفلات شبه الكامل من العقاب التي استمرت عقدين كاملين قبل إدانة كوشيب الأولى، مع تصميم للعدالة الانتقالية يمنع العفو الشامل عن الجرائم الدولية. رابعاً، إشراك الزعامات المحلية والإقليمية، كعبد الواحد نور والحركات الأصغر غير المصطفة، في أي تصور مستقبلي للحكم اللامركزي وإصلاح الإدارة المحلية وتسوية قضايا الأرض والموارد، بدلاً من اختزال التفاوض في قيادتين مركزيتين متصارعتين لا تمثلان فعلياً سوى جزء من خريطة العنف المسلح في البلاد، مع إتاحة مشاركة سياسية مدنية لقادة الحركات المسلحة غير مشروطة بامتلاك السلاح.

والنتيجة النهائية التي تقدمها خريطة أمراء الحرب هي أن السلام السوداني لا يمكن أن يكون مجرد اتفاق بين البرهان وحميدتي، لأن الحرب لم تعد مملوكة بالكامل لهما؛ لقد أصبح لها قادة إقليميون وميدانيون، وحركات مسلحة، وقوات قبلية، وكتائب أيديولوجية، وشبكات اقتصادية، وطرق إمداد خارجية، ومصالح مرتبطة بالذهب والأرض والماشية والمعابر. ولذلك فإن السلام الحقيقي يجب أن يفكك النظام الذي يجعل امتلاك السلاح طريقاً إلى الثروة والسلطة والحماية. إن بناء سودان مستقر يتطلب الانتقال من تعدد الجيوش إلى جيش وطني واحد، ومن اقتصاد الحرب إلى اقتصاد مدني، ومن سلطة القائد المسلح إلى سلطة القانون، ومن شرعية القوة إلى شرعية المؤسسات. وما لم يتحقق هذا التحول، فإن انتهاء معركة أو سقوط مدينة أو انشقاق قائد لن يكون سوى مرحلة جديدة في دورة أطول من إعادة إنتاج أمراء الحرب.

قائمة المراجع

المراجع العربية

  1. أخبار الأمم المتحدة. دارفور – المحكمة الجنائية الدولية تدين علي كوشيب بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. 2025 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  2. أخبار الأمم المتحدة. مكتب حقوق الإنسان: تقارير عن ستة أيام من الرعب شهدتها مجتمعات المساليت في دارفور. 2023 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  3. الاستقلال (صحيفة). أذرع الدعم السريع.. من هم جنرالات حميدتي في السودان؟ (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  4. الاستقلال (صحيفة). كتيبة “البراء بن مالك”.. لماذا تركت السلاح في مواجهة “الدعم السريع” بالسودان؟ (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  5. الاستقلال (صحيفة). “يخشاه حميدتي”.. ماذا وراء عودة موسى هلال للمشهد السوداني المعقد؟ 2024 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  6. الأحداث نيوز. أفواج من قوات كيكل تنضم للجيش بالنيل الأزرق. 2026 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  7. الأناضول (وكالة). السودان.. 3 قادة في “الدعم السريع” تحت طائلة العقوبات الأمريكية (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  8. ألترا سودان. تصريحات ميدانية لقائد “درع السودان” من جبهات القتال. 2026 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  9. ألترا سودان. حركات مسلحة بدارفور تعلن مشاركتها في القتال ضد الدعم السريع. 2023 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  10. ألترا سودان. الجيش يعزز قواته بالنيل الأزرق وكيكل يتوعد بإنهاء الدعم السريع قبل موسم الأمطار. 2026 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  11. الجزيرة نت. أبرز قيادات قوات الدعم السريع في السودان. 2025 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  12. الجزيرة نت. “ذبحونا كالحيوانات”.. تحقيق يكشف مجزرة مروعة بمخيم للنازحين في دارفور. 2025 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  13. الجزيرة نت. الجزيرة نت تكشف تفاصيل محاولة اغتيال أبو عاقلة كيكل قائد قوات درع السودان. 2025 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  14. الجزيرة نت. الجنائية الدولية: السجن 20 عاما بحق علي كوشيب أحد أكبر قادة “الجنجويد”. 2025 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  15. الجزيرة نت. عبد العزيز آدم الحلو رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال. 2025 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  16. الجزيرة نت. موسى هلال.. زعيم قبيلة المحاميد في إقليم دارفور. 2024 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  17. الحرة. شمال دارفور.. هل تعيد المعارك مع “الدعم السريع” شبح الحرب الأهلية؟ 2024 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  18. الراكوبة (صحيفة). انحياز جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي للجيش يثير أزمة داخل حركات دارفور. 2023 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  19. الراكوبة (صحيفة). لواء البراء بن مالك.. كيف عادت كتائب الدفاع الشعبي إلى واجهة الصراع في السودان؟ 2025 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  20. الشرق الأوسط (صحيفة). موسى هلال في الأسر «كوميديا سوداء» أم نهاية أسطورة؟ 2017 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  21. الشرق الأوسط (صحيفة). السودان: حكومة «تأسيس» الموازية تحتج على استبعادها من مشاورات أديس أبابا. 2025 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  22. الشرق (أسبوعية). السودان.. إدانة “كوشيب” تضع مساعدي البشير على رادار “الجنائية الدولية”. 2025 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  23. العربي الجديد. جبريل إبراهيم وأركو ميناوي… أعوام من إدمان الانقلابات والمناوشات. 2021 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  24. العربي الجديد. حكومة “الدعم السريع” الموازية تعيّن 3 وزراء. 2025 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  25. العربي (التلفزيون). “كتيبة البراء بن مالك”.. تحقيق لـ”العربي” يكشف قصتها ودورها بأحداث السودان. 2023 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  26. حركة/جيش تحرير السودان (Sudan Liberation Movement/Army). رئيس حركة تحرير السودان عبد الواحد نور يدعو لتشكيل جبهة مدنية قومية قوية. 2024 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  27. راديو دبنقا (Dabanga Radio TV). أحكام بالإعدام في مواجهة حميدتي و15 آخرين في قضية أحداث الجنينة. 2026 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  28. راديو دبنقا (Dabanga Radio TV). التعايشي رئيسا لوزراء حكومة تأسيس وتشكيل مجلس رئاسي برئاسة حميدتي. 2025 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  29. راديو دبنقا (Dabanga Radio TV). عبد الواحد: اتخذنا موقف الحياد ليس خوفاً. 2024 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  30. راديو دبنقا (Dabanga Radio TV). عبد الواحد يطلق مبادرة لخروج جميع أطراف الحرب من مدينة الفاشر. 2024 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  31. سودا راي. جبل مرة تحت الضغط.. وخيار صعب أمام حركة عبدالواحد محمد نور. 2025 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  32. سودافاكس. تصريحات جديدة لكيكل من الدمازين. 2026 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  33. سودانايل. حكومة الأمل في بورتسودان وحكومة تأسيس في نيالا. 2025 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  34. سودانايل. عبد العزيز الحلو: كيف كبدنا خذلان الحركة الشعبية له في اتفاقية السلام الشامل (2005). 2026 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  35. سودانس بوست. الجنائية الدولية تطلب معلومات عن مكان البشير وهارون وعبد الرحيم حسين. 2026 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  36. سكاي نيوز عربية. دارفور.. حركات مسلحة تنضم للدعم السريع وقادتها يؤيدون الجيش (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  37. فرانس 24. المحكمة الجنائية الدولية تصدر مذكرة اعتقال بحق وزير الدفاع السوداني. 2012 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  38. مركز التقدم للسياسات (Progress Center for Policies). انقسام القوة المشتركة للحركات المسلحة في دارفور. 2024 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  39. متابعات دارفور (Darfur Followups). حرب السودان: حركات مسلحة تتخلى عن «الحياد» وتؤجج الحرب. 2024 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  40. مجلة المجلة. اجتياح الفاشر في دارفور.. الأسباب والمخاطر. 2024 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  41. تاق برس. تقرير أممي يكشف أسماء قادة في الدعم السريع ودورهم بالهجوم على الفاشر (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  42. نون بوست. بعد تحركاته الأخيرة.. هل اقترب زعيم الجنجويد السابق من تصفية خلافاته مع حميدتي؟ 2024 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  43. هيومن رايتس ووتش. “المحكمة الجنائية الدولية”: اعتقال فارّ سوداني. 2020 (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  44. ويكيبيديا (النسخة العربية). تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في دارفور (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  45. ويكيبيديا (النسخة العربية). جرائم الحرب خلال الحرب في السودان (2023-الآن) (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  46. ويكيبيديا (النسخة العربية). حركة تحرير السودان (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  47. ويكيبيديا (النسخة العربية). عبد العزيز الحلو (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  48. ويكيبيديا (النسخة العربية). قوات الدعم السريع (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  49. ويكيبيديا (النسخة العربية). كتيبة البراء بن مالك (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  50. ويكيبيديا (النسخة العربية). معركة الجنينة (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  51. ويكيبيديا (النسخة العربية). مجزرة مستيري (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).
  52. ويكيبيديا (النسخة العربية). موسى هلال (تاريخ الاطلاع: سبتمبر 2026).

English References

  1. Africa Center for Strategic Studies. Mapping the Armed Actors in the Sudan Conflict. Washington, DC: Africa Center for Strategic Studies; 2026 (accessed September 14, 2026).
  2. Al Jazeera. The RSF’s defeat will not end Sudan’s war but merely fragment it. Doha: Al Jazeera; 2026 (accessed September 14, 2026).
  3. AllAfrica.com. Sudan: New Report Alleges ‘RSF Conflict Gold Links to UAE Firm’. 2025 (accessed: September 2026).
  4. Arjona A. Civilian resistance to rebel governance. In: Arjona A, Kasfir N, Mampilly Z, editors. Rebel Governance in Civil War. Cambridge: Cambridge University Press; 2015 (accessed September 14, 2026).
  5. Chatham House. Gold and the war in Sudan. London: Royal Institute of International Affairs; 2025 (accessed September 14, 2026).
  6. Dabanga Radio TV Online. New report alleges ‘RSF conflict gold links to UAE firm’. 2025 (accessed: September 2026).
  7. Darfur24 News Website. RSF Leader Hemedti linked to Property Portfolio in UAE, The Sentry. 2026 (accessed: September 2026).
  8. de Waal A. The Real Politics of the Horn of Africa: Money, War and the Business of Power. Cambridge: Polity Press; 2015.
  9. de Waal A. Sudan’s political marketplace and prospect for democracy. Africa at LSE blog; 2019 (accessed: September 2026).
  10. de Waal A. Sudan: A Political Marketplace Framework Analysis. Boston: World Peace Foundation (accessed: September 2026).
  11. de Waal A. The Revolution No One Wanted: War in Khartoum. London Review of Books; 2023 (accessed: September 2026).
  12. European Union. Council sanctions seven individuals in view of the dramatic escalation of violence in Sudan. Brussels: Council of the European Union; 2026 (accessed September 14, 2026).
  13. European Union Agency for Asylum. Sudan: Security Situation. Valletta: European Union Agency for Asylum; 2025 (accessed September 14, 2026).
  14. European Union Agency for Asylum. Sudan: Country Guidance. Valletta: European Union Agency for Asylum; 2025 (accessed September 14, 2026).
  15. Flint J. Beyond ‘Janjaweed’: Understanding the Militias of Darfur. Geneva: Small Arms Survey, HSBA Working Paper 17; 2009 (accessed: September 2026).
  16. Geopolitical Monitor. Warlord’s Portfolio: Mapping the RSF Economy from Darfur to Dubai. 2026 (accessed: September 2026).
  17. Global Security. Sudan – Popular Defense Forces (PDF) (accessed: September 2026).
  18. Human Rights Watch. Sudan: Armed Group Allied to the Military Attacks Village. New York: Human Rights Watch; 2025 (accessed September 14, 2026).
  19. Human Rights Watch. Sudan: Hold Defecting Armed Group Commanders to Account. Nairobi: Human Rights Watch; 2026 (accessed September 14, 2026).
  20. Kasfir N. Rebel governance: constructing a field of inquiry—definitions, scope, patterns, order, causes. In: Arjona A, Kasfir N, Mampilly Z, editors. Rebel Governance in Civil War. Cambridge: Cambridge University Press; 2015. p.21-46 (accessed September 14, 2026).
  21. LSE Review of Books / Africa at LSE. Book Review: Alex de Waal, the Real Politics of the Horn of Africa. 2016 (accessed: September 2026).
  22. Reno W. Warlord Politics and African States. Boulder: Lynne Rienner Publishers; 1998.
  23. Reuters. Anger mounts as Sudan’s army takes in Darfur paramilitary defectors. London: Reuters; 2026 (accessed September 14, 2026).
  24. Small Arms Survey. Darfur [taxonomy page] (accessed: September 2026).
  25. Small Arms Survey. HSBA Archive – Sudan (accessed: September 2026).
  26. Streamline Feed. Sudan RSF Leaders Amass KES 3.1 Billion Dubai Property Portfolio. 2026 (accessed: September 2026).
  27. Sudan Tribune. Sudan’s RSF, allies sign charter for parallel government. Nairobi: Sudan Tribune; 2025 (accessed September 14, 2026).
  28. Sudan Tribune. Sudan parallel authority names former official as prime minister. Nyala: Sudan Tribune; 2025 (accessed September 14, 2026).
  29. Sudan Tribune. Senior RSF commander in North Darfur defects to the Sudanese army. Khartoum: Sudan Tribune; 2026 (accessed September 14, 2026).
  30. Sudan Tribune. Dissident RSF commander Savannah arrives in Khartoum. Khartoum: Sudan Tribune; 2026 (accessed September 14, 2026).
  31. Sudan War Monitor. Army offensive in Sudan seeks to reopen major highway. Sudan War Monitor; 2026 (accessed September 14, 2026).
  32. Sudanese Archive. The Burning of Displaced Persons’ Shelter Centers in El Geneina. Sudanese Archive; 2025 (accessed September 14, 2026).
  33. The Sentry. New Investigation Links Sudan’s RSF Leader to Property Holdings in the UAE. 2026 (accessed: September 2026).
  34. The Sentry. The RSF’s Business Network in the UAE. 2025 (accessed: September 2026).
  35. United Nations. Final report of the Panel of Experts on the Sudan. S/2025/239. New York: United Nations Security Council; 2025 (accessed September 14, 2026).
  36. United Nations Security Council. Work and mandate of the Panel of Experts on the Sudan. New York: United Nations; 2026 (accessed September 14, 2026).
  37. U.S. Department of the Treasury. Treasury Sanctions Sudanese Rapid Support Forces Commanders Expanding War. Washington, DC: U.S. Department of the Treasury; 2024 (accessed September 14, 2026).
  38. U.S. Department of the Treasury. Treasury Sanctions Sudanese Commander Involved in Human Rights Abuses in West Darfur. Washington, DC: U.S. Department of the Treasury; 2024 (accessed September 14, 2026).
  39. U.S. Department of the Treasury. Treasury Sanctions Sudanese Paramilitary Commanders for Atrocities in El-Fasher. Washington, DC: U.S. Department of the Treasury; 2026 (accessed September 14, 2026).
  40. Wikipedia (English edition). Rapid Support Forces (accessed: September 2026).
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
مسرح البرهان وجمهوره
منبر الرأي
وانتهي ملتقى الاعلام … ماذا بعد؟
منبر الرأي
خطب الجمعة فى السودان ما بين أجندة النظام والسياسة ..!! بقلم :- إسماعيل احمد محمد (فركش)
منبر الرأي
بل هي إسلاميات سيدتي الوزيرة انتصار صغيرون .. بقلم: د. قاسم نسيم حماد حربة
اجتماعيات
بيان تعزية من حركة /جيش تحرير السودان المتحدة

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

نظرات في مقدمة د. شوقي بشير الناقدة للفكرة الجمهورية! (1) .. بقلم: عيسى إبراهيم *

طارق الجزولي
منبر الرأي

تطش مووف تووك مووف!! .. بقلم: نور الدين عثمان

نور الدين عثمان
منبر الرأي

أماكن وأشخاص! .. بقلم: محمد التجاني عمر قش

طارق الجزولي
منبر الرأي

الاستاذة فوزيه عبدالغنى فى الفردوس الاعلى .. بقلم: الطيب السلاوي

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss