خطر الفتنة بالشاعر المتنبي .. بقلم: الريح عبد القادر محمد عثمان
يعرف معظمنا المتنبي ويحفظون شعره ويرددونه. وأكثر من يعرفون المتنبي لا شك قد سمعوا بكافور الإخشيدي. لكنهم، للأسف، قد لا يعرفون عنه إلا هجاء المتنبي له. قلة فقط يعرفون أن أبا المسك، و”أبا كل طِيب” – على حد وصف المتنبي له- (كان شهمًا شجاعًا، ذكيًّا، جيِّدَ السيرة، مدَحَه الشعراء)، كما قال عنه ابن ُ كثير في تاريخه؛ ولكن الأهم أن الأستاذ – كما كان يلقب أيضاً- ما فتئ يقدم لنا، منذ ما يربو على الألف عام، مثالاً فريداً في تفضيل مصلحة الأمة على مصلحة الفرد والمجد الشخصي؛ مثالاً في الطموح والصبر والجلد؛ وفي الإنسانية والتسامح والمحبة؛ وفي تجاوز عُقد اللون والأصل والمركز؛ وفي السمو فوق الإهانات والتفاهات، بلا حقد ولا ضغينة؛ ومثالاً في عدم الاكتراث أبداً إلا لما ينفع الإنسان في دنياه، وهو عمله، وإلا لما ينفعه في آخرته، وهو كذلك عمله. لم يكن كافور شاعراً ولا كاتبا. لكنه قال مقالة أبلغ من الشعر، هي عندي أفضل من ديوان المتنبي كله، فحواها: ما الأبيض وما الأسود! وما الحر وما العبد! وما الخلق! كلنا لا شيء؛ كلنا متلاشون.
نعم، جاء الأستاذ أبو المسك كافور الإخشيدي من بلاد السودان؛ وقدَّم، قبل ألف عام من الآن، أفضل مثال في التعامل الإيجابي مع ما يسمى بعقدة اللون والدونية العرقية المزعومة. فحتى يومنا هذا، ما فتئ كافور يقدّم لنا الدواء الشافي للمتعقِّدين بلونهم، الذين يرون أن لهم فضلاً بلونهم، مثلما يقدم الدواء الشافي للمتعقدين من لونهم، الذين يحسون بالعار والدونية بسبب لونهم. فإذا كان المتنبي قد وصم كافوراً بالعبودية وبالسواد، فإن ذلك لم يمس شعرة منه، ولم يهزه، ولم يملأ قلبه بالحقد، لأنه كان يدرك الحقيقة النهائية: نحن كلنا جميعاً، على اختلاف ألواننا وأشكالنا ولغاتنا، عبيد متلاشون، ولن يبق منا، في خاتمة المطاف، إلا عمل صالح يدخلنا الجنة أو عمل طالح يوردنا العذاب. لقد قال الأستاذ أبو المسك كلاماً كالمسك في هذا المعنى يشكل مدرسة في الإنسانية، لم يتعلم المتنبي، للأسف، حرفاً واحداً فيها، مدرسة ملخص شعارها: ما الأبيض وما الأسود؟ وما الحر وما العبد؟ وما الخلق؟ كلنا متلاشون!
عُرف كافور الإخشيدي بالزهد والورع والخشوع، وكان يهتم بالفقراء والمحتاجين، خاصة أولئك الذين يمنعهم حياؤهم وعزة نفوسهم من ذل السؤال. وفي هذا الصدد يَحكي أبو بكر المحلي قصة تكشف لنا جانباً لعله الأهم في شخصية كافور. قال المحلي أنه كان من عادة كافور أن يرسله ببغلٍ محملٍ بصُرر الدنانير في ليلة عيد الأضحى ليسلمها إلى المحتاجين. فكان يطوف من بعد صلاة العشاء إلى آخر الليل بالعطايا على منازل الناس رجالاً ونساء كل حسب ما حُدد له في قائمة كان يحملها. فلما كان أحد الأعياد أضاف كافور إلى القائمة اسم الشيخ أبي عبد الله بن جابار الصوفي الزاهد. ذهب المحلي إلى ابن جابار ودق عليه الباب وقال له: “الأستاذ أبو المسك كافور يقرؤك السلام، وقد أنفذ معي هذه الصرة لك لتصرفها في مؤونة هذا العيد المبارك”. فقال ابن جابار: “نحن رعيته ونحبه في الله ولا نريد علة لحبه”، أي لا نريد جزاءً ولا مصلحة ولا سبباً لنحبه من أجله. وحاول المحلي مراجعته، لكن ابن جابار أصر على رفض الهدية. ولما رجع المحلي إلى كافور وأخبره بشأن ابن جابار، قال له كافور: “نعم، هو بذلك جدير، لكن عُد إليه، وخذ دابة أخرى من دواب النوبة، فقد نال التعب من دابتك، واطرق بابه، فإذا أطل عليك فاستفتح بقراءة أوائل سورة طه:
لا توجد تعليقات
