خواطر أمريكية (2): ما أشبه الليلة بالبارحة، وأول البارحة … بقلم: عوض محمد الحسن

aelhassan@gmail.com
تذكرتُ، وأنا أتابع (سيرك) الإنتخابات الرئاسية الأمريكية (وقد أكرمني ربّ العزة بمتابعة سيرك انتخابات الرئاسة السودانية قبل عام)، شيئين، أولهما ما كنت قد كتبته في مقال قبل نحو أربعة أعوام عن انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2012، في محاولة لفهم هذه البلاد العجيبة. وقد رأيت أن أنقل طرفا من ذلك المقال للتدليل على صحة مقولة “ما أشبه الليلة بالبارحة” – عنوان مقال اليوم – رغم وجوب إضافة تعديل هام لهذه المقولة لتكون أصدق في وصف الواقع: “كل عام ترذلون!” قبل أربعة أعوام كان مرشح الحزب الجمهوري ضد أوباما هو مِت رومني، وهو، رغم بؤسه، “فاتن حمامة”، مقارنة بدونالد ترمب، مرشح هذه المرة!
يقول المقال القديم:
“كلما حان أجل انتخابات الرئاسة الأمريكية (وما أكثر الانتخابات في ذلك البلد)، تذكرت ما كنت أقوله لأصدقائي الأمريكيين في السبعينيات من القرن الماضي: انتخابات الرئاسة الأمريكية في الولايات المتحدة أمر أخطر وأهم من أن يُترك للامريكيين وحدهم ليُقرروا فيه! أقولها مازحا وكلي جديّة، فقرارات الرئيس الأمريكي تمس مباشرة حياة مئات الملايين من سكان العالم، ليس فقط في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي فرص التنمية والعمالة، وفي العادات الغذائية ووسائل الترفيه، بل حتى في مسائل الحياة والموت.
والحق يُقال أن قرارات الرئيس الأمريكي قد تؤثر على باقي سكان العالم أكثر مما تؤثر على الأمريكيين. فقرارات الرئيس بشأن الحرب والسلام لا تقتل المدنيين الأمريكان، ولا تُدمر مدنهم وقراهم، ولا تحرق حقولهم وغاباتهم، ولا تُسمم أجواءهم ومياههم، ولا تُحيلهم نازحين داخل بلادهم، أو لاجئين يعيشون عبر الحدود على صدقات الغُرباء. وقد يقول قائل إن قرارات الحرب والسلام تتنزل موتا ودمارا على الآخرين، وتنزل خيرا وبركة وازدهارا على الاقتصاد الأمريكي. والحروب الأمريكية دائما تتم في بقاع بعيدة يعجز الأمريكي (حتى السياسي بينهم) من تحديد موقعها على خريطة العالم!
ما يدفعني للمطالبة بمشاركتنا جميعا (نحن سكان باقي العالم) في انتخابات الرئاسة الأمريكية هو ما أراه من انصراف وعزوف لدى الأمريكيين عن المشاركة في هذه الانتخابات. لم تتجاوز نسبة المشاركة منذ انتخابات عام 1968 الستين بالمائة، وقد تدنت في بعض الأحيان لتصل إلى 49% من الناخبين المُسجلين كما حدث في انتخابات عام 2000. وقد تمت انتخابات 1968 في أحلك الظروف وحرب فيتنام قد كادت أن تفتق النسيج الاجتماعي الأمريكي، ورغم ذلك لم يعبأ 40% من الأمريكيين باسماع صوتهم والبلاد على مشارف ما يشبه الحرب الأهلية.
ما يدفعني أيضا لمثل هذا الاقتراح أيضا ما أراه من بؤس في اختيارات الامريكيين لرؤسائهم. اختار الأمريكان ممثلا فاشلا للرئاسة مرتين في عامي 1980 و1984، نام معظم فترة بقائه في البيت الأبيض أكثر مما استيقظ رغم أن المواجهة بين الغرب والشرق كانت تهدد العالم، والحروب بالوكالة تحصد شعوبا لا يعرف ريجان أين تقع بلادها. ثم اختار الأمريكان في عامي 2000 و2004 رئيسا عييّا لم يقرأ كتابا منذ أن ترك المدرسة.
تستعر الحملة الانتخابية هذه الأيام بعد انعقاد مؤتمري الحزبين الكبيرين، وهي مؤتمرات مثل الكرنفالات؛ البالونات الملونة فيها أكثر من الأفكار والبرامج المفصلة والاحصاءات، يُتابعها البعض كما يُتابعون مباريات فرقهم المفضلة، ويتجاهلها السواد الأعظم لينشغل بما هو أدنى وخير لهم. في الذكرى الخامسة والثلاثين لوفاة المُغني الأمريكي الشهير الفيس بريسلي، تجمع (كما يحدث في السادس عشر من أغسطس كل عام) نحو 75ألفا من المحبين حول داره وضريحه في (قريسلاند) في ممفيس بولاية تنسي الامريكية، بينما يطوف الرئيس أوباما ومنافسه الجمهوري مت رومني ولايات امريكا ومدنها وقراها ومدارسها ومصانعها، ولا يأتي لسماعهم ربع العدد الذي تحلق حول دار الفيس بريسلي بعد مضي 35 عاما على موته!
أتساءل دائما، وعند كل انتخابات أمريكية، كيف تنتج الولايات المتحدة، بتقدمها التقني والعلمي المُذهل، ومعاهد تعليمها الممتازة، واستنارتها التي لا تُخطئها عين، طبقة سياسية تُسيرها إعلانات التلفزيون المُثيرة، والشعارات الانتخابية المسطحة، والغمز واللمز الرخيص. أدرك تماما تعقيدات النظام الانتخابي المعتمد على المال، وجماعات الضغط والمصالح، وخبراء العلاقات العامة الذين يُجيدون الضرب تحت الحزام. غير أن كل هذا لا يمنعني من المضي قُدما في اقتراحي بمشاركتنا جميعا في الانتخابات الأمريكية، عسى أن يأتينا من يرعى مصالح العالم (ومصالح أمريكا الحقيقية) قبل مصالح القلة التي توفر وقود الحملات الانتخابية.”
الشئ الآخر هو الشبه المدهش بين اليمين (المسيحي) الأمريكي، المؤيد لترمب، فيما يبدو، وأهل الإنقاذ (المتأسلمين)، والشبه بين قناة فوكس الأخبارية، صوت هذا اليمين، من جهة، ووسائل الإعلام  السودانية الرسمية وشبه الرسمية (القنوات الفضائية والأرضية، الرسمي منها، والمتلفح بدثار الخصوصية، والإذاعات والصحف السيارة والزاحفة)، صوت النظام الحاكم، من جهة أخرى، في الاستخدام الجرئ للبروباقاندا، والإمعان في التدليس، وإنكار حقائق الدنيا.
أقول قولي هذا، وأدرك الفرق الشاسع بين حالنا وحالهم. في مقابل اليمين الأمريكي الأصولي، تيارات ليبرالية متعددة، ومنظمات مجتمع مدني مستنيرة، وصحافة مستقلة أهمها برامج السخرية السياسية الليلية والأسبوعية التي تفضح شطط قناة فوكس وأضرابها،، وتُبرز سوءات اليمين الأمريكي وفقر حال الحزب الجمهوري (وقطاع كبير من مؤيديه) الذين  جعلوا مسخا أجوفا مثل ترمب مرشحهم للبيت الأبيض.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً