بقلم: د. محمد بدوي مصطفى
Mohamed@Badawi.de
kontakt@qantara.de
من برلين إلى غرينلاند ثم السودان.. عندما يُصنّف البشر بين “زبالة” و”فراولة”
هل أرهق دونالد ترامب المنظومة الأوروبيّة؟…
يا سادتي، أغلب الظن، ليس من عاداتي أن أندب الدهر، وليس منها أن يدفعني أمرٌ ما إلى العته، “يحمّقني” بلهجة المغاربة، بيد أن ما يدور على مسرح الأحداث العالمية في الآونة الأخيرة، بدأ “يطلّع لي الدم”، على حد قول أهل مراكش، وبلغ بسيلي الزبى. حقيقةً، فالمشهد العالمي لاسيما في أوروبا، القارة الأولى، كما يطيب لها أن تسمي نفسها، لم تُرهَق في تاريخها الحديث كما أُرهقت في زمن الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، لاسيما في فترة رئاسته الثانية (٤٦)، إنّه إرهاق لم تولِّدْه الحروب وحدها، بل يولده التهديد اليومي، والتقلب المزاجي، والجمارك التي تُفرض صباحًا وتُلغى مساءً، والخطاب السياسي الذي لا يستقر على معنى، ولا يفي بتعهد، وهلم جرا…
اعتاد العقل الأوروبي يا سادتي التخطيط طويل الأمد، والحوارات المتأنية، والمؤسسات التي تتحرك وفق إيقاع بطيء لكنه محسوب، وجد نفسه فجأة أمام إدارة أميركية تتعامل مع السياسة كما لو كانت منصة مزاد علني، أو حلبة مصارعة، أو كمل لو كانت تغريدة عابرة، أو غمزة لا يعرف مُتَلقِّها مغزاها! لم تعد أوروبا تفاوض دولة كانت إلى فترة ليست بالبعيدة صديقةً وشريكاً استراتيجياً من العيار الثقيل، وقفت معها في السراء والضراء، لاسيما في ويلات الحروب العالمية التي أثقلت كاهل أوروبا ولا تزال. صارت هذه القارة العجوز تلتف كالأفعى حول نفسها ويؤرقها في كل لحظة ما يتوافد عليها من هستيريا من جهة ما وراء البحار، تدخل كل يوم في حوارات وأوامر ونواهي، مصبوغة بلون المزاج.
ففي كل صباح، تستيقظ العواصم الأوروبية على سؤال واحد: ماذا قال ترامب بالأمس وماذا سيقول اليوم وغدًا؟ وهل نحن أمام تهديد جديد، أم تراجع مؤقت، أم مجرد استعراض قوة؟!
ومع حرب أوكرانيا، انكشف هذا الإرهاق على حقيقته. فالرئيس الأميركي لم يكتفِ بالتشكيك في جدوى حلف شمال الأطلسي، بل لوّح صراحة بأن أمن أوروبا ليس التزامًا أخلاقيًا أو استراتيجيًا دائمًا، بل صفقة قابلة لإعادة التفاوض، فأمريكا في المقدمة ومن ثمّة المزاج. وفي ذروة هذا الارتباك، ظهرت قضية غرينلاند، ليس فقط كملف جيوسياسي عقلاني، بل كرمز فجّ وفجّر لفكرة الاستحواذ، وكأنما الناس والأرض تُشترى، والسيادة تُسعَّر كما تسعّر الصحف على قارعة الطرق، والأسوأ، أنّ الشعوب صارت تُختزل في خرائط وحدود جغرافية مفرغة تماما من الهوية، ومن التاريخ.
لا يمكن للمرء أن يتجاهل أن هذا الشعور بالإرهاق يعيد إلى السطح ذكريات الاستعمار القديم. ففي الألفية الماضية، انتهى استعمار دول أوروبا للأراضي العربية والأفريقية على أرض التاريخ، لكن أثره ظل حاضرًا، متجدّدًا بطرق جديدة، ومع طفرة علوم الذكاء الاصطناعي صارت هناك حفنةٌ من البشر، لا تتعدى أصابع اليد، تملك نحو 90٪ من ثروات العالم، من إيلون ماسك إلى مارك زوكربيرغ، ومن مليارديرات التكنولوجيا إلى أباطرة الاقتصاد الرقمي. لم تعد السلطة اليوم بالاستعمار التقليدي، بل بالقدرة على التحكم بالمعلومات، والتكنولوجيا، والموارد الاقتصادية العالمية، وبالتحكم في المزاج العالمي نفسه، بحيث تتحول كل قضية، صغيرة أو كبيرة، إلى ساحة صراع للهيمنة والنفوذ.
(البقية في عدد المدائن بوست ١٦٦ في الأول من شهر فبراير ٢٠٢٦)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم