دستور إيه وهِباب إيه !! .. بقلم: سيف الدولة حمدناالله

إصرار الإنقاذ على تغيير الدستور يشبه حال من يُصِر على تغيير إشارة مرور تم تركيبها في قرية ليس بها طريق للسيارات، فليست هناك قيمه للدستور مهما بلغت عظمة نصوصه إذا لم تطبق في أرض الواقع، فدستور جمهورية زيمبابوي وسوريا وكذلك دستور الإنقاذ الحالي كلها تتضمن  نفس المبادئ التي يقول بها الدستور الأمريكي أو الفرنسي مثل كفالة الحريات والفصل بين السلطات وإستقلال القضاء وقومية الجيش والخدمة المدنية … الخ، وكل الفرق أنها دول لم يسلٌط عليها الخالق أشخاص مثل البشير أو روبرت موقابي أو بشار الأسد.
هذا عبث، وليس هناك سبب يدعو المعارضة لتهدر وقتها وجهدها في تقديم وشرح الأسباب التي تحملها لعدم المشاركة في مثل هذه المسخرة، والصحيح أن تبذل مثل هذا الجهد في فضح حقوق الشعب التي أُهدِرت في ظل دساتير الإنقاذ السابقة.
فالنظام السياسي الذي يعرف معنى وقيمة العدالة لا يحتاج – من الأساس – إلى نصوص دستورية  ليحترم أحكام القضاء أو يتيح لشعبه ممارسة حرية التعبير والعقيدة أو يساوي بين أبنائه في تولي الوظيفة العامة … الخ من المبادئ التي تقول بها الدساتير، وهذا ليس بكلام نظري، فحتى قيام الثورة المصرية كان يحكم مصر دستور يكفل كل ما يخطر بعقل بشر من حقوق ومبادئ يستلزمها قيام الدولة الحديثة، ومع ذلك كان المواطن المصري يعيش أسوأ ما يمكن أن يناله كائن بشري من تحقير بواسطة النظام الذي وضع الدستور، فقد كان المواطن يتلقى ضربة على قفاه  من عسكري الشرطة قبل أن يعرف سبب حضوره للقسم، ولم يكن في مقدور أشجع قاضي في مصر أن يحكم ببطلان قرار لرئيس وحدة إدارية من أبناء الحزب الوطني.
وحينما قامت الثورة، إسترجع الشعب المصري كافة حقوقه الدستورية دون أن يكون هناك دستور من الأساس، حيث أنه تم إلغاء الدستور بعد قيام الثورة وصدر عِوضاً عنه إعلان دستوري يشتمل على مواد محدودة بالقدر الذي يكفي لتنظيم الحكم حتى إجازة الدستور، ففي غياب الدستور إستعاد القضاء المصري إستقلاله وتمكن من القيام بدوره في حماية الحريات والحقوق الدستورية الأخرى، فحكم ببطلان قرارات لرئيس الجمهورية، وقضى بعدم دستورية قانون الإنتخابات الذي ترتب عليه حل البرلمان .. الخ.
إذن فالعبرة ليست بالدستور والنصوص بقدرما تكمن العلة في الإرادة السياسية وإيمان القائمين بالحكم للإمتثال لتلك النصوص والإحتكام إليها، وهذا ما لا يمكن أن يتيسر في دولة تحكمها عصابة، فلا أعرف لصاً تؤثر وجدانه قاعة محكمة.

نعم، هذا عبث، فلا أعرف نظاماً يستحقر شعبه مثلما تفعل الإنقاذ، فهي تدوس على الدستور والقانون واللوائح مجتمعة وتمرغ بها في الوحل دون أن تشعر بالخجل مما تفعل، دستور إيه وهباب إيه في دولة يتحكم في مصيرها بضعة عشرات من الأشخاص الموتورين، هل هناك مبدأ في العدالة لا ينص عليه دستور الإنقاذ الحالي ؟ الا ينص الدستور على كفالة حرية التعبير !! وينص على الحق في تنظيم التظاهرات !! هل هناك أروع مما يقول به دستور الإنقاذ عن إستقلال القضاء !! وعن واجب القوات المسلحة في الدفاع عن أرض الوطن (لافرق بين هجليج  و حلايب والفشقة !!)
ماذا فعلت بنا الإنقاذ وبشعبنا في ظل الدستور الحالي !! الواقع أنه لم تمتهن كرامة شعبنا وتجهض حقوقه وحرياته مثلما فعلت به الإنقاذ، ولم يحدث أن إمتهن نظام حكم سابق القضاء وأحكامه وأفقده حياده وإستقلاله بمثلما فعلت الإنقاذ، فقد تمتع السكرتير القضائي البريطاني بفسحة من الحرية والإستقلال عن الحاكم العام بأكثر مما يتمتع به رئيس القضاء الحالي في حضرة الرئيس البشير، وكلاهما لا يدريان حجم المصيبة وفداحة الخطأ في خنوع الأول وتغول الثاني، فالشعب كله وقف شاهداً كيف مسح الرئيس بالقضاء ورئيسه الأرض حين (أمر) بإلغاء قرار رئيس القضاء بالتحقيق في الظروف التي جُلدت فيها “فتاة الفيديو”، وهل هناك إمتهان لقضاء غاية ما يقوم به رئيسه (تحليف) الوزراء والمستشارين !!
بالنتيجة، ليس هناك قيمة للدستور الحالي أو القادم ما دام هناك شيئ إسمه الإنقاذ.
توضيح:
تصلني كثير من الرسائل عبر البريد الإلكتروني التي يحمل علينا أصحابها من أحبابنا القراء الكرام ما يصفونه ب (صمتنا) عن موضوع القناة الفضائية الذي سبق أن كتبت مطالباً بقيامها وكثير منهم يحمٌلوننا مسئولية عدم تنفيذ المشروع الحلم، حتى أن قارئاً كتب يقول في التعليق بصحيفة “الراكوبة” على دعوتنا في مقالنا السابق لقيام “حزب الأحرار” يقول : “ما تقعد تنظر لينا ساكت في الأول عايزين نعرف وين فضائيتك”.
ليس معنى الكتابة بالترويج لمشروع أن يكون واجب قيامه على الكاتب نفسه، والواقع أنه ليس هناك جديد فيما دعونا له بقيام الفضائية أو الحزب، فقد سبقتنا كثير من الأقلام في ذلك، والعبد الفقير لله ليس لديه طائفة أو جماعة لتنفيذ ما ينادي به، وخلال الفترة الماضية آثرت عدم التعرض لما بلغ علمي الشخصي حول مشروع القناة الفضائية، لكي لا نزيد القراء إحباطاً على إحباط، ولكننا لا زلنا نتمسك بالأمل في قيام المشروعين بعزيمة شبابنا من الجنسين وسوف نفعل كل ما في وسعنا لتحقيق ذلك بوضع يدنا مع الآخرين، وسوف لن نتوقف عن ذلك ما دام فينا عرق ينبض بالحياة دون أن يُنسب إلينا أي من المشروعين.

saifuldawlah@hotmail.com

عن سيف الدولة حمدناالله

سيف الدولة حمدناالله

شاهد أيضاً

ملطشة الدكتوراه في السودان

سيف الدولة حمدنااللهساء كثيرون – وهو بالحق مُسيئ – ما ورد بمقال للكاتب الأردني فهد …

اترك تعليقاً